العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

ائتلاف اولمرت يعيش من قلة البدائل

اساف اديب

الجمهور الاسرائيلي لا يزال يعتقد ان نتائج حرب لبنان ولجنة فينوغراد يمكنا ان يسقطا الحكومة، ولكن النخبة الحاكمة مقتنعة بان المشكلة ليست في حرب لبنان بل في غياب البدائل السياسية والخوف من عودة محتملة لنتانياهو، لذا فهي تفضل ابقاء اولمرت في كرسي الرئاسة.

FILE illustrations/sabar/214/vinograd_lajna.jpg IS MISSING

الوضع الامني في سديروت والذي امتد ايضا الى مدينة عسقلان، سلط من جديد النقد اللاذع على اولمرت، وأعاد لاذهان الاسرائيليين مشاهد حرب لبنان الثانية من عام ٢٠٠٦ وخاصة فشل اولمرت في حفظ امن المواطنين في شمال البلاد من صواريخ حزب الله. وتزداد دراماتيكية الوضع كلما اقتربت نهاية الشهر، موعد صدور تقرير فينوغراد.

صدور تقرير لجنة فينوغراد التي تحقق في حرب لبنان الثانية، في نهاية الشهر الجاري، يشكل امتحانا كبيرا اضافيا امام الحكومة. وقد دخلت بقية الشركاء في الائتلاف، وخاصة حزب العمل، الى حالة تأهب قصوى في انتظار تقرير فينوغراد لتحسم موقفها من البقاء في الحكومة.

المنسحب الاول كان الزعيم اليميني العنصري وغريب الاطوار، افيغدور ليبرمان، وذلك بحجة دخول اولمرت لمفاوضات مع السلطة الفلسطينية في القضايا الجوهرية، وهي المستوطنات، القدس واللاجئين. ولكن الحقيقة ان احدا لا يستطيع ان يفهم لماذا دخل ليبرمان الى حكومة اولمرت قبل ١٥ شهرا ولماذا يتركها اليوم. ويبدو ان حزبه نفسه لا يفهم. ليبرمان نفسه أعلن في مؤتمره الصحافي في ١٦/١ ان غالبية اعضاء حزبه يعارضون الانسحاب من الائتلاف اليوم.

يرى البعض، ومنهم الليكود، ان اولمرت ضحى بليبرمان (١١ مقعدا) ودفعه للانسحاب، لخلق الانطباع بانه جاد في التقدم في المسار التفاوضي، وبالتالي اقناع حزب العمل (١٩ مقعدا) بالبقاء عند صدور تقرير فينوغراد وتسليحه بحجة وجود فرصة ذهبية للتقدم في العملية السلمية. وهو بالفعل ما سارع الوزير بنيامين بن اليعيزر من حزب العمل للتصريح به. يذكر ان حزب العمل وزعيمه ايهود براك، يتعرضان لضغط من بعض النواب البارزين في حزبه ومن بعض ضباط الاحتياط والعائلات الثكلى، المطالبين بالانسحاب من الائتلاف بعد صدور التقرير النهائي.

وبغض النظر عن التأويلات، فان انسحاب ليبرمان ازاح حجرا من مكانه في مبنى الائتلاف الحكومي مما يهدد استقراره. حتى اليوم تمتع اولمرت بقاعدة ائتلافية واسعة شملت ٧٨ عضو كنيست من اصل ١٢٠. هذه القاعدة مكّنته من الصمود السياسي، وتجاوز تقرير لجنة فينوغراد الاول وقضايا التحقيقات ضده في الشرطة، واستقالة هيرشزون وزير المالية المقرب منه بشبهة الفساد.

يجب ان نذكر اننا نتحدث عن حزب حاكم اعرج، ليس له سوى ٢٩ مقعدا، بمعنى انه يفتقد الاجماع الشعبي او حتى الاغلبية، الامر الذي يضعف موقعه لدى تشكيل اي ائتلاف. بعد غيبوبة شارون فقد الحزب مؤسسه، والزعيم الحالي اولمرت لا يرتقي لنفس المستوى من الشعبية في نظر الاسرائيليين.

الجهاز الامني: لم نفشل في لبنان

الانطباع الشعبي السائد في اسرائيل هو ان اولمرت فشل في حرب لبنان. غير ان هذا الموقف يتناقض مع تقديرات الجهات الامنية الاسرائيلية التي رأت ان ايجابيات الحرب فاقت سلبياتها. التقرير الخاص* حول الحرب الذي أصدرته لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست في كانون اول (ديسمبر) الاخير، اي شهر ونيف قبل صدور تقرير فينوغراد، يحصي في فصله الاخير "انجازات الحرب". وهو تقرير هام لانه يمثل آراء الطيف السياسي الاسرائيلي، بما في ذلك كاديما والعمل (من الائتلاف) وحزب الليكود وميرتس (من المعارضة).

لا يخلو تقرير الكنيست من توصيات وانتقادات تخص الجانب العسكري والاستراتيجي، ولكنه في الفصل الخاص بالانجازات، يشير الى اهمية الهجوم العسكري واسع النطاق على حزب الله، واهمية الدعم الدولي الذي حظيت به اسرائيل، واجبار حزب الله وبالتالي ايران على كشف سلاحه الاستراتيجي في موعد مبكر، انتشار الجيش اللبناني وقوات الامم المتحدة في جنوب لبنان، وكذلك اهمية تشكيل المحور المؤيد لامريكا والمعادي لايران في العالم العربي.

اشارة هامة الى الموقف السائد لدى القيادات العسكرية والسياسية الاسرائيلية، بدت في الخلاف بين اعضاء لجنة فينوغراد انفسهم. الصحف الاسرائيلية سربت في ١٧/١ خبرا مفاده ان عضو اللجنة بروفيسور يحزكئل درور اراد ان يوجه التقرير النهائي اللوم على اولمرت بالنسبة لفشل الحرب، لكنه ووجه بمعارضة اعضاء اللجنة الاربعة الآخرين الذين اختاروا موقفا اكثر اعتدالا، وأقنعوه في النهاية بعدم نشر موقف معارض للتقرير.

يدل هذا الخلاف ايضا على ان الاغلبية الساحقة من القيادة الاسرائيلية ترى اهمية كبرى في بقاء حكومة اولمرت مكانها، وتعارض اية زعزعة بسبب الحرب في لبنان، سيما وانها على قناعة بان الحرب حققت لاسرائيل انجازات استراتيجية هامة، ولا يمكن اعتبارها هزيمة او فشلا كما يحلو لبعض المراقبين تصويرها.

الخوف من بيبي

ستطلاعات الرأي الاخيرة تشير الى تقدم زعيم الليكود، بنيامين نتانياهو، على كافة منافسيه، فهو يحظى بشعبية ٤٠% مقابل ٢٢% لتسيبي ليفني و١٦% لبراك. لكن اذ كان هناك استطلاع في صفوف المؤسسة الحاكمة لكانت النتيجة مختلفة تماما، اذ انه هناك شبه اجماع في صفوف النخب الاسرائيلية بانه بين اولمرت وبيبي، يبقى الاول اهون الشرين، اما الثاني فلا يزال يعتبر "شخصية غير مرغوب بها".

وماذا عن زعيم العمل، براك؟ يبدو انه ليس جاهزا بعد لخلافة اولمرت، بالتأكيد ليس مع ١٦% من الدعم الشعبي. المعلق يوئيل ماركوس كتب في صحيفة "هآرتس" (١٨/١) ان "براك غير مستعجل للاعلان عن انتخابات مبكرة، فهو بحاجة لسنة كاملة اضافية في وزارة الامن لتثبيت مكانته. على هذه الخلفية يقول اليوم براك لمقربيه انه سيكون غير مسؤول اذا قرر ترك منصبه اليوم ازاء الوضع الامني الخطير".

وسبب آخر لبقاء الائتلاف هو خوف العمل وكاديما وحزب المتقاعدين من تراجع عدد مقاعدهم (وهو امر تخافه احزاب كثيرة خارج الائتلاف ايضا) في حال الاضطرار لاجراء انتخابات عامة جديدة، ولذلك تبذل هذه الاحزاب جهدها لتمديد عمر الحكومة.

مأزق سياسي واقتصادي

المشكلة الكبيرة التي تقف امامها اسرائيل ليست في الحقيقة الحرب في لبنان بل غياب الخيارات السياسية والاقتصادية. فالمفاوضات التي بدأها اولمرت مع ابي مازن، بغض النظر عن دعم الرئيس الامريكي لها، تفتقد المصداقية ومعروف انها لن تقود لنتيجة.

يذكر ان حزب كاديما تأسس على خلفية الانفصال الاحادي الجانب عن غزة عام ٢٠٠٥ بادعاء انه ليس هناك شريكا فلسطينيا. لكن سرعان ما تبين للاسرائيليين ان الانفصال كان من ناحيتهم خطأ سياسيا كبيرا، قاد لفوز حماس واضعاف السلطة الفلسطينية، الامر الذي دفن الخطط الاحادية الجانب في الضفة الى الابد.

هكذا عادت اسرائيل الى نقطة الصفر، ولم تعد تدري كيف ترغم الفلسطينيين على قبول رؤيتها التي تنص على بناء دولة فلسطينية متقطعة الاوصال في غزة واجزاء من الضفة الغربية. المؤسسة الحاكمة في اسرائيل تدرك اليوم انه دون حل سياسي مع الفلسطينيين، ستضطر لاعادة احتلال الضفة وقطاع غزة بشكل مباشر، الامر الذي يعني تحمل المسؤولية عن ٤.٥ مليون فلسطيني مع ما يعنيه ذلك من عبء اقتصادي.

هذا كابوس تريد اسرائيل تجنبه، ولكنها غير مستعدة ان تدفع الثمن وهو الدخول في مواجهة مع المستوطنين والانسحاب الكامل من كافة الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧. دون ذلك يبقى الحديث عن الدولة الفلسطينية والمفاوضات التي بدأت في انابوليس حولها، دون مصداقية ولا جدوى.

الى ذلك يجب ان نضيف العاصفة التي هزت الاقتصاد العالمي، والتي تنذر بحالة ركود عالمية ستؤثر سلبا على الجانب الوحيد الذي نجح به اولمرت حتى اليوم وهو الجانب الاقتصادي. في مواجهة الطريق المسدود السياسي والغموض حول المستقبل الاقتصادي يصعب ان تجد المؤسسة الحاكمة الاسرائيلية الطريق لبناء ائتلاف مستقر. ائتلاف اولمرت يعيش من قلة البدائل.

* تقرير لجنة الخارجية والامن التابعة اللكنيست عن حرب لبنان الثانية. موقع الكنيست باللغة العبرية:
www.knesset.gov.il/committees/heb/docs/bitachon17_2.pdf

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__64
22.11.2017, 16:11