شؤون فلسطينية

بشائر الربيع الفلسطيني

اسماء اغبارية-زحالقة

في نفس الوقت الذي كنت القي فيه محاضرتي في مؤتمر حزب دعم (30/6) حول بشائر الربيع الفلسطيني كانت الساحة الفلسطينية تشهد مواجهات عنيفة بين رجال الشرطة ومتظاهرين من مجموعة شبابية اسمها "فلسطينيون من اجل الكرامة". كان الشباب يتظاهرون أمام المقاطعة برام الله ضد نية الرئيس محمود عباس لقاء الوزير الاسرائيلي شاؤول موفاز، وتمكنوا من ثنيه عن عزمه.

كثيرون اعتبروا المواجهة دلالة على بشائر لربيع فلسطيني، وهي لم تكن الدلالة الوحيدة. في الآونة الاخيرة ازدادت وتيرة الاحتجاجات ضد السلطة الفلسطينية، وكانت احدى أهمها المظاهرات الشعبية مطلع هذا العام ضد التعديلات الضريبية التي أقرّتها حكومة سلام فياض والتي شملت رفع ضريبة الدخل وتسريح عدد كبير من موظفي السلطة للمعاش المبكر. وكان المأمول من الاصلاحات اخراج السلطة من العجز الكبير في ميزانيتها. في هذه الحالة ايضا، اضطر فياض للتراجع ازاء الضغط الشعبي.

اثناء اعدادي للمحاضرة اجريت محادثات مع بعض الشباب الفلسطيني وتكوّن لدي الانطباع بان هناك ارضية لاندلاع ربيع فلسطيني وكل ما ينقص هو الشرارة لاندلاعه. كشف لي بعض الشباب عن وجود 153 مجموعة شبابية بدأت تتنظم، سواء بالفيسبوك او على الارض، لا يدوم جميعها ولكن بعضها يتعزز ويندمج مع بعضها الآخر، وهي لا تزال في مرحلة تحديد مسارها السياسي. الامر المشترك لهؤلاء الشباب هو عدم ثقة مطلق بالقيادة الفلسطينية بشقّيها، فتح وحماس، على اعتبار انهما جزء من الانظمة العربية التي بدأت الشعوب تتمرد ضدها. اليسار ايضا ليس عنوانا بالنسبة لهم.

لدى سؤالي هل يكون الربيع موجّها إلى الاحتلال أم إلى السلطة الفلسطينية، جاء الجواب واضحا وقاطعا: "السلطة تحولت إلى جزء من الاحتلال. ربيعنا سيكون موجها ضد الاحتلال وضد كل من يخدمه". السلطة رفضت في الماضي تنظيم مظاهرات ضد المستوطنات، ولكننا سنضعها امام الخيار: اما الوقوف معنا او الوقوف ضدنا.

مقال في "نيويورك تايمز" من 26/6 يؤكد نفس التحليل ويشير الى ان اجهزة المخابرات الاسرائيلية حذرت الاجهزة الامنية الفلسطينية من مغبة الاقتراب من نقاط الجيش والمستوطنات، وانها ستضع هي الاخرى السلطة امام احد خيارين: اما ابعاد المتظاهرين او وقف التنسيق الامني، وهو ما يعني وقف المعونات المالية التي تعيش منها السلطة الفلسطينية.

لا شك ان 20 عاما من الوضع المؤقت منذ مفاوضات مدريد، لا يمكن احتمالها اكثر. النتيجة كانت ان السلطة بدل ان تحرر شعبها من الاحتلال، حررت اسرائيل من اعبائه ونفقاته المالية الباهظة، وحوّلت الشعب الفلسطيني الى متسول من خلال اعتمادها على الدول المانحة، والنتيجة هي كيان مشوّه، بلا سيادة وبلا اقتصاد حقيقي.

من جهة اخرى، المقاومة المتطرفة التي اتبعتها حماس قادت الى حصار وحرب على غزة، مما اضطر قادة حماس الى انقاذ حركتهم من خلال اللجوء للعملية السياسية والمشاركة في الانتخابات ومؤخرا ايضا اعلن خالد مشعل، رئيس الحركة، عن وقف العمل المسلح والانتقال للمقاومة الشعبية. هذا التغيير في المواقف نابع ايضا من الربيع العربي الذي افقد حماس حليفتها سورية، كما فقد ابو مازن حليفه مبارك. ولكن مساعي الاصلاح بين الطرفين تلاقي عراقيل نابعة بالاساس من تفضيل كلا الطرفين لمصالحهما الفئوية والحزبية على المصلحة الوطنية، وبالتالي فالانقسام يبقى سيد الموقف. المشكلة انه حتى لو تمت المصالحة فستكون تعبيرا عن تقسيم للوظائف والكراسي بين حركتين كلتيهما فشلتا في انهاء معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال والفقر.

اليوم يتبين بوضوح انه لا فرق حقيقي بين فتح وحماس، كلاهما مع حل الدولتين، كلاهما فاسد وقمعي، كلاهما يحافظان على الهدوء مع اسرائيل، سواء بالتنسيق الامني او بالتهدئة، وكلاهما يؤمن باقتصاد رأسمالي.

مشكلة الشعب الفلسطيني ان انتفاضاته البطولية تمت بلا بيئة عربية ثورية، الامر الذي اوصل قيادة فتح الى الاستنتاج مطلع التسعينات بضرورة الانتقال للصف الامريكي وتوقيع اتفاق اوسلو بحجة ان كل العرب مع امريكا. اما اليوم، فمع تكوّن البيئة الثورية العربية يصبح من الممكن النهوض مجددا، من آلام الانتفاضة ودموعها ودمائها، وطرح المطالب الفلسطينية على اساس الغاء اتفاق اوسلو وسلطته الفاسدة، لان موازين القوى تتغير بالاتجاه الذي يمكن ان يخدم الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

وكلمة اخيرة لا بد منها، ان الحراك الشعبي ضد سياسة السلطة وضد الاصلاحات الاقتصادية، واحتجاجات العمال في منطقة بيت لحم، تشير بتأكيد من خبراء اقتصاديين فلسطينيين امثال رجاء الخالدي، ان التحرير الوطني يجب ان يرتبط بالعدالة الاجتماعية، وهذا ما بدأت تصوغه المجموعات الشبابية الجديدة في شعارها: "تحرير، عدالة، كرامة لجميع الفلسطينيين".

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__447
24.11.2017, 05:11