تاريخ النشر ٢٧/٠٢/٢٠٠٨

فكر ورأي

نصر الله يتوكل على بن غوريون

مؤخرا اقتبس زعيم حزب الله، حسن نصر الله، قول رئيس وزراء اسرائيل الاول، دافيد بن غوريون، انه "اذا خسرت اسرائيل حربا ستكون هذه نهايتها". وبينما هُزم العرب أكثر من مرة، منذ ١٩٤٨ مرورا ب١٩٦٧ ولبنان ١٩٨٢، وسقطت انظمة واهتزت شعوب، الا انها لم تُمحَ عن الوجود، وذلك بسبب استمراريتها التاريخية والثقافية التي تربطها بالأرض قرونا من الزمان. اما اسرائيل فتعيش خوفا مستمرا لانها كيان غريب عن المنطقة بثقافتها، لغتها، قيمها ومصالحها المرتبطة بالاستعمار. وكان بن غوريون دقيقا عندما حدد انه لا يهم عدد الانتصارات، وان هزيمة واحدة تكفي لزوال اسرائيل عن الوجود.

جاء تصريح نصر الله في خطاب بمناسبة تأبين القيادي في حزب الله عماد مغنية، حاول فيه ان يثبت ان اسرائيل صارت على شفا زوال بعد هزيمتها في الحرب الاخيرة مع حزب الله. اغتيال مغنية كان، حسب منطق حزب الله، محاولة يائسة من اسرائيل لدرء خطر الزوال عن نفسها. ولا يكتفي نصر الله بالاعتماد على بن غوريون بل اقتبس تقرير لجنة فينوغراد التي أدانت اولمرت، وأكدت فشله في الحرب. وفشل اولمرت بالنسبة لنصر الله يعني بالضرورة انتصاره هو. ولكن لجنة فينوغراد بالنسبة لاسرائيل هي اطار لتقصي الحقيقة، الحقيقة التي تتجرأ اسرائيل على الاعتراف بها، بينما يتهرب منها العرب وبضمنهم نصر الله.

لا يمكن اقتباس اقوال بن غوريون وفينوغراد وبناء نظريات شاملة على اساسها، وتجاهل السياق التاريخي الذي جاءت فيه هذه المواقف. تصريح بن غوريون مثلا تبعه تحالف مع فرنسا، حصلت بموجبه اسرائيل على اسلحة نووية، امر لا تزال تنفيه لليوم. ثم تحالفت اسرائيل مع الولايات المتحدة لضمان تفوقها العسكري على المنطقة، وهو تفوق امتد لكل الاصعدة، بما فيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

اما الاقتباس من فينوغراد فهو اقرب الى الاقتباس الانتقائي الذي يخدم اهداف نصر الله، دون علاقة بجوهر التقرير. تقرير فينوغراد ينص على ان اسرائيل لم تستطع تصفية حزب الله، لأنها لم تستخدم كل قدراتها العسكرية، وليس كما قال نصر الله بان الجيش الاسرائيلي عاجز عن محاربة مقاتليه. "الهزيمة" التي حذر منها بن غوريون، هي تلك التي ستقضي على الجيش الاسرائيلي وعلى قدراته القتالية، وهذا بعيد جدا عن نتائج حرب لبنان الاخيرة.

نظرة دقيقة لنتائج الحرب تشير الى ان احدا لا يستطيع اعلان الانتصار. فاسرائيل دخلت في دوامة سياسية نابعة من فقدان الثقة بين الشعب والقيادة، اما حزب الله ففقدَ وجوده المسلح في جنوب لبنان ودخل في دوامة سياسية تهدد الكيان اللبناني برمته. كان المفروض ان تعوّض هزيمة اسرائيل المزعومة، عن الهزيمة السياسية التي مني بها حزب الله وحلفاء سورية عندما اضطرت سورية للانسحاب من لبنان في اعقاب مقتل الحريري. الحرب الاخيرة لم تغير هذا الواقع، بل ادت الى انسحاب حزب الله من الحكومة اللبنانية والى انشقاق طائفي وسياسي خطير جدا.

"الانتصارات" المعنوية التي تدعي المقاومة الاسلامية تحقيقها، سواء في لبنان او غزة، لم توظف ضد اسرائيل. بل كان هدفها الاساسي تغيير موازين القوى الداخلية في الصراع السياسي العنيف بين حزب الله وكتلة المستقبل، او بين حماس وفتح في المناطق المحتلة. هذه الانتصارات لم تحظ باجماع لبناني ولا فلسطيني، لدرجة ان الكثير من الدول العربية المؤثرة وقفت مع اسرائيل ضد ما يعتبر المحور السوري الايراني.

الانتصار على قوة مثل اسرائيل يتطلب اكثر من الارادة المعنوية والاستعداد للتضحية. انه يحتاج توحيد كل الطاقات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وهو امر غير وارد في الواقع العربي الراهن. من الممكن تحقيق انتصارات معنوية، ولكن هذه الانتصارات تصبح مضرة وخطيرة اذا وُظّفت لتحقيق برنامج فئوي، اصولي او طائفي.

ان المشهد اللبناني والعراقي والفلسطيني يدل على ان الكيان السياسي العربي هو الذي صار على شفا زوال. اننا امام كارثة حقيقية لا بد من علاجها، ولا يمكن فتح جبهات مع اسرائيل قبل حل مشكلة الجبهة الداخلية الموجودة في حرب اهلية. الحرب الداخلية تشير الى الضعف العربي العام وفقدان الطريق وتغليب المصلحة الفئوية على مصلحة الشعب ككل. على خلفية هذا الوضع يبدو الكلام عن "الانتصار" على اسرائيل، ضربا من الوهم والخيال.

لا شك ان بن غوريون كان محقا عندما قال ان الهزيمة العسكرية ستنهي الدولة اليهودية، ولكن التجربة التاريخية علمتنا ايضا ان الانتصارات العسكرية والاحتلال السريع لا يمكن ان تضمن وجود اسرائيل. ان الخطر على اسرائيل ليس عسكريا بالضرورة، بل هو نابع من الصراع والاحتكاك المستمر بينها وبين الشعوب المقموعة والمحتلة في محيطها. ان هذا الصراع يستنزف طاقات الشعب الاسرائيلي، العسكرية، الاقتصادية، السياسية والمعنوية.

الحياة في اسرائيل ليست "متعة كبيرة" كما وعد اولمرت مواطنيه، بل صارت صعبة رغم محاولة السكان غض الطرف وتجاهل الواقع المأساوي المحيط. ان سياسة تجويع شعب كامل، الاغتيالات، منع الحريات بشكل منهجي، كلها تضرب مصداقية اسرائيل كدولة تفاخر بكونها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. ان ما يهدد كيان اسرائيل ليس انتصار العرب عليها، بل الاجماع الاسرائيلي الجديد بانه لا يمكن الانتصار على العرب، وان كل انتصار عليهم يفتح الباب امام كارثة جديدة. هكذا حدث في جنوب لبنان، ثم في الضفة الغربية واليوم في غزة. هذه هي المعادلة الوجودية التي لا تعرف اسرائيل لها جوابا ولا تدري كيف تتغلب عليها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__92/نصر_الله_يتوكل_على_بن_غوريون
18.11.2017, 10:11