شؤون فلسطينية

مصر ترى بحماس تهديدا لأمنها

سامية ناصر خطيب

أثبتت حماس انها لا تفقه ان السياسة هي فن الممكن. عملية اختراق الحدود مع مصر عنوة، جاءت كمحاولة لفرض الامر الواقع على مصر، كما فرضت انقلابها على قطاع غزة. فقد جاء رد فعل النظام المصري غاضبا. بدل فك الحصار، خلق حماس لنفسه جبهة مواجهة جديدة هذه المرة مع مصر.

أثبتت حماس انها لا تفقه ان السياسة هي فن الممكن. عملية اختراق الحدود مع مصر عنوة، جاءت كمحاولة لفرض الامر الواقع على مصر، كما فرضت انقلابها على قطاع غزة. ولكن العملية التي تباهت بها حماس في البداية واعتبرتها دليل حنكة سياسية، تحولت بسرعة الى فشل ذريع. فقد جاء رد فعل النظام المصري غاضبا ساخطا، وقام على الفور باعادة اغلاق الحدود. بدل فك الحصار، خلق حماس لنفسه جبهة مواجهة جديدة هذه المرة مع مصر.

وقد اوضح النظام المصري على لسان وزير الخارجية، احمد ابو الغيط، انه "سيكسر رِجل" من يتعدى على حدوده. وإمعانا في توضيح الموقف، وجّه ابو الغيط نقدا لاذعا ل"توازن الرعب" الذي تدعيه حماس مقابل اسرائيل، فقال: "ان حماس عقب سيطرتها على القطاع قررت الاشتباك مع اسرائيل، لكن هذا الاشتباك يبدو كاريكاتوريا ومضحكا، لان الاشتباك مع خصم يعني ان تُلحق به ضررا لا ان تتلقى انت الضربات".

ماذا ارادت حماس من كسر الحدود مع مصر؟ يمكن الاشارة الى ثلاثة اهداف رئيسية: الاول كسر الحصار الذي فرضته اسرائيل على القطاع منذ الانقلاب (حزيران 2007)؛ إشراكها في ادارة المعابر، خاصة معبر رفح، وذلك من خلال الضغط على مصر لقبولها طرفا اضافيا في تسيير امور الحدود مع مصر؛ واخيرا انتزاع الاعتراف بها وبشرعية حكومتها في قطاع غزة، من خلال مواصلة ضرب القسام على جنوب اسرائيل لفرض التهدئة.

من غير المفهوم كيف تطالب حماس بالاعتراف بشرعيتها، في حين انها نفسها لا تتصرف كسلطة شرعية، وتخترق امن وسيادة الدولة المجاورة مصر. وليس هذا فحسب، بل جاءت زيارة وفد من الاخوان المسلمين المصريين الى غزة اثناء اختراق الحدود، كاشارة استفزازية اضافية للنظام المصري، الذي اعتبر الزيارة ضوءا احمر وتدخلا مباشر من حماس في شؤونه الداخلية.

FILE illustrations/sabar/080227/gaza_camels.jpg IS MISSING

معبر رفح

كسر الحدود مع مصر كان محاولة من حماس للهروب الى الامام من الزاوية التي حُشرت فيها. من جهة، ادى إحكام الطوق عليها الى نقص شديد في الحاجات الاساسية لاهالي القطاع، لدرجة كادت تُفقدها شرعيتها في نظر مواطنيها، نظرا لفشلها في اداء وظيفتها كحكومة دورها الاساسي هو توفير مستلزمات رعاياها الاساسية.

من جهة اخرى، سعت حماس لمنع المحاولات لاعادة العمل باتفاقية المعابر 2005 لانها تستثنيها، وسعت للضغط على جيرانها لاخذها بالحسبان. بدل معبر ايرز الى اسرائيل الذي سيطرت عليه السلطة الفلسطينية قبل الانقلاب، ارادت حماس الحصول على ادارة معبر رفح لتكون مصر نافذتها للعالم الخارجي، وبهذا الطريقة تتجاوز الحصار وتحصل على اعتراف بسيادتها.

الاقتراح يبدو غير واقعي وخطير ايضا. من جهة اقتراح استبدال مصر باسرائيل بما في ذلك لتصدير البضائع، يبدو غير واقعي نظرا لضعف الاقتصاد والقوة الشرائية المصريين. من جهة ثانية، التنازل عن ايرز يعني التراجع عن العلاقة بالضفة، اذ ان ايرز هي المعبر الى الضفة وليس فقط لاسرائيل. ويعني هذا العودة الى ما كان قبل ال67، عندما كانت غزة تابعة لمصر وكانت الضفة خاضعة للاردن. ولا يبدو ان مصر متحمسة لهذا الاقتراح.

الناطق بلسان حماس، سامي ابو زهري، ادعى ان حماس والمصريين تحدثوا اواخر كانون ثان، في لقاء شمل محمود الزهار وعدد من المسؤولين المصريين، حول اعادة فتح معبر رفح، بالاضافة لموضوع التهدئة مع اسرائيل وصفقة تبادل الاسرى. واكد مسؤول آخر في حماس، رفض الكشف عن اسمه، "ان تشغيل المعبر سيتم في اطار صفقة تتضمن استعداد حماس لوقف اطلاق النار مع اسرائيل اذا رفعت الحصار عن قطاع غزة واوقفت عملياتها العسكرية".

كما استبعدت حماس استثناءها من ادارة معبر رفح مشيرة الى ان بيدها تأكيدات من القاهرة بعدم توصل مصر الى اتفاق مع السلطة الفلسطينية واستثناء حماس من السيطرة على المعابر. وقال الزهري، الناطق بلسان حماس، ان مسؤولين مصريين قالوا لحماس انهم يريدون اتفاقا جديدا تشترك فيه كل من حركة فتح وحماس للسيطرة على الحدود مع مصر.

مصدر مصري موثوق اكد لصحيفة "الحياة"، نفيه ادعاء حماس، واشار ان هدف اللقاء مع حماس كان البحث في مسألة الحدود: "اكدنا لحماس ضرورة تأمين الحدود بشكل كامل وعدم تكرار ما جرى من اجتياح، ومن جانبنا لا علاقة لمصر بالمعبر الفلسطيني". واكد هذا المصدر انه من البديهي الا يعمل المعبر فيما عملية اطلاق حماس للصواريخ مستمرة.

واستبعد المصدر المصري تشغيل معبر رفح قريبا، لان الامر ليس متعلقا بموافقة حماس فقط، بل متعلقا باطراف اخرى. ويعني المسؤول بهذه الاطراف كلا من ابو مازن، اسرائيل، امريكا واوروبا بالاضافة لمصر ايضا، وكل هؤلاء معنيون ببقاء معبر رفح مغلق، ومواصلة الحصار على حماس حتى استدراجها لتنفيذ املاءات الرباعية التي تطالبها بالاعتراف باسرائيل والاتفاقات الموقعة معها ونبذ العنف.

تأكيدا على هذا أعلن مستشار الرئيس الفلسطيني، نمر حماد، انه لا يعلم باقتراح مصري لتشغيل المعابر بالتعاون مع حماس. واكد ان السلطة أبدت لمصر تمسكها باتفاق المعابر من عام 2005 دون تعديله، واعتبر ان مسألة الجمارك جزء من الاشراف على معبر رفح، ولن يتم تشغيله الا تحت اشراف حرس الرئاسة.

ولعل الاجابة تكمن في توجه الوزير المصري ابو الغيط للاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، بالتأكيد على اهمية ان تقوم اسرائيل بالتعاون على ضبط العبور عبر معبر رفح، من خلال الموافقة على نشر مراقبين من الاتحاد الاوروبي والسلطة الفلسطينية. يأتي هذا الى جانب مطالبة اسرائيل بالموافقة على زيادة عدد الجنود المصريين على الحدود الذي لا يتعدى ال750 جنديا.

حماس والاخوان المسلمون

لم تعد مصر مجرد وسيط خارجي في المسألة الفلسطينية، بل صارت ترى في حماس تهديدا على امنها القومي، لا اقل. اجتياح حدودها عزز في نظرها خطورة وجود امارة اسلامية لحماس على حدودها (حسب مقال احمد رحيم في صحيفة "الحياة"، 17/2)، مما قد يعزز قوة الاخوان المسلمين في مصر، والذين يعتبرون الغريم الاساسي للنظام. في هذا الامر تتمسك مصر بثوابت لن تسمح بمسها، واهمها انها لن تسمح لحركة حماس بفرض امر واقع على الحدود تحت قوة السلاح، مثلما فعلت في القطاع في انقلابها العسكري على سلطة فتح.

وما يدل على انتهازية حماس، هو انها تبحث لدى النظام المصري عن اعتراف بشرعيتها، مع ان هذا النظام نفسه يعتبر كافرا في نظر الاخوان المسلمين المصريين، ويقوم بحملة اعتقالات واسعة بين الاخوان، خوفا من النمو المتزايد لشعبية الاخوان في الشارع. وكان النظام المصري قد ادخل تعديلات في الدستور، على نحو يمنع خوض أي انتخابات على اسس دينية، ويمنع رفع الشعارات الاسلامية، كما تم اقرار عدة قوانين تجعل ترشيح مرشحي الاخوان للانتخابات عملية صعبة ومضنية.

في يوم واحد اعتقل النظام المصري 51 عضوا من الاخوان. وكالة "فرانس برس" اقتبست عن مصدر امني قوله "انهم اعتُقلوا بسبب انشطة تتعلق بالانتخابات المحلية". والسؤال المطروح هو كيف لنظام مبارك ان يتعاون مع حماس، في حين يعتقل نظامه بشكل روتيني اعضاء في جماعة الاخوان المسلمين؟

حماس في طريق مسدود، وامام ثلاث جبهات على الاقل: ابو مازن، اسرائيل والآن مصر، وجميع ههذ الاطراف تُحكم الحصار عليها. حماس ترد بتكثيف القصف على اسرائيل، والاخيرة ترد بتقتيل جماعي، ووصل التصعيد الى حد التهديد المباشر بتصفية قيادة حماس. ولا يبدو ان لحماس خيارات كثيرة، وعليها ان تعيد حساباتها بالنسبة لاختيارها طريق المواجهة مع كل الاطراف.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"حماس في طريق مسدود،"

Khaled
Al khaled
نشر بتاريخ ٠٧.٠٣.٢٠٠٨, ٢١:٠٧

اذا كانت حماس امام ثلاث جبهات وانا اقول لا بل اكثر .فلا تكونوا انتم الجبهه الرابعه عليها,فهذا عيب و عار ان يكون من ابناء جلدتنا من يشارك اعداءنا في جلدنا وانا اربأ بكم ان تكونوا من هؤلاء وشكرا.


www.alsabar-mag.com/ar/article__91/مصر_ترى_بحماس_تهديدا_لأمنها
20.11.2017, 18:11