شؤون اسرائيلية

الثالوث غير المقدّس: براك - نتنياهو - موفاز

يعقوب بن افرات

لم يكن ذلك مناورة مرفوضة أو خطوة حكيمة. انضمام موفاز إلى حكومة نتنياهو كان خطوة سياسية بكلّ معنى الكلمة، هدفت إلى التخلّص من الورطة الكبيرة التي تعاني منها السياسة الإسرائيلية. لهذا السبب، قبل الخوض في تحليل ما حدث في الليلة التي بين الإثنين والثلاثاء الأسبوع الماضي، دعونا نتحدّث عن الأهمّ. على الصعيد الدولي، تُقلق الحكومة مشكلتان مصيريتان لا تجد لهما حلاًّ: القنبلة الذرّية الإيرانية والقضية الفلسطينية. الجدل الدائر بين إسرائيل والولايات المتّحدة حول مسألة المستوطنات، يجعل دعم الولايات المتّحدة لسياسة إسرائيل تجاه إيران أمرًا صعبًا.

على الصعيد الداخلي، الاجتماعي والسياسي، تتعرّض الحكومة من جهة، لتهديدات الصيف المقبل وتجديد الاحتجاج الاجتماعي، الذي سيكون هذه المرّة أكثر حدّة وأكثر تركيزًا في المسائل الاجتماعية. مناورة نتنياهو الأخيرة زادت من حدّة الإحباط الاجتماعي، خاصّةً على خلفية فشل الاحتجاج الاجتماعي في الصيف الأخير في تحقيق أهدافه، في حين أنّه من الواضح أنّ "حكومة الوحدة الوطنية" الجديدة قد أقيمت من أجل إجراء تقليص في الميزانية ورفع الضرائب، من خلال تجاهل الضائقة التي يعاني منها الجمهور. من جهة أخرى، تتعرّض الحكومة لضغوط من جانب محكمة العدل العليا التي تستهين بها، بعد أن وقعت تحت طائلة ابتزاز فتيان المستوطنات غير الشرعية والمتطرّفين من الليكود من فيچلين وأتباعه، الذين يُحكمون سيطرتهم على وزراء الليكود من وزير التربية چدعون ساعر وحتّى وزير المواصلات يسرائيل كاتس.

لن يستطيع نتنياهو ولا أيّ حزب آخر التخلّص منها هذه الورطة بمفرده. هذه الورطة تقيّد اليمين الليبرالي، وتفكّك اليسار إلى شظايا. هذا هو الدافع للوحدة غير المقدّسة للثالوث- نتنياهو وبراك وموفاز، التي تستند إلى ما سمّاه رئيس المخابرات السابق يوڤال ديسكين ب"الروح المسيحانية". في الماضي نجح نتنياهو في تفكيك حزب العمل وضمّ رئيسه إيهود براك إلى صفّه، والآن يبتلع حزب كديما، الذي أوجده ثالوث آخر: شارون وبيرس ورمون، الذين في هذه الأثناء، هم خارج الحلبة السياسية- بيرس في رئاسة الدولة ورمون بسبب عمل مشين وشارون في مزرعته يغطّ في غيبوبة عميقة.

كان تأسيس حزب كديما كابوسًا بالنسبة لنتنياهو. فقد سلب من الليكود "أفضل الشخصيات" وأبقى له 11 عضو كنيست فقط. منذ ذلك الحين قطع نتنياهو على نفسه وعدًا بتفكيك كديما والقضاء عليه. في كانون الأوّل 2009 قالت رئيسة الحزب تسيپي ليڤني لموفاز: "يحاول نتنياهو تفكيك كديما، هذه خطّته وبرنامجه وهذه حقيقة. كلانا وجميع كبار أعضاء الحزب يجب أن نتصدّى لخطّته". لقد حاولت ليڤني لكنّها فشلت. في اللحظة التي تركت فيها ليڤني كديما، فقد الحزب حقّه في الوجود. فقد سهّل تركها للحزب على موفاز- الذي قال في كانون الأوّل 2005 عندما كان عضوًا في الليكود آنذاك، "لا أحد يترك بيته"، وسرعان ما انتقل إلى كديما- ليعود إلى البيت الذي كاد أن يهدمه بيديه.

براك أيضًا شريك في هذ التحايل السياسي، فطابعه الاستبدادي وغياب مهاراته الاجتماعية، وبالأخصّ تخوّفه السياسي، جعلته رئيس حكومة فاشلاً، ألقى بالتهم على الفلسطينيين عن كلّ إخفاقاته. من جهة أخرى، في منصبه كوزير للدفاع حقّق نجاحًا، خاصّةً بعد التجربة الفاشلة التي خاضها عمير بيرتس في وزارة الدفاع. براك على خلاف مع بيرتس يجيد استخدام المنظار، ورغم قصر نظره السياسي، لا يرى الأمور بوضوح، هذا إذا كان يرى أصلاً. التخوّف من أيّ حلّ سياسي، ألقى ببراك في ذراعَي نتنياهو واليمين المتطرّف، الأمر الذي أدّى إلى تفكيك حزب العمل. ومقابل تضحيته لنتنياهو، حصل براك على غنيمته رغم معارضة مركز حزب الليكود، الذي أصرّ على منع نتنياهو من منح براك مكانًا مضمونًا في قائمة الليكود للكنيست.

وهنا نصل إلى الضلع الثالثة في الثالوث، العرّاب، الساحر السياسي الكبير، الذي ينجح في البقاء على الدوام، صاحب الألف وجه، الذي اكتشف في تلك الليلة فجأة بأنّ أتباع فيچلين والمستوطنين قد نجحوا في فرض سيطرتهم على مركز الليكود. اتّضح أنّ نتنياهو، الذي يرفع راية إتاحة القدرة على الحكم للقائد السياسي، والتي أعلن باسمها عن نيّته للإعلان عن الانتخابات، يجد صعوبة في فرض سيطرته في حزبه. حتّى ولو فاز في الانتخابات، فقد كان سيضعف في حزبه، لأنّه كلّما ازداد عدد المقاعد في الكنيست المقبلة، ازدادت حصّة أتباع فيچلين المتطرفين. لذلك عندما شعر نتنياهو بإمكانية تفكيك كديما، أجبر تسيپي ليڤني على إجراء الانتخابات التمهيدية داخل كديما، بعد أن أجرى هو نفسه مثل هذه الانتخابات وتنافس أمام فيچلين في الليكود. إقصاء تسيپي ليڤني من رئاسة كديما أحال خصمه إلى جثّة هامدة، وما تبقّى عليه فعله هو القضاء عليه نهائيًّا.

موفاز المثير للشفقة، الذي تتنبّأ استطلاعات الرأي فشله في الانتخابات، وجريه كالفأر في المتاهة، شجّع نتنياهو على التهامه. فقد حدّد لنفسه موعدًا للانتخابات في الرابع من أيلول، وفقط صرخات استغاثة عضو الكنيست رونيت تيروش على منبر الكنيست "لماذا تفعلون بنا هذا؟" شهدت على حدّة الأزمة التي يعاني منها حزب كديما. وضع نتنياهو إمكانيتين أمام موفاز: القضاء عليه أو ابتلاعه. موفاز الذي فضّل البقاء، شعر فجأة بأشواقه إلى البيت واعتذر لنتنياهو على نعته بالكاذب، ونتنياهو عاد بدوره يلوّح بعبارة "القدرة على الحكم". بعد هذه التحايلات، أقيمت أوسع حكومة في إسرائيل على مرّ السنين، والتي تستند إلى حزبين "كبيرين"، لا يجتازان نسبة الحسم. إنّها كنيست منقطعة عن الشعب، لكنّها تمتاز "بقدرتها الفذّة على الحكم".

حزب كديما هو نتيجة "للانفجار الكبير" الذي تحدّث عنه في حينه حاييم رمون، الذي كان يُفترض به أن يكسر التعادل القائم بين اليمين واليسار. لحاييم رمون "أفضال" كثيرة في إسرائيل: فهو الذي فكّك الهستدروت وقضى على العمل المنظّم؛ وهو الذي بادر إلى إقامة جدار الفصل، الذي أدّى إلى تعميق الصراع مع الفلسطينيين؛ وهو الذي أقام كديما. انضمام كديما إلى حكومة نتنياهو ترك في الحلبة السياسية فراغًا يجذب المنظومة السياسية برمّتها إلى دوّامة يمينية، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وكذلك السياسي.

إنّنا لا نشهد حكومة وحدة وطنية، وإنّما تشكّل سياسي متجدّد، يمدّ فيه نتنياهو، الذي سئم من ابتزاز حلفائه القدامى، يده لبراك ولموفاز الغارقين، وثلاثتهم يتعاونون للمحافظة على مكانتهم. تكمن مهمّة هذا التشكّل المتجدّد في التصدّي للمتدينين الأصوليين وأتباع حزب شاس والمستوطنين، وبالطبع اليساريين، وزجّهم في الهامش السياسي. يضمّ هذا التشكّل الليبرالية اليمينية واقتصاد السوق ورفض التوصّل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وكلّ ذلك دون الحاجة للتطرّف المسيحاني أو للإكراه الديني. لم يعد الليكود كما كان، وعلى أتباع فيچلين والمستوطنين البحث عن بيت كبير آخر يكون لهم تأثير فيه.

في المظاهرة ضدّ التحايل السياسي، التي جرت في "ساحة مسرح هبيما" في تل أبيب مساء الثلاثاء، حضرت للحظة تسيپي ليڤني، بينما رئيسة حزب العمل شيلي يحيموڤيتش نعمت بالراحة في استوديوهات التلفزيون. كلتاهما ترغبان في ملء الفراغ الذي تركته "حكومة الوحدة الوطنية"، إلاّ أنّ تسيپي ليڤني قد أثبتت عدم قدرتها على القيادة، بعد فشلها في تشكيل حكومة في أعقاب استقالة أولمرت، ومرّة ثانية عندما منيت بالهزيمة داخل حزبها. ويحيموڤيتش من جانبها سبق وصرّحت بأنّها على استعداد للانضمام إلى حكومة مع نتنياهو، وأهملت القضية "السياسية" لصالح القضية الاجتماعية. هذه ليست الطريقة الصحيحة لبناء بديل لنتنياهو!

يتمتّع الثالوث غير المقدّس بتاريخ "حافل". فأعضاؤه يمثّلون معًا رئيسين للأركان ووزيرَي دفاع ورئيسَي حكومة. ومع ذلك، سبق للثلاثة أن أثبتوا أنّ المشاكل التي يواجهونها تتعدّى قدراتهم. في المسألة الإيرانية تواجههم معارضة من جانب الولايات المتّحدة والدول الغربية، التي تعارض سياستهم العدوانية، ويتعرّضون لانتقادات شديدة من جانب المخابرات (الشَباك) والموساد اللذين خدموا فيهما سنوات طويلة. وبالنسبة للفلسطينيين، لا يحرّكون ساكنًا ويدعون الأمور تتدهور، ويعرّضوننا لخطر حرب لم نعرفها من قبل.

يعلم نتنياهو أنّ أوباما يترصّد له. صحيح أنّه نجح في تأجيل الانتخابات والاحتماء خلف ائتلاف حكومي يبلغ 94 عضو كنيست، لكنّ الضغوط الخارجية ستتزايد بعد أن يُنتخب أوباما لفترة رئاسية ثانية. فعل نتنياهو كلّ شيء لإغضاب الإدارة الأمريكية- بدءًا بتمويل المرشّحين الجمهوريين عن طريق صديقه المليونير شلدون إدلسون، ومن خلال خطاباته الاستفزازية في الكونغرس، وحتّى تجاهل مطالب الولايات المتّحدة بشأن المستوطنات. حتّى الانتخابات المقبلة، التي ستجري على ما يبدو في سنة 2013- سيفعل الأمريكان والأوروبيون والأتراك والعرب والجميع- كلّ ما في وسعهم للتخلّص من الورطة الإسرائيلية التي هي نتيجة للسياسة الرافضة والعدوانية التي تمارسها الحكومة التي فقدت كلّ دعم دولي.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__443
21.11.2017, 19:11