العدد ٢١١, تشرين اول ٢٠٠٧

شؤون نقابية

اضراب المعلمين في ظل انقسام منظماتهم

اوريت سودري

قد يحقق المعلمون نتيجة معركتهم بعض الانجازات الجزئية، ولكن الامر الخطير الذي اتضح في المعركة هو غياب الظهر السياسي والانقسام بين نقابتي المعلمين في المسألة الاهم، وهي خصخصة جهاز التعليم التي ستضرب حقوق المعلمين على المدى البعيد.

اضراب معلمي المدارس الاعدادية والثانوية في اسرائيل المتواصل حتى كتابة هذه السطور، والذي يُبقي ٦٠٠ الف طالب خارج اطار التعليم، يحظى هذه المرة بدعم جماهيري واسع، يشمل الطلاب ووسائل اعلام عديدة. على غير العادة، يكتسي الاضراب هذه المرة طابعا نضاليا حيويا، وترافقه خطوات تظاهرية، اعتصامات ومسيرات.

تطالب نقابة المعلمين، التي تؤطر ٤٠ الف معلم في المدارس الاعدادية والثانوية، باضافة ١٥% لاجر المعلمين بشكل فوري، واضافة ٣٥% اخرى في نهاية عملية رفع الاجور، وتقليص عدد الطلاب في كل صف. اما الخلفية للاضراب فهي معارضة النقابة للاصلاحات الذي تحمل عنوان "افق جديد"، والتي اتفقت عليها الحكومة مع "هستدروت المعلمين" التي تنظم ١٢٠ الف معلم في المدارس الابتدائية. بهذا الاتفاق تمكنت الحكومة من دق الاسفين بين التنظيمين.

لا يختلف اثنان بالنسبة لحاجة جهاز التعليم الحكومي في اسرائيل للاصلاح. فهو يعيش ازمة كبيرة، وطرق التعليم قديمة مهترئة وخاصة في الرياضيات والعلوم. وقد ازدادت الانتقادات على خلفية التحصيلات المتدنية التي حققها الطلاب الاسرائيليون في الامتحانات الدولية في مجال الرياضيات وفهم المقروء.

ران ايرز، رئيس تنظيم المعلمين الاعداديين والثانويين، يدعي وبحق ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين هستدروت المعلمين والحكومة لا يحسّن جهاز التعليم ولا يرفع من مكانة المعلم، بل بالعكس. يحول الاتفاق المعلمين الى اشبه بمربي الاطفال، بدل ان يوفر لهم الوقت والامكانيات للتدريس، كل هذا دون ان يتقاضوا حتى الاجر الذي يتقاضاه مربو الاطفال.

في حملتها الدعائية تشير نقابة المعلمين الى انه تم في السنوات الاخيرة تقليص اربعة مليارات شيكل من ميزانية التعليم، وتقليص ٨.٥ ساعة تدريس اسبوعية من كل طالب. تندرج اسرائيل في اسفل سلم الدول الغربية من ناحية عدد ساعات التدريس. كما تراجعت قيمة اجر المعلمين بثلاثة مليارات شيكل منذ عام ١٩٩٩. وفي حين كانت اجور المعلمين في اسرائيل من الاكثر انخفاضا في العالم، كانت كثافة الطلاب في الصفوف من اعلاها. مشاركة الاهالي في تمويل جهاز التعليم تعادل ضِعف ما هو متعارف عليه في الغرب.

في العام الماضي أجرت نقابة المعلمين مفاوضات مع وزارة المالية، دون الوصول الى نتيجة. الحكومة من جانبها، وبعد ان وقّعت اتفاقا مع هستدروت المعلمين الابتدائيين بشكل منفرد، غير مستعدة اليوم للدخول في مفاوضات مجددة مع نقابة معلمي المدارس الاعدادية والثانوية. وتستخدم الحكومة الاتفاق الموقع مع الهستدروت كسوط لكسر اضراب نقابة المعلمين.

خطة "دوفرات" تعود من الباب الخلفي

في ١٠ ايلول الاخير توصلت الحكومة الى اتفاق مع هستدروت المعلمين يشترط زيادة في اجور المعلمين بالموافقة على برنامج اصلاحي تحت عنوان "افق جديد"، يشمل تغييرات جوهرية في جهاز التعليم، منها موافقة المعلمين على البقاء ساعات اضافية في المدرسة بعد انتهاء الدوام. رفع اجر المعلم المبتدئ من ٣٤٧٠ شيكل شهريا (اقل من الحد الادنى) الى ٥٣٠٠ شيكل، والذي صورته الهستدروت كانجاز كبير في مفاوضاتها مع وزيرة التربية يولي تمير (حزب العمل) ومسؤولي وزارة المالية، يتبين اليوم كوهم كبير كلما تبينت ملامح الخطة الاصلاحية.

الخطة الاصلاحية الجديدة التي تحمل اسم "افق جديد" هي عمليا صيغة جديدة لخطة "دوفرات" التي سقطت بسبب المعارضة الشديدة من جانب المعلمين. فالاتفاق الذي وافقت عليه هستدروت المعلمين ينص على اجراء خطوات اولى باتجاه خصخصة المدارس، وتغيير اسلوب تشغيل المعلمين ليتم بشكل عقود شخصية، الامر الذي يُضعف امكانية التنظيم الجماعي للمعلمين مستقبلا. يذكر انه لن يتم التوقيع الجماعي على الاتفاق، بل سيكون على كل معلم بشكل شخصي ان يوقع على موافقته على قبول برنامج "افق جديد".

حسب الخطة الجديدة ستتحول كل مدرسة الى جسم مستقل يتولى مسؤوليته المدير، ويقوم بادارة اقتصاده الخاص بنفسه. وكنا في مقال سابق في الصبّار (آذار ٢٠٠٧) قد أوضحنا ان احد اخطر الانعكاسات لمخطط من هذا النوع، سيكون اتساعا اضافيا ونوعيا في الفجوات الموجودة اصلا بين مستوى المدارس في المراكز الغنية والبلدات الفقيرة وخاصة العربية منها.

يُشار الى ان نصف المعلمين المؤطرين في الهستدروت نفسها يعارضون الخطة. فقد تبين عمليا ان برنامج "افق جديد" سيرفع اجر المعلم في افضل الحالات ب٦% فقط للساعة، اما الاجر العام فسيرتفع فقط بعد زيادة ست ساعات تدريس عادي داخل الصفوف، اضافة الى ساعات تعليم في برامج اخرى.

ومن غير المتوقع ان تغطي اضافة الاجر النفقات الكبيرة التي ستضطر المعلمات لانفاقها على ترتيب رعاية لاولادهن، اثناء عملهن الساعات الاضافية. علاوة على ذلك، يقول معلمو المدارس الابتدائية ان الساعات الاضافية كانت في السابق تُحسب كساعات اضافية وكانوا يتقاضون مقابلها اجرا اعلى من الاجر عن الساعة العادية، اما اليوم فستحسب ضمن الساعات الاساسية. بالاضافة للاساءة في قيمة الاجر، هناك تغييرات اخرى ستسيء للمعلمين في مجال ساعات الدوام، بدل دورات الاستكمال، حقوق التقاعد وامتيازات اخرى كان المعلمون يتقاضونها كلما زادت اقدميتهم في العمل.

عملية الخصخصة التي يمر بها المجتمع الاسرائيلي في العقدين الاخيرين، وصلت منذ مدة الى جهاز التعليم، وذلك من خلال ما يسمى "التعليم الرمادي"، الذي يعني تمويل الاهالي لساعات تدريس وفعاليات اضافية في المدارس. والآن تسعى الحكومة الى شمل الخصخصة في القانون، دون الالتزام بتقليص عدد الطلاب في كل صف، ولا برفع حقيقي في اجر ومكانة المعلم.

النتيجة ستكون ان المعلمين الممتازين سيتوجهون للعمل في المدارس الممتازة مقابل اجر اعلى يوفره الاهالي الاغنياء، اما جهاز التعليم نفسه فسيواصل التدهور الى مستوى التعليم في العالم الثالث، كما يحذر وبحق رئيس نقابة المعلمين الاعداديين والثانويين.

نضال في ظل انقسام

اضراب المعلمين الثانويين يحاول ان يوقف هذه الخطوات، ولكنه يواجه صعوبات كبيرة، خاصة بعد ان قبلت هستدروت المعلمين الاصلاحات. ليس جهاز التعليم الابتدائي والثانوي وحده يقف امام مشكلة، بل التعليم العالي ايضا. اليوم يُضرب محاضرون كبار في الجامعات، وينوي المحاضرون المساعدون الانضمام اليهم. في السنة الماضية أضرب الطلاب ضد رفع رسوم التعليم، وانتهى الاضراب بتوقيع قيادتهم على اتفاق سيئ لم يمنع رفع الرسوم.

مقابل الحملة المكثّفة لخصخصة التعليم كجزء من السياسة النيوليبرالية، تقف تنظيمات المعلمين والمحاضرين منفصلين، وكلٌّ يحارب الحكومة وحده، وبالتالي فرص النجاح ليست كبيرة.

ضعف الاضراب ينبع ايضا من غياب الدعم السياسي لنقابة المعلمين ولمطالب العمال عامة. فكل احزاب الائتلاف والجهاز السياسي برمّته ملتزم بالنهج الاقتصادي النيوليبرالي الذي يقضي بخصخصة المرافق العامة بما في ذلك الجهاز التعليمي، ويعني هذا ان النضال النقابي يفتقد الظهر والدعم السياسيين. ما رأيناه خلال الاضراب من تحالف وثيق ضد المعلمين بين وزيرة التربية والتعليم تمير (العمل) ووزير المالية، روني بار-اون (كديما)، كان اثباتا على عزلة النضال العمالي.

بالمقابل وفي ظل غياب بديل آخر يحاول اليوم رئيس نقابة المعلمين الاعتماد على انصار رئيس حزب العمل، ايهود براك، وآخرين في حزبه مثل رئيس مركز السلطات المحلية عادي الدار، والذين يلمحون بدعم الاضراب، خدمةً لاغراض سياسية نابعة من خلافاتهم الفئوية مع الوزيرة تمير داخل حزب العمل.

ويرى مراقبون ان تدخل رئيس الهستدروت، عوفر عيني، كوسيط بين هستدروت المعلمين والحكومة هو جزء من هذه الضغوط، ويرى آخرون انه يحاول ان يضم تحت لوائه النقابات المهنية المستقلة عنه، مثل هستدروت المعلمين والاطباء وغيرها.

حتى اغلاق هذا العدد من الصبار (الاثنين ٢٩/١٠) يبدو ان احتمالات انهاء الاضراب باتفاق يحقق انجازات جزئية للمعلمين امر وارد. ولكن يبدو ان الاعتماد على انصار براك في حزب العمل حتى لو جاء بنتيجة عينية قد يدفع نقابة المعلمين للتراجع عن نهجها النضالي، مما قد يقود لمزيد من التراجع في المستقبل. ويبقى الامر الاخطر هو امكانيات التصدي لمخطط خصخصة جهاز التعليم الذي سيضرب حقوق المعلمين على المدى البعيد. وللاسف، في هذا الشأن يفتقد المعلمون الدعم السياسي وحتى نقاباتهم لا تقف موحدة ازاء الهجمة المتوقعة. "end"

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__7/اضراب_المعلمين_في_ظل_انقسام_منظماتهم
21.11.2017, 12:11