فكر ورأي

تبرئة الشرطة من احداث اكتوبر - قرار سياسي

اساف اديب

قرار المستشار القضائي للحكومة، ميني مزوز، اغلاق ملف شهداء اكتوبر ٢٠٠٠ لم يكن مفاجئا. فسر مزوز قراره بان قتل الشباب العرب ال١٣ تم خلال هجوم شعبي عربي على قوات الشرطة، وحتى لو كان هناك قرار خاطئ او مبالغ به من قبل رجال الشرطة، الا انهم تصرفوا بموجب التعليمات التي مُنحت لهم، وعليه فلا مجال لتقديمهم للمحاكمة.

مثير ان مزوز يبرئ رجال الشرطة لانهم "تصرفوا بموجب التعليمات"، ولا يتطرق اطلاقا الى طبيعة هذه "التعليمات" التي "بموجبها" قُتل الشباب. قرار مزوز هو سياسي قبل ان يكون قانونيا او اجرائيا، وهو يجسد موقف المؤسسة الحاكمة التي ارادت بقتل الشباب العرب توجيه رسالة للجماهير العربية، بان عليها الانصياع للواقع الاسرائيلي وان تجرأت على التحدي فستلقى المصير نفسه. هذه كانت روح "التعليمات" التي "تصرف بموجبها" رجال الشرطة.

مقابل الموقف الاسرائيلي السياسي الموحد، اتسم رد فعل القيادات العربية الرسمية بالارباك وغياب الخيارات السياسية. في ردها على القرار أعلنت لجنة المتابعة الاضراب العام ونادت لمظاهرة جماهيرية والتوجه للمحافل الدولية للمطالبة بتشكيل "لجنة تحقيق حيادية بمشاركة مختصين دوليين، باعتبار ان رفع القضية للصعيد الدولي هو بداية للمعركة على المستوى العالمي، دون التخلي عن الحوار مع المجتمع الاسرائيلي" (بانيت، ٢٨/١).

المندوبون العرب الذين اتخذوا القرار يعلمون ما يعلمه كل من يتابع شؤون الجماهير العربية في السنوات الاخيرة، وهو ان الاضراب العام لن يكون فعالا، وان الجماهير منذ زمن طويل توقفوا عن المشاركة في المظاهرات القطرية. كما صار معروفا ان الامم المتحدة فقدت دورها الحيادي واصبحت مؤسسة مخصية تابعة بشكل عام للمصالح الامريكية.

القيادات العربية الرسمية باتت جزءا من الانقسام الفلسطيني والعربي عموما. الجبهة تؤيد تيار ابو مازن الذي يستمد قوته من اتصالاته الوثيقة بامريكا واسرائيل، وهو تيار فقد ثقة الجماهير بسبب فساده؛ اما التجمع والحركات الاسلامية، فمقرّبة من التيار الاسلامي الذي يرفض الاعتراف باننا نعيش في القرن ال-٢١، ويسعى لاعادة الشعب الفلسطيني والعالم للقرون الوسطى تحت غطاء شعارات دينية عدمية لا مجال لتحقيقها.

الجماهير العربية مرت باحداث مشابهة ابرزها يوم الارض عام ١٩٧٦. ولكن في تلك الفترة صممت القيادة السياسية على استثمار الاستعداد الجماهيري للنضال والتحدي وترجمته على المستوى المحلي والقطري، وقلب موازين القوى ضد اذناب السلطة ولصالح عناصر شابة وتقدمية توحدت في حينه في اطار الجبهة.

من ذلك الحين تغيرت الجبهة، وفقدت قاعدتها الشعبية، لتخليها عن العمل الميداني وانخراطها في ائتلافات غير مبدئية مع احزاب السلطة. في عام ١٩٩٩ دعمت الجبهة ككل القيادات العربية الرسمية مرشح حزب العمل، ايهود براك، لرئاسة الحكومة، نفس الزعيم الذي اعطى التعليمات التي بموجبها قتل رجال الشرطة الشباب في اكتوبر ٢٠٠٠.

فشل البرنامج السياسي للاحزاب العربية الذي اعتمد على التحالف الاستراتيجي مع حزب العمل، جعلها تلجأ للاعتماد على القضاء وتطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية ومعاقبة رجال الشرطة المجرمين. هذا بدل استنهاض الشعب وطرح قضاياه ومواجهة العنصرية التي قادته اصلا للانتفاض. اليوم تشكو الاحزاب من قرار مزوز الذي أوصلها من جديد لطريق مسدود، وأفهمها ان القضية سياسية وليست قضائية.

في غياب القيادة المخلصة والواقعية التي تحمل هم الجماهير العمالية وتبني قاعدتها الشعبية في الميدان، تبقى خيارات لجنة المتابعة محدودة ويبقى المجال مفتوحا لمزوز وغيره من مندوبي السلطة للاستهتار بمبادئ العدل وتكريس التعامل العنصري تجاه العرب.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__67/تبرئة_الشرطة_من_احداث_اكتوبر_-_قرار_سياسي
22.10.2017, 15:10