شؤون عربية

الفيلم المسيء للإسلام

يعقوب بن افرات

العالم العربي يكره أمريكا، لا جدل في ذلك. إلاّ أنّ العرب ليسوا وحيدين في كراهيّتهم لأمريكا، فالإيرانيون أيضًا يكرهونها، والروس لا يطيقون سماع اسمها، وحتّى نتنياهو يكره أمريكا. الكراهية لأمريكا ليست حصرًا على العرب، فهي تتعدّى الثقافات والمجموعات العرقية المختلفة. لكنّ الغرابة تكمن في أنّ العالم بأسره يمجّد أمريكا في نفس الوقت، بسبب نفوذها الاقتصادي والعسكري، وبسبب أنّنا نتماثل مع أبطال هوليوود، وكما نعلم للسينما تأثير بالغ على نفسيّة الناس.

يمكن ملاحظة تأثير السينما على الناس من أحداث العنف التي وقعت في العالم العربي، وأدّت إلى مقتل السفير الأمريكي في ليبيا، وإلى فرض الحصار على السفارة الأمريكية في القاهرة. ولكنّ هذا التأثير لم يكن نتيجة لمشاهدة الفيلم المسيء للاسلام، وإنّما نتيجة الإشاعات. الأفراد الذين خرجوا للتظاهر وللحرق لا يكثرون من الذهاب إلى دور السينما، ونشكّ بأنّ باستطاعتهم اقتناء حاسوب. يكفيهم أنّ الأمريكان الكفرة أهانوا وأذلّوا كرامة النبيّ، كي يخرجوا إلى الشوارع ومواجهة كلّ من يذكر أمريكا أو الغرب، رغم أنّ منتجي الفيلم هم بالذات عرب.

الإسلام هو السلطة الحاكمة

المثير في هذا الأمر هو أنّ الاضطرابات قد نشبت بالذات بعد أن قدّم الربيع العربي السلطة على طبق من ذهب للإخوان المسلمين. والأمر الذي لا يقلّ إثارة، هو أنّ الغرب بالذات قد رحّب بالربيع العربي وأُعجب بالشباب المصريين والتونسيين الذين انتفضوا وأسقطوا الطغاة الفاسدين. من يعلم أكثر منّا أنّ الفساد وسلطة الرأسماليين الكبار ليسا ظاهرة عربية حصرية، وإنّما هي بالذات غربية، وعلى ذلك يجتمع الشرق والغرب. إلاّ أنّ الذي حرق وانقضّ هذه المرّة لم يكن شباب الفيسبوك المتعلّمون الذين يعرفون التفريق بين فيلم جيّد وبين استفزاز رخيص، كلّ هدفه التحريض وإثارة حماس الجماهير. إنّ مَن لبّى نداءات الدفاع عن كرامة النبيّ كانوا بالذات شبابًا جاءوا من القرى النائية ومن أحياء الفقر ومن سكّان القبور. هؤلاء هم الشباب الذين تجاهلهم الربيع العربي، وزجّ بهم في هوامش المجتمع.

يتّفق المراقبون في الصحافة العربية على معارضتهم الشديدة لأعمال العنف. كان منهم مَن استوضحوا هويّة المتظاهرين، وأشاروا إلى جماهير كرة القدم "الألترس" الذين على استعداد دائم لمواجهة الشرطة. وقف هؤلاء الشباب في الصفوف الأولى في الثورة، إلاّ أنّهم في هذه الأثناء عادوا إلى الواقع المرير. لم تُكرَّس الثورة لهم، وتعامل النظام الجديد معهم لا يختلف عن تعامل النظام الذي أسقطوه، وكأنّه لا حاجة لهم الآن بعد أن قاموا بواجبهم.

المثير في الأمر أنّ الاضطرابات قد نشبت بالذات في عهد حكم الإسلاميين. حتّى هذه اللحظة استُغلّ شعار "الإسلام هو الحلّ" من أجل تحريض ملايين الشباب المستضعفين ضدّ النظام القديم الكافر، الذي باع نفسه للشيطان الأمريكي- الصهيوني، والذي سلب موارد الدولة على حساب الشعب البسيط. تكلّلت هذه المناورة بالنجاح، والإخوان المسلمون استحوذوا على قلوب المستضعفين، والآن هم السلطة الحاكمة. لأوّل وهلة، لا حاجة للقيام بمظاهرات أمام السفارة الأمريكية، لأنّ الرئيس الإسلامي الجديد يمكنه ببساطة إغلاقها وإعلان الحرب على أمريكا باسم النبيّ، كما فعل قبله بن لادن والطالبان في أفغانستان.

غير أنّ ذلك لن يحدث. مرسي الذي في السلطة هو ليس مرسي الذي في المعارضة، والواقعية السياسية تحلّ مكان الغوغائية الدينية. مع نشوب الاضطرابات، حاول الإخوان المسلمون الانضمام إليها، وحتّى أنّهم دعوا إلى مظاهرة مليونية في ميدان التحرير. لكنّ هاتفًا من أوباما أوقف ذلك، وأدّى إلى إلغاء المظاهرة. عندما كان في المعارضة، وقف مرسي ضدّ صندوق النقد الدولي بذرائع دينية، لأنّ يقرض بالفائدة، التي يحظرها الإسلام. واليوم يطلب مرسي مساعدة اقتصادية من هذا الصندوق، كما ويطلب من أمريكا بأن تتنازل له عن مليار دولار من ديون مصر، وأن تستثمر في الاقتصاد المصري مئات ملايين دولارات أخرى. وعندها ظهر الفيلم السيّئ وأفسد كلّ شيء.

"الإسلام هو الحلّ"، لكنّ الرأسمالية هي الطريق المؤدّية إليه. يقف مرسي أمام أزمة اقتصادية حادّة، وحكمه ليس مستقرًّا. في محاولته ترميم الدمار الذي خلّفه سابقه، لا خيار لمرسي إلاّ التعلّق بالرأسمالية الداخلية والخارجية. صحيح أنّ مرسي من الإخوان المسلمين، لكنّه قبل كلّ شيء رأسمالي، ولذلك تشكّل المظاهرات أمام السفارة الأمريكية في القاهرة تحدّيًا لحكمه، وتكشف عن وجهه الحقيقي.

يحصد الإخوان المسلمون اليوم ما زرعوه خلال السنوات الماضية. مَن استغلّ آلام الجماهير المستضعفة والمكبوتة من أجل زعزعة حكم مبارك، يرى بعينيه كيف يستغلّ معارضوه المتطرّفون نفس الطريقة من أجل ضعضعة حكمه. في اللحظة التي تنكّر فيها مرسي لاحتياجات الجماهير التي غسل أدمغتها، فقد أحدث فراغًا كبيرًا يمتلئ بسرعة بواسطة إسلاميين أكثر تطرّفًا منه، يرون فيه كافرًا. وبرهانًا على ذلك، حقيقة توجّهه إلى صندوق النقد الدولي وتقرّبه من الغرب وحتّى إسراعه إلى إرسال سفير إلى تل أبيب.

كبهلوان يسير على حبل دقيق

تحوّل مرسي من رئيس إلى بهلوان يسير على حبل دقيق. يتوجّه مرسي إلى الشرطة الدولية مطالبًا بمقاضاة منتجي الفيلم المسيء للاسلام ليحافظ على شعبيّته، وفي نفس الوقت يبعث برسائل تهدئة إلى الغرب. لكنّ الأمريكان لا يقبلون الرسائل التي تحمل معنيين. لم يعد مرسي في المعارضة، ويتوجّب على مصر، بوصفها دولة ذات أهمّية استراتيجية، اتّخاذ موقف واضح قبل أن تجرّ الشرق الأوسط برمّته إلى فوضى عارمة. جمّد الأمريكان مساعداتهم الاقتصادية لمصر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، وتركوا مرسى دون عون آملين بأن لا يقع في النار التي أشعلها الفيلم المسيء للاسلام

بعيدًا عن عناوين الصحف وعن الاهتمام الجماهيري، يواجه مرسي مشكلة ملحّة بمدًى أكبر. ملايين المعلّمين وعمّال الإنتاج وسائقي الباصات والأطبّاء وعاملي الجامعات والطلاّب ولجان أولياء الأمور يضربون في مصر. هؤلاء ليسوا جمهورًا محرَّضًا ينفّس عن نفسه من خلال حرق السفارات. هؤلاء هم مصر المنتجة التي تحرّك عجلات الاقتصاد والتي تطالب بالعدالة الاجتماعية. سارع الإخوان المسلمون إلى الربط بين "الألترس" والعمّال المضربين، وإلى اتّهامهم بأنّهم يتلقّون مساعدات من الخارج ويعملون من دوافع غير موضوعية. لكنّ هؤلاء العمّال يطالبون بما طالبوا به في عهد مبارك، تلك المطالب التي بسببها سقط النظام.

يدّعي الإخوان المسلمون "أنّ الوقت غير مناسب"، ويردّ عليهم الفقراء "إذًا متى هو الوقت المناسب؟" طالبت الثورة بالديمقراطية وبالعدالة الاجتماعية. الديمقراطية تحقّقت، لكنّ الإخوان المسلمين استغلّوها من أجل السيطرة على وسائل الإعلام ومراكز السلطة. العدالة الاجتماعية التي تعني العمّال، سُلبت منهم بادّعاء انّه لا يمكن الاستجابة لمطالبهم، رغم أنّ العمّال في مصر لا يستطيعون العيش من رواتبهم. يعتاش المعلّم من الدروس الخصوصية، والطبيب من عيادته الخاصّة، ويضطرّ عامل الإنتاج للعمل ساعات كثيرة ويبقى فقيرًا. يرى العمّال الإخوان المسلمين يرسلون شرطيين لاعتقال قادة النقابات العمالية، وشرطيين لتفريق مظاهرات طلاّب الجامعات، كما كان في عهد النظام السابق.

الانتخابات للبرلمان المصري ستجري في مطلع السنة المقبلة، بعد التصديق على الدستور الجديد. أمريكا وكرامة الاسلام ليستا المسألة الأهمّ في الأجندة المصرية، وإنّما الخبز والتعليم والسكن والأمن الاقتصادي والاجتماعي، والمحافظة على حرّية التنظيم والإضراب والصحافة. في طريقهم إلى السلطة، فقد الإخوان المسلمون الكثير، ولم يكن فوز مرسي في الانتخابات بأغلبية مطلقة من لأصوات المصريين. إذا استمرّ مرسي في السياسة الاقتصادية التي انتهجها سابقه، فسوف يخسر الأغلبية في البرلمان. انفجر غضب المصريين ضدّ الأمريكان، لكنّ مرسي يدرك جيّدًا أنّه هو العنوان الحقيقي. صحيح أنّ الغوغائية التي لوّح بها في الانتخابات هي التي أوصلته إلى السلطة، لكنّه الآن مطالب بالعمل، ونراه يجد صعوبات في ذلك.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__453
20.11.2017, 19:11