تاريخ النشر ٢٧/٠٢/٢٠٠٨

ثقافة

المكنسة والمجرود

زهية قندس

ظهر متهندسا الى يمين العلم متوّجًا بالمكنسة والمجرود باتجاه المزبلة، ورجع والعلم الى يساره، هذه المرة، صاعدا الدرجات، نحو مركز البلدية. من يحمل المكنسة والمجرود في الساعة التاسعة صباحا والمُدانون يحتلون المكان، لا لسد ديونهم بل لمنحهم الكثير من الوقت، مستترا خلف رجولته والعلم المزين له، إن لم يكن الرئيس؟

لربما اهتز كيانه هذا الصباح بفرار فأر يبحث عن قطعة من الجبن، ومن غير الرئيس صاحب الجبنة الفاخرة هذا الصباح؟

فعَليْهِ اذن.

مشى بين الزاحفين متسلقا العليا غير سائل الحارس الهرم مجمد البندقية والساندويش البائت، متألقا نحو الباب، منهالا بأناقة على طاولة الرئيس متأنيا بأكل فطوره.

رفع رأسه خالعا نظارتيه رائيا فأرا يتسكع في أكل فطوره (هو الآخر!).

إما أنت وإما أنا هذا الصباح أيها الفأر اللعين، ألم تخبرك السكرتيرة من أكون؟ أنا رئيس المجاري التي تؤويك وتؤوي آكليك وقاتليك!

لم يدرِ رئيس البلدية أي الجهات يتخذ وجهةً للقتال. نظر حول خندقه وهو لا يرى سوى أطرٍ وأقلامٍ وأوراقٍ أتته بها السكرتيرة حديثةِ التوظيف، ليوقّعَ عليها بزخرفةِ خطوطٍ تبدو كنبضاتِ صاحب دم أزرق.

وقف على أهبةِ الاستعداد لمعركةٍ جديدةٍ محاولاً استرجاعَ جنديته والدبابة، فلم يجد في مكتبه سوى تماثيل أهدوه إياها في قاعات التكريم: تمثال لبندقية على الشمال، وقداحة على شكل رصاصة باهظة الحياة، على الشمال أيضا. لكنه تعلم في الدروس الأولى للمعسكرات الحربية أن عليه الوقوف على ركائز العدو ليعرف مسالك مجابهته!

"ولكنك مجرد فأر" قالها بقلةِ حيلة وما زال فارشاَ قدماه للهجوم! "لا أعرف عنه شيئا سوى أنه احتل مكاني وسرق صباحي!؟ آه ويعيش في المجاري.. هذا مهم.. مهم جدا.. لكن لماذا أنا؟ مبنى البلدية مكتظ بالأفاعي والبسطاء؟".

لم يدرِ صاحب الجلالة أن لهذا الفأر اللعين، القبيح الهيئة، حاسة شم حادة، صياد ماهر للملذات حين يلمحها.

حاول الرئيس أن يفكر ببساطة لم يعتدها، وها هو ولمدة عشرين دقيقة يتآكل لاصطياد فأرٍ، في الوقت الذي فيه استطاع تشريف عدة قرى قالبا أكبادها.

أيها الرئيس، موقفك هزيل، لو عرف العدو أن بمقدوره اصطيادك بقيادة جيش من الفئران لهزمك قبل زمان.

(لكنه لا يدري، فلا داعي لقلقك)

دخلت صاحبة التنورة قليلة القماش، مع فنجان قهوة رائية رئيسها الشامخ الذي اعتادت رؤيته من وراء طاولته عظيمة الكتفين، ناظرا ساقيها غير دارٍ بشفافية نظارتيه، يقاتل شبحا أسود منهالا عليه في الفراغ ينزف وقودا.

خلعت الآنسة (أو المدام) نعليها وبفراشية أخذت تطوف الخندق حالمةً بالأيادي المصفقة لها بعد افتراسها للعين. ويا له من مشهد رومانسي باعث للغيرة، الآنسة والرئيس يتراقصان في خندق واحد، هي للشمال وهو لليمين، وتعبيرا للخصوصية التي كانت بينهما وقع حد نعلها وبقوة الرقص على عضو الرئيس والنعل الأخرى اصطادت، والحمد لله، الصباح من جديد. تولول الرئيس من الألم وتألم مع جرح الفأر، ونزفا معا.

حاولت الفراشة الهبوط لتواسي رجولته النازفة، وما استطاعت. نهض طالبا مكنسة ومجرود آتيا بالجريمة علم المزبلة.

* كاتبة من مدينة يافا

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__88/المكنسة_والمجرود
22.10.2017, 06:10