العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

فكر ورأي

مظاهرة الناصرة انشقاق غير مسبوق

اسماء اغبارية-زحالقة

شعار رفع الحصار ليس مجرد شعار انساني بل مطلب سياسي يتعلق بالبرنامج المطروح لتحقيقه. التجمع والاسلاميون رفعوا شعار حماس، بينما رفعت الجبهة شعار ابو مازن. المشكلة ان كلا الطريقين يكرسان الحصار والاحتلال، والطريق الى فكه تكون اولا بتوحيد الساحة السياسية الفلسطينية على قاسم مشترك بعيد عن نهج فتح المتواطئ ونهج حماس غير المتوازن.

الكارثة السياسية والانسانية التي يمر بها قطاع غزة، كشفت ايضا عن انشقاق غير مسبوق في المواقف السياسية للاحزاب العربية داخل اسرائيل. حزب التجمع الوطني الديمقراطي والحركات الاسلامية بشقيّها نظمت في 5/1 مظاهرة في الناصرة تحت شعار رفع الحصار عن قطاع غزة، على اساس دعم كامل لحماس. تعمد المنظمون إقصاء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي تصر من جانبها على دعم ابو مازن. شارك في المظاهرة نحو الفي شخص في جوء من الاحتقان السياسي نادت فيه الجبهة جماهير الناصرة الى عدم المشاركة.

لا بد من التذكير ان اسرائيل شددت الحصار على قطاع غزة، بعد الانشقاق الفلسطيني الداخلي الذي بلغ مداه في انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية. الحصار ليس اسرائيليا فحسب، بل هو امريكي، اوروبي، عربي وفلسطيني-فتحاوي، هدفه عزل حماس واجبارها على الاعتراف باسرائيل والاتفاقات الموقعة معها ونبذ العنف. الحصار هو جزء من "سياسة المحاور": المحور الامريكي ومعه اسرائيل والانظمة العربية "المعتدلة" وضمنها ابو مازن؛ وبالمقابل المحور الايراني الاصولي ومعه سورية، حزب الله وحماس.

وعليه، يمكن القول ان مظاهرة الناصرة نقلت الانقسام الفلسطيني الى داخل ال48 ايضا، وراح كل حزب يصطف في المحور القريب منه، ويقوي طرفا على حساب طرف آخر.

حماس في الناصرة

الشعار السياسي لمظاهرة التجمع-الاسلاميين كان: "نعم للحوار غير المشروط بين فتح وحماس وجميع الفصائل الوطنية، ولاعادة بناء البيت الوطني الفلسطيني بعيدا عن التواطؤ مع الحصار والارتهان للشروط الامريكية والاسرائيلية التي برزت في مؤتمر انابوليس"؛ كما ورد في رسالة منظمي المظاهرة للجبهة، والتي نشرها ايمن عودة في مقاله بموقع الجبهة (12/1). بهذا الشعار الذي يتهم سلطة ابو مازن وكل المشاركين في انابوليس بالتواطؤ مع الحصار، يكون التجمع والحركات الاسلامية قد اختاروا الانحياز الكامل لموقف حماس ودعم مطالبها: رفع الحصار عن غزة والاعتراف بالانقلاب وبشرعية حكومة حماس. وهو بالضبط هدف هجمات القسام المستمرة على سديروت والنقب.

المظاهرة وبالذات خطاب الشيخ رائد صلاح "الحماسي" بدعم غزة "قلعة القسام"، يثيران تساؤلات حول معنى تنظيم مظاهرة داعمة لحماس في قلب الناصرة؟ فهل من الآن قررت هذه الاحزاب انها مع حماس ومع انقلابها؟ وما هو الاشتقاق العملي لهذا الدعم؟ هل تريد مقاومة اسرائيل فعلا، وباي شكل من اشكال المقاومة؟ وسؤال آخر، كيف يدعم هذا الموقف الانشقاقي القضية الفلسطينية العادلة، وكيف يلبي مطالب الجماهير العربية في الداخل بالخروج من دائرة الفقر والسياسة العنصرية بحقها؟ لا احد من المنظمين يكلّف نفسه عناء الرد.

الجبهة في بلبلة

شعار المظاهرة يفسر بالضبط اسباب عدم مشاركة الجبهة، التي اختارت من جانبها دعم ابو مازن. عودة بشارات كتب في موقع الجبهة، 16/1، يؤكد الخلاف السياسي بين الاحزاب: "حين يتضح أن جوهر الشعارات يتضمن تخوين السلطة الوطنية الفلسطينية، فلا يمكن القبول بهذا. نحن في الجبهة يوجد لدينا نقد كبير على حماس لقيامها بهذا الانقلاب الدموي، ومع ذلك فقد كنت مستعدا للمشاركة في مظاهرة تدعو الى كسر الحصار، دون أن تشمل شجبا لانقلاب حماس. أما أن تُطالَب الجبهة بالمشاركة في مظاهرة تحمل شعارا يخوّن السلطة الوطنية، مع أن المنظمين يعرفون أننا لا نوافق على ذلك، فهذا الأمر مناقض لأبسط مبادئ العمل الوحدوي، وهي دعوة معروفة الجواب".

ولا تكتفي الجبهة باعلان التأييد المعنوي من بعيد لابو مازن، بل كلّف نائبها الاول محمد بركة نفسه مهمة المشاركة في احتفال حركة فتح في رام الله بتاريخ 3/1 بمناسبة الذكرى ال43 لانطلاقة الثورة الفلسطينية. وكان الى جانبه على المنصة كل من رئيس الحكومة الفلسطينية السابق أحمد قريع، باسم حركة فتح، وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قيس عبد الكريم، باسم فصائل م.ت.ف.

لا شك ان دعم الجبهة الفعال لابو مازن يعتبر خطأ سياسيا كبيرا، علما انها تراهن على طرف فقد مصداقيته لفساده وعجزه السياسي، وانهار تماما دون ان يحظى باي سند شعبي، كما رأينا في نتائج الانتخابات للتشريعي قبل عامين، ثم في نتائج الانقلاب الاخير في غزة.

بعد ايام قليلة من مشاركة الجبهة الى جانب ابو مازن، حضر الرئيس الامريكي، جورج بوش، في 9/1، لدعم ابو مازن هو ايضا. كُرّست الزيارة لمتابعة قرارات انابوليس، دفع المفاوضات بين السلطة واسرائيل، وتكريس الحصار على حماس. ولكن الجبهة تفضل ان تتجاهل الحقيقة المزعجة وهي ان حليفها ابو مازن هو اولا حليف الامريكان. وللتغطية على دعمها السافر للرئيس الفلسطيني، نظمت مظاهرة قبالة القنصلية الامريكية بالقدس، في 9/1 ضد الرئيس الامريكي الذي وصفته بانه "رئيس محور الشر". وليس هذا فحسب، بل رفعت لافتات منادية برفع الحصار عن قطاع غزة، شعارها هي وعلى طريقة ابو مازن.

لا شك ان الجبهة موجودة في بلبلة من امرها. المظاهرة ضد المحور الامريكي تبدو تطبيقا للخط السياسي لكلمة الامين العام للحزب الشيوعي، محمد نفاع، في لقاء اثينا للاحزاب الشيوعية. خرج نفاع ضد مؤتمر انابوليس ودعم المقاومة، ووصف زيارة بوش بانها "زيارة شريرة من قطب الشر"، وتساءل: "بأي وجه يلاقي الفلسطينيين واللبنانيين، وكيف يُستقبَل مع كل جرائمه في العراق وضد كل شعوب المنطقة؟" (موقع الجبهة، 12/1). الامين العام يتجاهل مثلا ان ابو مازن، حليفه، استقبل بوش بالاحضان. البديل الذي اقترحه نفاع هو بوضوح تصعيد المقاومة، فقال: "ليكن العام الجديد عام تصعيد مقاومة الاحتلال العدواني في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وافغانستان".

هذا الخطاب الرنان الذي يكاد لا يختلف عن خطاب رائد صلاح او التجمع، يعبر دون شك عن تخبط وانفصام في الخط السياسي للجبهة والحزب الشيوعي، وفجوة كبيرة بين الخطاب وبين التطبيق السياسي. وهذا يدل على ان للجبهة مواقف اعلامية لارضاء الرأي العام المحلي والعربي الذي "يكره امريكا ويحب المقاومة"، ولكنها في التطبيق ترضي مصالحها البراغماتية الضيقة. وهو امر معهود لدى الجبهة التي تعارض رسميا الرأسمالية والصهيونية ولكنها فعليا تتحالف مع حزب العمل في الهستدروت ومع حزب كديما في بلدية حيفا. كذلك بالنسبة للسياسة الكبرى، فهي تتحدث ضد المحور الامريكي، ولكنها تتحالف مع اهم رموزه في المنطقة، ابو مازن.

من يرفع الحصار؟

ان شعار فك الحصار ليس مجرد شعار انساني تضامني مع اهلنا المعذبين في قطاع غزة، بل هو مطلب سياسي، يتعلق بالبرنامج المطروح لتحقيقه. التجمع والاسلاميون رفعوا الشعار، وكذلك رفعته الجبهة، ولكن تبين ان الطرفين يتمسكان بطريقين مختلفتين بل ومتوازيتين لا تلتقيان، لتحقيقه:
هناك طريقة حماس، وهي المقاومة والقسام على سديروت وشعار "لا نعترف باسرائيل"، لإاجبار" اسرائيل على فك الحصار. ولكن هذا الموقف المتعنت يكرّس الحصار.

وهناك طريقة ابو مازن، الذي يستقبل بوش ويدخل في مفاوضات عقيمة مع اسرائيل، ويسعى لعزل حماس كشرط لفك الحصار بكل ثمن. ابو مازن عمليا يريد غزة بلا حماس. وليتم ذلك، لا بد ان يستمر الحصار.

الواقع ان كلتا الطريقين لا يمكن ان تزيلا الحصار لانهم هما اصلا أفسحتا المجال لاسرائيل لفرضه وممارسة عدوانها. الحصار لم يبدأ بانقلاب حماس في غزة، بل يوم وقع زعيم فتح ورئيس السلطة الاول، ياسر عرفات، على اتفاق اوسلو الذي فرض الطوق على المناطق الفلسطينية واغلق غزة وراء جدار. سياسة التبعية والفساد التي اتبعتها فتح هي التي قادت الى سطوع نجم حماس في نظر الناس الذين سئموا فساد السلطة من جهة وعجزها عن تحقيق اي مكسب سياسي من جهة اخرى.

لا شك ان طريق ابو مازن الفاسدة والمتواطئة فعلا مع اسرائيل وامريكا، فقدت كل مصداقية، ولكن طريق حماس المتطرفة والمعزولة عن الواقع، والساعية لفرض برنامجها الاسلامي القمعي الاصولي على القطاع، وتدين ابو مازن صبح مساء، وتتباهى برفضها الاعتراف باسرائيل، انما تزيد في اضعاف الشعب الفلسطيني الاعزل وتعرضه لمزيد الهجمات الاجرامية الاسرائيلية.

ان من حق اية جهة ان تتضامن مع قوة سياسية في المناطق المحتلة، ولكن المشكلة انه ليست في الساحة الفلسطينية قوة سياسية بديلة يمكن دعمها. ان الطريق الى فك الحصار يكون اولا بتوحيد الساحة السياسية الفلسطينية على قاسم مشترك بعيد عن نهج فتح وحماس. ولكن للاسف ليست هناك اليوم قوة سياسية نافذة في الشارع الفلسطيني، قادرة على ذلك. ومن هنا لا بد من العمل الدؤوب من اجل صياغة برنامج سياسي جديد، وطريقة عمل بعيدة عن فساد امريكا وابو مازن وعن المقاومة المضرة وغير المتوازنة التي تقوم بها حماس.

ولا شك ان الطريق الاقل فاعلية هو تنظيم مظاهرات انشقاقية كتلك التي تتنافس عليها الاحزاب العربية في داخل ال48، والتي تضعف موقف الشعب الفلسطيني، وتؤجل ازالة الحصار وتبعد اية امكانية للوصول الى مخرج عقلاني من الازمة. شعار رفع الحصار الذي كان المفروض ان يكون عنوانا للانسانية والوحدة تحول الى فرصة ضائعة أبعدت الجماهير الغفيرة التي تعبت من السياسة بسبب النفاق وفئوية السياسيين.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__66/مظاهرة_الناصرة_انشقاق_غير_مسبوق
11.12.2017, 05:12