العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

شؤون فلسطينية

غزة تدفع ثمن غياب القيادة

سامية ناصر خطيب

لم يمض وقت طويل حتى تحولت ازمة الحصار على غزة الى كرة ثلج تتقاذفها ايد كثيرة في محاولة للحد من اتساع رقعة الفوضى، التي خلقتها اسرائيل بممارساتها التعسفية ضد الشعب الفلسطيني. ان سيطرة حماس على غزة ثم اقتحامها الجدار والحدود مع مصر، يقودان الى عملية سلخ غزة عن الضفة الغربية، ويصدّران فوضى غزة الى مصر.

لم يمض وقت طويل حتى تحولت ازمة الحصار على غزة الى كرة ثلج تتقاذفها ايد كثيرة في محاولة للحد من اتساع رقعة الفوضى، التي خلقتها اسرائيل بممارساتها التعسفية ضد الشعب الفلسطيني.
حماس من جانبها كسرت الجدار باتجاه مصر، وعملت على فك الحصار بالسماح بدخول مئات آلاف الفلسطينيين الى رفح المصرية في غضون الايام الماضية، لشراء الحاجات الحياتية الاساسية للسكان من طحين ووقود وحتى سجائر. وقد عجزت حكومة حماس عن توفير هذه الحاجات وبدل ذلك ضربت القسام على سديروت وعرّضت الشعب لهجمات الصواريخ الاسرائيلية ولحصار يحبس مليون ونصف مليون فلسطيني، مما ادخل جميع الاطراف الى حالة من الهستيريا.

حماس التي سعت من خلال اطلاق صواريخ القسام لانتزاع الاعتراف بشرعيتها، ارادت من خلال نقل الازمة باتجاه مصر ان تضغط عليها لتأخذها بعين الاعتبار وتفرض على ابو مازن قبول الحوار معها، او تبني الموقف السعودي الذي يتلخص في اتفاق مكة وهو حكومة وحدة بين فتح وحماس.

قبل تفجير حماس للجدار، كانت الازمة قد تفاقمت الى مستويات غير مسبوقة، حتى حمّل رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، مسؤولية الوضع المأساوي في غزة على الدول العربية، وحرّض الشعوب العربية ضد حكوماتها، وطالب بالضغط على مصر لفتح حدودها مع غزة. من جانبه اكد رئيس الحكومة في غزة، اسماعيل هنية، في تصريح له في ٢٢/١ ان مطلبه واحد وهو "فتح معبر رفح وفك الحصار". وطالبت حماس الجامعة العربية باتخاذ قرار يلزم مصر بفتح معبر رفح الحدودي، ولم تنس ان تتهم السلطة الفلسطينية بالمشاركة في حصار غزة.

بعد اقتحام الجدار بدأت السلطة الفلسطينية ومصر التحرك باتجاه الاطراف المؤثرة على حماس سواء ايران او قيادة جماعة الاخوان المسلمين في مصر، وذلك بهدف تهدئة التوتر على الحدود ومطالبة حماس بطرح مبادرة واضحة للجماهير الفلسطينية تدعوهم للعودة الى غزة عبر معبر رفح.

نقل المسؤولية الاقتصادية والسياسية والامنية في غزة الى مصر قد يكون ترتيبا مريحا لاسرائيل، لكنه امر غير وارد بالنسبة لنظام مبارك. وزير الخارجية المصري، احمد ابو الغيط، اوضح ان هناك توافقا بين القاهرة واللجنة الرباعية على ضرورة قيام اسرائيل بوقف هجماتها على غزة، مقابل وقف الهجمات الصاروخية من القطاع على المستوطنات الاسرائيلية. ان سيطرة حماس على غزة ثم اقتحامها الجدار والحدود مع مصر، يقودان الى عملية سلخ غزة عن الضفة الغربية، ويصدّران فوضى غزة الى مصر.

تناقض الحكم والمقاومة

منذ الانقلاب على السلطة الفلسطينية في حزيران ٢٠٠٧، تُحكم حماس سيطرتها على قطاع غزة، وتطبق اجندة مناقضة تماما لاجندة السلطة الفلسطينية وفتح. ففي حين يواصل ابو مازن طريق المفاوضات التي لا تحل ولا تربط وانما ترهن مصالح الشعب بالمصالح الاسرائيلية والامريكية، اختارت حماس اطلاق صواريخ القسام على سديروت والمدن الاسرائيلية في محاولة لرفع الحصار عنها وانتزاع الاعتراف بشرعية حكومتها. حماس تعتبر مفاوضات ابو مازن تواطؤ مع اسرائيل والامريكان، فيما تعتبر فتح اطلاق القسام بانه مضر ويعرض الشعب للخطر.

يبقى السؤال من يعبث بحياة ومصير الشعب الفلسطيني؟ يذكر ان اسرائيل خرجت من غزة عام ٢٠٠٥، دون ان تتنازل عن سيادتها على الاجواء والماء والمعابر التي تمكنها من فرض حصارها الرهيب. هذا لم يمنع حماس من الاعلان ان المقاومة هي التي طردت اسرائيل من غزة. وكانت حماس قد قبلت حينها الهدنة مع اسرائيل، حتى يتسنى لشارون الانسحاب من غزة، وذلك مقابل وعد باجراء الانتخابات التشريعية التي فازت فيها فوزا كاسحا بسبب فساد فتح وعجزها السياسي.

فوز حماس باغلبية المجلس التشريعي كان مفاجأة لحماس نفسها. ولكن بدل استيعاب دورها الجديد كحكومة مسؤولة عن الحاجات المدنية والامنية لشعبها، واصلت التصرف كمقاومة تحكمها عقلية العمل السري. حماس من جهة ترفض الاعتراف باسرائيل والاتفاقات الموقعة معها، ولكنها من جهة اخرى تتمسك بالحكومة التي قامت على اساس الاتفاقات ذاتها. فتح التي لم تسلّم بانتصار حماس، سعت للانقلاب على حماس، ولكن الجولة انتهت بانقلاب حماس على السلطة وطرد عناصرها من القطاع، في جو من الحرب الاهلية الدموية. هذه المرة ايضا نجحت حماس في مفاجأة نفسها، فقد بالغت في ردها وكسبت لنفسها المزيد من الاعداء.

لم يتأخر الرد الاسرائيلي على هذه التطورات. بالاضافة لاعمال التقتيل الجماعي والمذابح التي ترتكبها بشكل شبه يومي في القطاع دون تفريق بين مدنيين ومسلحين، فرضت اسرائيل الحصار على غزة. هذه المرة كان الحصار مدعوما من سلطة فتح التي تريد اسقاط سلطة حماس بكل ثمن واستعادة غزة. حماس لم تدرك ان سيطرتها على غزة لا تشكل تحديا خطيرا لاسرائيل فحسب، بل للنظامين في مصر والاردن اللذين يخشيان نفوذ الاخوان المسلمين، ويعتبران انقلاب حماس نموذجا خطيرا لا يمكن التسليم به.

كان بمقدور حماس مع تسلمها للحكومة ان تعلن نهاية عهد اتفاقات اوسلو المجحفة فعلا، وتنادي الى مفاوضات جديدة على اسس الشرعية الدولية تضمن الثوابت الفلسطينية. بطبيعة الحال كانت اسرائيل سترفض، ولكن على الاقل كانت حماس ستبدو في موقف عقلاني امام العالم، ولما جلبت على نفسها العزلة الدولية. لكنها لم تفعل، وبدل ذلك دخلت الى هوس رفض الاعتراف باسرائيل والتفاوض معها او الوصول الى اي حل سياسي. ويبدو ان حماس تخشى التنازل عن ورقة المقاومة كيلا تفقد اساس شعبيتها. ولكن النتيجة ان هذا الموقف ادخلها الى عزلة سياسية عربية وعالمية، واعطى مبررا لاسرائيل لفرض حصارها التجويعي على الشعب الاعزل.

عقاب جماعي

في مواجهة هذا الواقع سمحت حماس باطلاق صواريخ القسام على جنوب اسرائيل ثم انضمت عناصرها بشكل فعال، بهدف محدد هو وقف الحصار والاعتراف بشرعيتها. محور انابوليس الذي يشمل الولايات المتحدة، اسرائيل، السلطة الفلسطينية، الانظمة العربية "المعتدلة" والمجتمع الاوروبي، يريد القضاء على حماس كحركة مقاومة عسكرية، وجعلها تقبل بشروط الرباعية واهمها الاعتراف باسرائيل وبالاتفاقيات ونبذ العنف، واخيرا التراجع عن انقلابها العسكري في غزة كشرط لرفع الحصار والدخول في اي علاقة معها.

لكسب الشعبية تدّعي حماس ان صواريخ القسام تخلق نوعا من توازن الرعب بينها وبين اسرائيل، كما قال مشير المصري، القيادي في حماس وامين سر كتلة "الاصلاح والتغيير" البرلمانية. ورد المصري على منتقدي استمرار اطلاق الصواريخ ووصفهم لها ب"العبثية"، بالقول: "بدلا من هذا السقوط الاخلاقي وتنفيذ الاجندات والاملاءات الامريكية لاسكات الصوت المقاوم، على هذا الفريق ان يقدم على مواقف جريئة وامداد المقاومة بما هو غير عبثي". (موقع المركز الفلسطيني للاعلام، ١٨ كانون ثان)

الحكومة الاسرائيلية ما كانت لتسكت طبعا على اطلاق صواريخ القسام التي وإن لم تقتل الا افرادا، الا انها ارعبت سكان سديروت وحتى عسقلان. وعمد رئيس الحكومة ووزير الدافع الى تكثيف اعتداءاتها العسكرية والاغتيالات في قطاع غزة، محدثين خسائر بشرية ومادية لا تتساوى باي حال مع الخسائر في الجانب الاسرائيلي. الهدف هو محاولة رفع شعبية الحكومة، والظهور كمن يدافع عن الامن الاسرائيلي، خاصة على ضوء اقتراب صدور تقرير لجنة فينوغراد حول حرب لبنان الثانية ومسؤولية الحكومة عن مواطن الفشل فيها.

والواقع ان اسرائيل لا تريد العودة الى احتلال غزة بشكل مباشر، لذا اختارت "طريقا وسطا"، ويشمل اولا فرض الحصار الاقتصادي وثانيا تكثيف العمليات والاغتيالات. اما الحصار فهو عقاب جماعي ادخل غزة الى عصر الظلمات، وحول شعبا من مليون ونصف المليون، الى رهائن في سجن كبير، دون غذاء ولا دواء ولا وقود، دون مصدر دخل ولا اقتصاد ولا بارقة امل بحل سياسي. اما العمليات العسكرية التي راح ضحيتها نسبة كبيرة من المدنيين، فقد طالت قادة عسكريين من حماس، كان ابرزهم ابن القيادي في حركة حماس، محمود الزهار. وامعانا في الضغط السياسي راحت اسرائيل تهدد باغتيال قيادات حماس السياسية.

اسس الوحدة مفقودة

عندما تعود اسرائيل لتذكر انها العدو، وانها ما زالت تُحكم سيطرتها على الشعب والارض، تتذكر بعض الاطراف في الضفة الغربية ان تتحرك لنصرة قطاع غزة، وتقترح مبادرة جديدة لرأب الصدع بين حركتي فتح وحماس واعادة الوحدة الى شطري الوطن (الضفة والقطاع).

وما يدل على عدم فاعلية المبادرة انها تتم بمشاركة كافة القوى ما عدا طرفي الصراع، فتح وحماس. المبادرة الجديدة التي اطلقها النائب مصطفى البرغوثي، تطالب بالوقف الفوري للحملات الاعلامية والتحريض بين الطرفين واطلاق المعتقلين. كما تطالب حماس بالتراجع عن الحسم العسكري وتطالب فتح بابداء الاستعداد للحوار. وقال البرغوثي ان التطورات الاخيرة تشجع على انجاح هذه المبادرة، وخصوصا بعد فشل "مؤتمر انابوليس واستمرار الاستيطان"، على حد قوله.

غير ان الوصول الى وحدة وطنية يتطلب برنامجا سياسيا مقبولا على كافة شرائح الشعب، يضع جدول عمل واقعيا كما كان الحال زمن القيادة الموحدة للانتفاضة ومنظمة التحرير. حماس وفتح ماضيان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، احدهما طريق المفاوضات التابعة للاملاءات الامريكية-الاسرائيلية والثاني المقاومة والنهج الاصولي المعزول عن الواقع، وكلاهما طريقان يضعفان الجانب الفلسطيني ويؤديان الى تكريس الحصار والاحتلال. ان شعبنا الفلسطيني احوج ما يكون الى طرف قيادي ثالث يطرح برنامجا بديلا لكلتا الحركتين.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__62/غزة_تدفع_ثمن_غياب_القيادة
16.12.2017, 18:12