العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

شؤون فلسطينية

غزة – الحرب الاقتصادية

يوسي فولفسون

في رد الدولة على الالتماس ضد تقليص امدادات الكهرباء لغزة، اعلنت النيابة بصراحة ودون ان يهتز لها جفن ان الهدف الرئيسي من العملية هو المس بسير الحياة الطبيعي للمواطنين في غزة وباقتصادهم، كوسيلة لممارسة الضغط السياسي على حماس. اخيرا، اعترفت الدولة رسميا بانها تشن حربا ضد الشعب الفلسطيني.

حتى الآن، في جلسات المحاكم حول موضوع الجدار الفاصل، الطوق والحواجز، هدم البيوت وسائر اشكال القمع الجماعية، لم تتجرأ الدولة على الاعتراف امام المحكمة بان هدفها هو المس بالمدنيين. على مدى سنين اخترعت النيابة العامة الادعاءات الامنية وصاغت الفذلكات القانونية لاثبات الحاجة الامنية الحيوية ل"مكافحة الارهاب"، وادعت ان تضرر المدنيين هو "مضاعفات مؤسفة" لهذه العمليات.
اختلف هذا الوضع في الجلسة حول الالتماس الذي قدمته عشر منظمات لحقوق الانسان ضد تقليص اسرائيل لامدادات الكهرباء والوقود لغزة. الالتماس الذي جرى تقديمه في 28/10 ادعى ان تقليص المواد الاساسية هو عبارة عن عقاب جماعي ولذا فهو ممنوع. هذه المرة، لم تدعي الدولة وجود حاجة عسكرية لمنع انتاج صواريخ القسام ولم تبحث عن صياغات متذاكية اخرى، بل صرّحت دون ان يهتز لها جفن ان هدفها الرئيسي هو الإضرار بسير الحياة الطبيعي للمواطنين في غزة وباقتصادهم، كوسيلة لممارسة الضغط السياسي على حماس. اخيرا، اعترفت الدولة رسميا بانها تشن حربا ضد الشعب الفلسطيني.
قبل الخوض في المعاني السياسية لرد الدولة، نشير الى ان محكمة العدل العليا امرت الدولة في مطلع ديسمبر الماضي بتأجيل خطة تقليص الكهرباء لمدة ثلاثة اسابيع وتقديم معطيات اضافية بالنسبة لاسلوب تطبيق الخطة وانعكاساتها. من جانب آخر، أقرت المحكمة تقليص امدادات الوقود والسولار، وقبلت موقف الدولة الذي نص على ان الكمية المقلصة ستكفي للحاجات الانسانية.

الى حد الكارثة!

في الرد على الالتماس، وصفت الدولة الاغلاق المفروض على مليون ونصف المليون مواطن غزي، بانه "حرب اقتصادية". يذكر ان المبدأ الاساسي في قوانين الحرب هو التمييز بين المدنيين والمسلحين في كلا الجانبين، وإخراج المدنيين من ساحة الصراع لتجنبيهم الاضرار قدر المستطاع. النيابة العامة تعترف بهذا المبدأ فقط في الاعمال العسكرية وليس في "الحرب الاقتصادية". المعنى العبثي لهذا الموقف انه ممنوع تفجير مصنع مدني، ولكن مسموح شله عن الحركة من خلال اغلاق المنافذ ومنع وصول المواد الخام اليه؛ ممنوع تفجير محطة توليد الكهرباء المستخدمة لاغراض مدنية، ولكن مسموح وقف تزويدها بالكهرباء، الخ.
ولا يعني هذا ان دولة اسرائيل تطبق هذا المبدأ في العمليات العسكرية. ففي صيف 2006 مثلا، قامت بتفجير محطة توليد الطاقة في غزة، وضاعفت حاجة غزة لاسرائيل للتزود بالكهرباء - نفس الكهرباء التي تنوي اليوم تقليصها.
القانون الدولي الخاص بحقوق الانسان ينظم قضية تزويد المدنيين في وقت الحرب بالمواد الاساسية، لمنع المس بالمدنيين والحيلولة دون وصولهم لحد الكارثة الانسانية. ولكن اسرائيل تمنح هذه القوانين التفسير الملائم لها، لفرض اجراءات كل هدفها الاضرار بالمواطنين العزل وايصالهم بشكل متعمد الى حد الكارثة الانسانية.
الحصار على غزة ليس جديدا، بل مستمر منذ سنوات بدرجات مختلفة. منذ صيف عام 2007 توقف نقل البضائع للقطاع، باستثناء المواد الاساسية كالغذاء، الادوية والاجهزة الطبية، غاز الطبخ، الوقود والكهرباء. معبر كارني لنقل البضائع أغلق تماما بعد فترة طويلة من العمل غير المنتظم. رمز (كود) استيراد البضائع من الخارج الى القطاع ازيل تماما عن برامج الحاسوب الخاصة بالجمارك. التزويد بالوقود (ما عدا غاز الطبخ) تقلص دون تدخل من المحكمة. تقليص إمدادات الكهرباء لا يزال نية، ولكن حتى قبل تنفيذها صار النقص امرا واقعا.
معظم المصانع في غزة مشلولة بسبب نقص المواد الخام وقطع الغيار. خدمات ضرورية مثل منشآت الماء والصرف الصحي والمستشفيات وغيرها، تعمل منذ عام ونصف على المولدات الكهربائية المخصصة لحالات الطوارئ، وذلك بسبب تفجير اسرائيل لمحطة توليد الكهرباء في صيف 2006. بسبب انعدام قطع الغيار تتآكل البنى التحتية، ويزداد خطر حدوث كوارث كتلك التي وقعت عندما غرقت بيت لاهيا بمياه المجاري العام الماضي.
حسب المعطيات من صيف 2007، اي قبل تكثيف الحصار عاش 87% من اهالي القطاع تحت خط الفقر الذي بلغ 2،4 دولار لليوم. حينها بدأ الناس يشعرون بالنقص في المواد الاساسية وارتفعت اسعار المواد الغذائية في غزة بعشرات النسب المئوية. وتشير معطيات برنامج الغذاء العالمي الى ان 85% من اهالي القطاع باتوا يعتمدون على المساعدات للحصول على المؤن.
ولكن اسرائيل مصرة انها تزود القطاع باكثر مما هي ملزمة به، وان امدادات الكهرباء والوقود هي ضعف المطلوب. انها لا ترى كارثة انسانية في ان تعمل مستشفيات غزة على مولدات الكهرباء، وان تتحرك سيارات الاسعاف وشاحنات البضائع الاساسية ووسائط النقل العامة بادنى حد ممكن.
تدعي الدولة ان خطواتها محسوبة ومدروسة، وانها ستواصل مراقبة ما يحدث في غزة للتأكد بنفسها من ان الوضع لن يتدهور الى حد الكارثة الانسانية. ولكن، سرعان ما تبين ان الدولة تفتقر الى المعلومات الحقيقية حول تأثير تقليص امدادات الكهرباء على حياة المواطنين. طلبت المحكمة من النيابة العامة تقديم معطيات بهذا الشأن، ولكنها لم تقدمها حتى الآن. كما تبين ان المعطيات الجزئية التي تم تقديمها سابقا كانت مغلوطة.

ما لغزة وبلجيكا؟

FILE illustrations/sabar/214/gaza_power.jpg IS MISSING

في معرض الرد على الالتماس المذكور، ادعت الدولة ايضا ان لها حق اختيار الطرف الذي تريد التجارة معه، وعليه فان تقليص امدادات الكهرباء لغزة، لا يختلف جوهريا عن التوقف عن بيع الماس لبلجيكا! الادعاء المبطن هو ان اسرائيل لم تعد مسؤولة عما يحدث في القطاع منذ انفصالها عنه، وان غزة من الآن هي دولة عدو مستقلة، علاقتها باسرائيل مشابهة لعلاقة بريطانيا بالمانيا إبان الحروب العالمية. كما لو ان اسرائيل لا تواصل التحكم بكل المعابر الحدودية للقطاع؛ كما لو انها لا تواصل التحكم بسماء القطاع، وتطلق فيها طائراتها الحربية وتمنع اي تحرك جوي آخر؛ كما لو انها لا تواصل التحكم بمياه غزة والشواطئ وتمنع اقامة ميناء بحري مستقل.
تبعية قطاع غزة لاسرائيل من الناحية الاقتصادية، هي نتيجة سياسة اسرائيلية متعمدة منذ بداية الاحتلال. فقد اهتمت اسرائيل بان تمنع تطور بنية تحتية اقتصادية حقيقية يمكن ان تنافس السوق الاسرائيلية، جعلت القطاع مرهونا بالكهرباء والوقود الاسرائيليين، وحوّلت مواطني غزة الى مصدر لقوة العمل الرخيصة في خدمة السوق الاسرائيلي سواء من خلال ادخال العمال لاسرائيل ثم تشغيلهم في المنطقة الصناعة ايريز.
كما استفادت اسرائيل من حاجة اهالي غزة للبضائع الاسرائيلية. عندما اغلق معبر كارني، كان المزارعون الاسرئيليون بين المحتجين البارزين: حسبما نشر في الصحف صيف 2007، يتم تسويق ربع منتجات الفواكه الاسرائيلية للمناطق الفلسطينية، وقاد اغلاق حاجز كارني الى كساد البضائع وهبوط اسعار الخضار والفواكه في اسرائيل. مثال آخر، هو تقليص امدادات الوقود الذي اضر بشكل كبير بمدخولات شركة دور الون، شركة الطاقة الاسرائيلية التي تبيع الوقود للقطاع.
التوجه الاسرائيلي لقطاع غزة لم يكن ثابتا ابدا. حتى في فترة اتفاقات اوسلو قال يتسحاق رابين انه يفضل لو تغرق غزة في البحر، ولكن على ارض الواقع واصلت اسرائيل اعتبار القطاع مصدرا للاستغلال الاقتصادي السهل. اليوم، بعد ان تنازلت اسرائيل عن جزء مهم من قوة العمل الرخيصة وعن القوة الاستهلاكية، تواصل استغلال الموارد الطبيعية.
في نفس الوقت الذي تناقش فيه المحكمة الالتماس حول امداد القطاع بالطاقة، تنظر المحكمة نفسها في التماس آخر يتعلق بوصول الطاقة من القطاع لاسرائيل! في هذا الالتماس تتنافسان شركتان كبيرتان على مناقصة للحكومة الاسرائيلية على استخراج الغاز الطبيعي من منطقة مقابلة لشواطئ غزة. الغاز سيذهب لحاجات الاقتصاد الاسرائيلي وسيتم تحويله الى مصدر رئيسي للطاقة. يبدو ان القضاة لم يسمعوا ما قالته الدولة في جلسات اخرى، بانها انفصلت عن غزة وانهت الاحتلال فيها. كما لم يلتفتوا الى ان اسرائيل اخذت لنفسها الحق بتبديد طاقات وموارد القطاع، خلافا للقانون الدولي الذي يحرّم استغلال الكنوز الطبيعية لمنطقة محتلة لصالح الدولة التي تحتلها.

بين غزة ولبنان

لا يمكن تجاهل الشبه بين سياسة اسرائيل في لبنان وغزة. في جنوب لبنان ايضا (وإن كان بدرجة اقل) استغل الاقتصاد الاسرائيلي المواطنين كقوة عمل رخيصة وكمستهلكين، وذلك في اطار ما سمي "الجدار الطيبة". هذه السياسة انتهت بالانسحاب الاحادي الجانب من "الحزام الامني". المصلحة الاسرائيلية بالسيطرة على مياه جنوب لبنان التي تصل اسرائيل، تقابل المصلحة الاسرائيلية في السيطرة على الغاز الطبيعي في غزة.
العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2005 يذكر هو ايضا بالوضع في غزة. هناك ايضا تبين ان اسرائيل لا تملك حلا عسكريا لصواريخ حزب الله، وتخشى الدخول في حملة عسكرية برية واسعة النطاق، لعلمها انه ليس بالامكان التغلب على الميليشيات التي تتمتع بدعم السكان في منطقة معادية. عندما شنت اسرائيل حربها الاخيرة على لبنان تبين ضعفها العسكري الناجم اولا عن فساد المؤسسة السياسية والعسكرية التي تستهتر بحياة الانسان، وثانيا عن عدم استعداد الجمهور الاسرائيلي لتحمل وقوع ضحايا في صفوفه.
في كلتا الحالتين اختارت اسرائيل المخرج العدواني الذي لا يفرق بين عسكري ومدني، كيلا تعرض جنودها للخطر. هدفها واضح وهو تدمير البنية الاقتصادية واعادة المدنيين دهورا الى الوراء. التوهم بان انتهاك حقوق المدنيين سيحقق لاسرائيل انجازات سياسية انفجر في لبنان، كما ينفجر اليوم في غزة. البلطجة الاسرائيلية تجاه المدنيين ليست سوى تعبير عن ضعف – ولكن ثمن البلطجة لن يدفعه الجنرالات والساسة، بل جمهور المدنيين في كلا طرفي الجدار.

* يوسي فولفسون محام في "موكيد" - مركز حقوق الفرد في القدس الشرقية

مقالات اخرى للكاتب/ة يوسي فولفسون

اسرائيل تستوعب العبيد الاجانب وتلاحق اللاجئين

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__63/غزة_–_الحرب_الاقتصادية
19.11.2017, 10:11