العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

نساء

جسر الزرقاء: النساء القوة الاقتصادية الفعالة

ميخال شفارتس

قرية جسر الزرقاء، القرية الساحلية المعروفة بجمال شواطئها، هي ايضا احدى اكثر القرى العربية فقرا. تعتبر القرية اكبر مصدّر لعاملات النظافة اللواتي يعملن في المستشفيات على امتداد الساحل بين تل ابيب وحيفا. ٩٠% من عمال القرية الذين يخرجون للعمل يوميا هم من النساء! النسبة في ارتفاع ولكن المفارقة ان العمل لا ينشل القرية من الفقر.

تصوير: غوني راسكين

قرية جسر الزرقاء، القرية الساحلية المعروفة بجمال شواطئها، هي ايضا احدى اكثر القرى العربية فقرا. تعتبر القرية اكبر مصدّر لعاملات النظافة اللواتي يعملن في المستشفيات، الجامعات الفنادق وقاعات الافراح، على امتداد الساحل بين تل ابيب وحيفا. اذا دخلت احدى هذه المنشآت، وركّزت في حاملات المكانس، فالاحتمال الاكبر ان تلتقي بعاملات من الجسر.

"ما سر هذا التخصص؟"، سألت رئيس المجلس المحلي، الشيخ مراد عماش، فقال: "ليس تخصصا، بل هو الفقر وانعدام المرافق الاقتصادية المحلية". "المرافق الاقتصادية" الوحيدة في جسر الزرقاء، عبارة عن ٢٢ دكانا، مقهى ومطعم واحد.

منظر عام للقرية. اغلب الشوارع غير معبدة. تصوير: غوني راسكين

القرية الفقيرة التي يبلغ معدل دخل العائلة فيها ٣٨٠٠ شيكل شهريا فقط، تقع بين اثنتين من اغنى البلدات في اسرائيل، قيسارية وكيبوتس معجان ميخائيل. وحتى لا يزعج الفقراء جيرانهم الاغنياء، تم عام ٢٠٠٢ بناء جدار فاصل بين قيسارية وبين جسر الزرقاء يصل ارتفاعه الى ٤-٥ امتار.

تعمل وتبقى فقيرة

قرية جسر الزرقاء، هي احدى اكثر القرى العربية فقرا. تصوير: غوني راسكين

الملفت للنظر في الجسر هو النسبة العالية من النساء العاملات. يقول رئيس المجلس عماش: "ان ٩٠% من مجمل العمال الذين يخرجون للعمل في النظافة كل صباح (وعددهم على الاقل الف)، هم من النساء". والعدد في ارتفاع بسبب اتساع دائرة الفقر.

٣٠% من النساء في القرية يعملن، اكثر بكثير من النسبة القطرية للنساء العربيات العاملات (١٧%). ولكن مجرد العمل لا يكفي لاخراج النساء من دائرة الفقر. نصف النساء اللواتي يترددن على قسم الشؤون، يعملن خارج القرية. وتعيش في القرية ٥٠ عائلة بعضها لها معيلات عاملات، دون طعام كاف لاطفالها وتضطر للحصول على المؤن من قسم الشؤون. وعموما يتردد على قسم الشؤون الاجتماعية اكثر من نصف عائلات القرية (١١٠٠ عائلة من اصل ٢٠٠٠).

اسباب الظاهرة معروفة، اولا ان دخلا واحدا لا يكفي لاخراج العائلة من الفقر. وفي جسر الزرقاء تصل نسبة الرجال الذين لا يعملون الى ٧٥%، قسم كبير منهم مدمن على الكحول او المخدرات او قابع في السجون. الكثير من هؤلاء وصلوا الى حالة من اليأس تحبطهم وتعيقهم عن الدخول في برامج للفطام، وتحولوا بالتالي الى عبء على زوجاتهم.

تصوير: غوني راسكين

السبب الثاني يتعلق باستغلال المقاولين الفرعيين او شركات القوى البشرية، لحقوق النساء في العمل. العدد الاكبر من عاملات البلدة يعملن في مجال التنظيف لدى شركات القوى البشرية او شركات النظافة الكبيرة التي تحظى بمناقصة لحراسة وتنظيف المستشفيات، الجامعات او البلديات. ومعروف ان هذا الوسيط يتقاضى ارباحه على حساب اجر وحقوق العمال الذين يتقاضون اقل من الحد الادنى للاجور.

عاملات النظافة من جسر الزرقاء اللواتي عملن في جامعة تل ابيب، حظين بدعم مجموعة اساتذة وطلاب من الجامعة، الذين اطلقوا حملة منذ نهاية التسعينات للدفاع عن حقوقهن. الدكتور ايلي فايتس حدثنا عن الدافع وراء الحملة:

"اثناء عملي في الجامعة ساعات الليل، كنت ارى عاملات من جسر الزرقاء، قاصرات، ينظفن المبنى بعد مغادرة الطلاب، وهن حافيات. في تلك الفترة، في التسعينات، لم تحصل العاملات على قسائم الاجور اطلاقا وكان المقاول يوزع الاجور على مزاجه، ولا يعترف لهن بأية حقوق. بعد دخولنا المعركة عام ٢٠٠٦ ضد ظروف تشغيلهن تحسن الوضع، وانتهت ظاهرة تشغيل القاصرات، وبدأت الكثيرات يحصلن على قسائم اجور مع حقوق. الصورة ليست وردية تماما، فهن يعملن ساعات طويلة وليس من الواضح اذا كانت قسائم الاجور تشمل كل ساعات العمل. وفي العيد الاخير توجهت الي احدى العاملات بشكوى ان المقاول هددها بالفصل إن لم تعمل في العيد".

البروفيسور دانة رون من جامعة تل ابيب اضافت: "تعاقدت جامعة تل ابيب مع شركتين للقوى البشرية، وبعد تدخلنا طرأ تحسن معين في تقيد الشركتين بقوانين العمل، ومن ذلك قيام شركة ISS بدفع صندوق تقاعد للعاملات. ولكن شركات القوى البشرية تتغير، في حين تواصل العاملات العمل في نفس الجامعة، لذا يجب الاعتراف بهن كعاملات لدى الجامعة دون وساطة مقاولين".

رد فعل ادارة جامعة تل ابيب على اسئلة الصبار جاء موقعا من المسؤولة نوريت غودشتاين التي كتبت ان الجامعة تبذل جهودا حثيثة ليحصل كافة عمالها، بضمنهم عمال المقاولين الذين يعملون في مجال النظافة، على كافة الحقوق. ويبدأ هذا المجهود منذ اعلان المناقصة للعمل ويستمر بشكل متواصل خلال عمل المقاولين.

ورفضت المسؤولة الادلاء بتفاصيل حول اسماء شركات النظافة التي تتعاقد معها الجامعة، كما رفضت الكشف عن عدد عمال النظافة لديهم، ونسبة النساء بينهم، وحتى سعر الساعة المتفق عليها في المناقصة بين الجامعة وبين شركات النظافة، وذلك بحجة انها معلومات داخلية وان الجامعة غير ملزمة بكشفها.

انعكاسات اجتماعية

تصوير: غوني راسكين

يقول العامل الاجتماعي راسم جربان ان النساء يخرجن من بيوتهن في الخامسة صباحا ويعدن في الخامسة مساء، مقابل ٢٠٠٠-٣٠٠٠ شيكل شهريا. بعضهن يعمل ١٨ ساعة بشكل متواصل لرفع الاجر قليلا. ولا تجرؤ النساء على تقديم شكوى ضد المشغلين، بسبب وضعهن الاجتماعي الضعيف وفقدان السند النقابي، والاهم هو الخوف من فقدان مكان العمل.

الانعكاسات على الوضع الاجتماعي خطيرة. فالنساء اللواتي يخرجن للعمل في الفجر ويعدن مساء، لا يستطعن مرافقة اولادهن للحضانات والروضات ولا استقبالهم لدى العودة. يدور الحديث عن عائلات موسعة حيث لا يقل عدد افراد العائلة عن سبعة. مع هذا فالحضانات التي تفتح ابوابها حتى الساعة الرابعة بعد الظهر لا تستوعب اكثر من ٨٠ طفلا، اما بقية الروضات فتغلق ابوابها في الساعة 12 ظهرا. ويعني هذا ان معظم الاولاد يعودون من الروضة الى الشوارع، بسبب انعدام ملاعب الاطفال.

تصوير: غوني راسكين

الفقر والكثافة السكانية يسيئان غالبا للعلاقات العائلية. عائلات كثيرة تسكن غرفة واحدة داخل عمارة العائلة الموسعة، وتندلع الخلافات على دفع فواتير الكهرباء والمياه الخ، الامر الذي لا يخلق مجالا واسعا للتضامن وتقاسم الوظائف بالنسبة لرعاية الاطفال وغيرها. ترتفع في القرية نسبة الفتيات اللواتي يتزوجن في السن القانوني (١٧ عاما) او تحته، وكذلك ترتفع نسبة تسربهن من جهاز التعليم.

لا شك ان الفقر نابع بشكل رئيسي من السياسة الحكومية المزدوجة: فهي اولا عنصرية تجاه العرب وهذا واضح من عدم الاستثمار في البنى التحتية، اماكن العمل المحدودة في النظافة والاعمال الجسدية الصعبة، انعدام روضات الاطفال، جهاز التعليم المتردي (انظر الاطار: "خطط بلا رصيد")؛ وثانيا هناك السياسة الاقتصادية الرأسمالية التي تفضل طريقة التشغيل من خلال المقاولين الفرعيين وشركات القوى البشرية التي تضمن الارباح للشركات الكبرى، على حساب حقوق العمال مما يكرس فقرهم.

العمل يمكن ان يرفع معنويات المرأة ومكانتها في العائلة والمجتمع ويجعلها اكثر استقلالية، اذا كان العمل منظما ومع كامل الحقوق كما هي تجربة عاملات الزراعة المنظمات في جمعية معًا النقابية. ولكن الحال يختلف عندما يدور الحديث عن عمل في النظافة لدى شركات النظافة التي في حالات عديدة تعامل العاملات بشكل مهين، الساعات طويلة والمعاشات قليلة، تعود العاملة بعدها للبيت لتواصل التنظيف حتى "ينهدّ حيلها".

مع ذلك، فلا احد يمكن ان يأخذ من نساء هذه القرية حقيقة انهن امتلكن القوة الكافية لتحمل المسؤولية الكاملة، وانهن عمليا القوة الاقتصادية الفعالة في القرية. تنظيم العاملات في اطار نقابي يعمل على تحسين ظروف عملهن، يمكن ان يكون خطوة اولى ضرورية باتجاه النهوض بكل اهالي القرية، والنضال على حقهم الطبيعي بحياة كريمة وعصرية.

خطط بلا رصيد

صيادو جسر الزرقاء يعملون في ظروف بدائية. تصوير: غوني راسكين

تتحمل الحكومة المسؤولية الرئيسية عن الفقر المزمن ومعاناة السكان في جسر الزرقاء. فهي قادرة على توفير الميزانيات لشق الشوارع حيث اغلب الشوارع غير معبّدة؛ بيدها ان تعطي رخصا لفتح مطاعم على احد اجمل شواطئ البلاد، تطوير الميناء، بناء قرية صيادين واصلاح المنار؛ بيدها توسيع الخريطة الهيكلية الضيقة، اذ يسكن ١٢ الف نسمة على ٨٠٠ دونم، وينحشرون في عمارات ذات خمسة طوابق؛ ولكن يبدو ان الحكومة مستعدة للتخطيط دون التمويل.

رئيس المجلس المحلي، الشيخ مراد عماش، متفائل ومؤمن بقوة التربية والتعليم، يقول لنا مشيرا لبعض الايجابيات انه تم توصيل ٩٠% من القرية بشبكة الصرف الصحي؛ انشئت ثلاث روضات اطفال جديدة، وسيتم انشاء اثنتين في المستقبل القريب؛ طرأ هبوط في نسبة التسرب من المدارس من ١١.٨% الى ٨%، وبالمقابل ارتفعت نسبة الحصول على شهادة الثانوية العامة (البجروت). "ولكن"، يتحفظ الرئيس، "تبقى هذه قطرات في بحر من الحاجات".

تصوير: غوني راسكين

تطوير السياحة يمكن ان يخلق حركة اقتصادية في القرية. وقد تم استثمار ٣٠٠ الف شيكل قبل اربعة اشهر لشق شارع للشاطئ، وبناء عروش وموقف للسيارات. كما صادقت لجنة التنظيم اللوائية قبل ثلاثة اشهر على مشروع قرية الصيادين الذي يشمل ٣٠ مخزنا للصيادين، وتوسيع وتعميق مدخل الميناء، وانشاء جادة للنزهة ومطعم. لكن المشكلة الكبيرة ان تجنيد الاموال يبقى مسؤولية المجلس المحلي الفقير، مما يعيد الامور الى نقطة الصفر.

هناك ايضا مشروع سياحي كبير يشمل بناء ٦٠٠ وحدة سكن للسياح ومجمع تجاري على الشاطئ. ولا يزال المشروع في مرحلة تحضير تقييم مهني بالنسبة لتأثيره على البيئة. ولكن مرة اخرى، حتى لو تم إقراره ستواجه القرية مشكلة تجنيد الاموال.

المشروع السياحي يحتاج الى مدخل مريح من الشارع السريع الى القرية، اذ ان المدخل الحالي عبارة عن نفق ضيق، وهو خطير للغاية. ولكن "الشركة الوطنية للشوارع العامة" (ماعتس) خططت وصل القرى اليهودية بالشارع السريع وتجاهلت القرية العربية، ولم توافق على بناء دوار من الشارع السريع للقرية الا بعد التهديد بتقديم التماس لمحكمة العدل العليا. من المفترض ان يبدأ بناء الدوار مطلع العام الحالي، ولكن يبدو انه سيتأجل لانعدام الميزانيات.

تصوير: غوني راسكين

حتى عام ٢٠٢٠ يتوقع ان يصل عدد اهالي جسر الزرقاء الى ٢٠ الف نسمة، الامر الذي يجعل قضية توسيع مسطح القرية بالفين دونم امرا ملحّا. هناك احتمالان لتنفيذ ذلك: الاول التوسع باتجاه كيبوتس معجان ميخائيل، وبناء وحدات سكن على حساب برك السمك هناك، وهو امر يرفضه الكيبوتس ومؤسسات حماية الطبيعة، التي تولي اهمية اكبر للسمك من سكان جسر الزرقاء. الاحتمال الثاني هو التوسع شرقي الشارع السريع تل ابيب – حيفا. وزير البيئة السابق، جدعون عزرا، اقترح حلا ثالثا، وهو يرى ان يعمّر السكان عمارات عالية، على نفس المسطح الصغير.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"عن بلدي"

راحل
جسر الزرقاء
نشر بتاريخ ١٤.٠٤.٢٠٠٨, ٢٢:٤٢

بلدي ليست هاكذا بل هي اجمل قرية في الكون كله
هذه صور مزوفة

"لو"

ما بيهم شو اسمي 6
جسر الزرقاء
نشر بتاريخ ٢٤.٠٣.٢٠٠٨, ١٩:٣٨

ان ما بحب احد بي حكي عن بلدي كل واحد منكم بيروح بيحكي ولا بتغارو من بلدي روحو قال المثل لو عاب الناس على عيبهم ماعاب انسان على الناس


www.alsabar-mag.com/ar/article__65/جسر_الزرقاء_النساء_القوة_الاقتصادية_الفعالة
23.10.2017, 09:10