العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

ثقافة

معرض "غبار وصراع" في صالة العرض بام الفحم

يا طيور العالم اتحدوا!

داني بن سمحون

الفنان عيسى ديبي يقترح علينا ان نرفع رؤوسنا وننظر الى الاعالي، ان نرى العصافير وهي تتحول الى نقاط سوداء وتذوب في سرب واحد كبير، يجمعها نفس الطموح للوصول الى الاعلى والتحرك بحرية بلا حدود. ولكن السماء ليست ملجأ، بل هي مجاز لمكان يستطيع فيه البشر اليهود والعرب ان يبدعوا وان يعيشوا معا على قدم المساواة وان يشعروا انهم جزء من الشرق الاوسط.

الصور التي يعرضها الفنان عيسى ديبي هذه الايام في صالة العرض للفنون في ام الفحم، لا تدعو المشاهد لمقاومة قوة الجاذبية فحسب، بل وبالاساس لمقاومة قيود الهوية القومية المحدودة. انها تثير الشكوك في الطريقة المثالية التي يتم بها تصوير الهوية القومية، وتقدم مفهوما ادق لقضية الهوية بشكل عام والهوية القومية بشكل خاص، والتي جرت العادة ان تقدم كشيء ثابت، بينما هي في عملية تغيير مستمر من التفكك والتجمع من جديد، تماما كما تبدو في صور اسراب العصافير المهاجرة في اجواء الفضاء.

عيسى ديبي، فنان عالمي شهير، من مواليد حيفا، خريج معهد الفنون في جامعة حيفا عام 1995، وحاصل ايضا على اجازة من جامعة ليفربول في انجلترا، حيث يعيش منذ عشر سنوات ويتنقل بينها وبين نيويورك. يركز ديبي في ابداعه في مجالات الفيديو والتصوير.

في هذا المعرض يركز الفنان على موضوع الهوية، الارض والعنف. الصور التي التقطتها لنقاط منتشرة على السحاب، هي عمليا عبارة عن عصافير مهاجرة، تدعو المشاهد للتحليق ايضا ورؤية الواقع والبشر من وجهة نظر انسانية متساوية، والارتقاء فوق الفروقات القومية الدينية والنزاعات على الارض.

تُعرض الصور في معرض "غبار وصراع"، الذي افتتح مطلع كانون ثان (يناير) الجاري، ويشارك فيه بالاضافة الى ديبي الفنانان الشهيران عالميا ايضا بشير مخول وعوديد شمشون. وهو يتطرق الى الغبار الرمزي الذي يحجب الرؤية الواضحة، ويرفض ان ينقشع ويهدأ بسبب الصراع المستمر. ومما جاء في نص المعرض:

"حتى في حين يتواصل انتشار الغبار في كلّ مكان، فإن إثارة نمط مختلف من الغبار هو ما يقوم به كلٌّ منّا كفنّان. إنّنا نحاول طرح أسئلة حول ما هو متعارف عليه... ونتحدّى باسلوبنا الخاص وجهة النظر التي لا ترى في مشهدنا أكثر من وعاء تروي من خلاله قصّة عن الحرب". بالنسبة للفنانين العرض في أم الفحم يعتبر تحديا وجزءًا من الجهد لجعل الغبار يترسّب على الأرض وينقشع.

عراك وانسجام

من معرض "العائلة" عام 2001

معرض "غبار وصراع" لا يدع مجالا للمشاهد ان يغرق في النظرة المثالية الحالمة للطفولة والوطن، بل يدخله في مواجهة مع صراعات الحياة في اسرائيل التي تتخلل اعمال الفنانين الثلاثة.

الاعمال المعروضة تجسد بشكل مميز اسم المعرض. الغبار، لون الفضاء، يتحول الى ساحة تتعارك وتتدفق داخلها آلاف النقاط الصغيرة السوداء. السماء والسحاب التي ترمز عادة للرومانسية تصبح ساحة صراع، تغزوها بشكل مستمر النقاط السوداء المنتشرة على عدة صور مكبرة الحجم. لاول وهلة تبدو الصور متطابقة، ولكن نظرة متفحصة تجعلك ترى ان النقاط السوداء هي عبارة عن عصافير. والمفارقة ان التأمل والنظر الى الاعالي، يفقدك وزنك ويدخلك في رحلة الى الاعماق. يجعلك تحلق مع العصافير، في كل الاتجاهات، وتهتز معها في صراع لا ينتهي.

اختيار العصافير كموضوع امر مثير ورمزي. انه يعبر عن الفنانين انفسهم الذين يحاولون الارتقاء فوق الحدود التقليدية المتعارف عليها، مثل الارض والجغرافية المتنازع عليها. المثير ان الفنان الذي يعتبر عادة فرديا ذاتيا، يختار ان يعبر عن وجهة نظره تحديدا من خلال تصويره للجماعة، المتمثلة باسراب الطيور. الرمز للجماعة هو العنصر المسيطر في الصور، الى درجة ذوبان الفرد وفقدان هويته حتى تتحول هي نفسها الى غبار.

تقنية تكبير الصور لدرجة تمويه التفاصيل، تصب في نفس الهدف الذي يعطي معنى جديدا للتفاصيل الفردية ويحولها الى كتلة واحدة، محل العصافير يحل السرب، وهو الذي ينساب ويتدفق ويهاجر. الوجود الاساسي هو للمجموعة المتكتلة، وليس للفرد وحده. ومع هذا لا تحررها الوحدة من الصراع، صراع البقاء بين الانسان والطبيعة، وليس بين الانسان والانسان.

الهجرة هي رمز مهم ومركزي في المعرض، وتظهر كشيء ونقيضه بسبب تقنية التصوير التي "تجمّد" اللحظة. التجميد يتعارض مع طبيعة الهجرة التي تعني الحركة المستمرة. ويخلق هذا شعورا بالانزعاج لدى المشاهد، كما لو ان احدا يفرض هذا الوضع بالقوة ويتدخل بعنف في عملية طبيعية تحاول ان تأخذ مجراها. هذا الوضع يزيد الاحساس العام بالصراع، بين الامتلاء والاختواء، بين المكان الثابت وعملية الهجرة والحركة المستمرة، بين التفاصيل الفردية والاسراب.

الاهتمام بموضوع الهوية والعنف والارض، ليس جديدا على الفنان عيسى ديبي. وجهة نظره هذه رأت النور في اكتوبر 2001، بعد عام من اندلاع الانتفاضة الثانية، في "العائلة" وهو مشروع مشترك مع الفنان يوفال شاؤول. المشروع الذي عُرض في جاليري جولي م. في تل ابيب اشتمل على مجموعة صور لوجوه كبيرة الحجم، هي عبارة عن عملية تهجين ودمج بين وجوه ضحايا العنف الفلسطينين واليهود من اعمار مختلفة. نتيجة تهجين الضحايا كانت عبارة عن اقنعة موت جماعية، يخرج من خلالها الفنان ضد الاستهتار واللامبالاة التي يقابَل بها قتل مدنيين سواء فلسطنيين او اسرائيليين لاسباب قومية.

يقترح ديبي علينا ان نرفع رؤوسنا وننظر الى الاعالي، ان نرى العصافير وهي تتحول الى نقاط سوداء وتذوب في سرب واحد كبير، يجمعها نفس الطموح للوصول الى الاعلى والتحرك بحرية بلا حدود. ولكن السماء ليست ملجأ، بل هي مجاز لمكان يستطيع فيه البشر اليهود والعرب ان يبدعوا وان يعيشوا معا على قدم المساواة وان يشعروا انهم جزء من الشرق الاوسط.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__71/يا_طيور_العالم_اتحدوا!
22.11.2017, 13:11