تاريخ النشر ٢٧/٠٢/٢٠١٢

شؤون عربية

الشعب السوري ضحيّة الحرب الباردة

يعقوب بن افرات

تأييد الثورة السورية والدعوة إلى إسقاط المستبدّ السوري والمطالبة بالوقف الفوري للمذابح في حمص، ليست عملاً إنسانيًّا من الدرجة الأولى فحسب، بل إنّه عمل سياسي ثوري موجَّه ضدّ الإمبريالية الروسية، وفي نفس الوقت ضدّ الإمبريالية الأمريكية أيضًا.

استضافت تونس يوم الجمعة 24 شباط، مؤتمر "أصدقاء الشعب السوري" بحضور وزراء خارجية الدول الغربية العظمى، وعلى رأسهم هيلاري كلينتون. وقد دُعيت روسيا رسميًّا إلى المؤتمر، لكنّها أصرّت على رفض المشاركة، معلّلة ذلك بأنّها لم تُبلَّغ مَن المدعوّون وما هو جدول أعمال المؤتمر. يشكّك الروس في أهداف المؤتمر، ويشكّون أنّ هدفه الأساسي هو إنشاء ائتلاف يدعم أحد الطرفين في الصراع الداخلي، كما حدث في ليبيا. بذلك تتبنّى روسيا تماما موقف النظام السوري، هذا مع أنّ الولايات المتحدة تعلن أنّها لا تنوي التدخّل عسكريًّا في سورية، بل تحرص على التحذير من تسلّل عناصر لها علاقة بتنظيم القاعدة في صفوف المتمرّدين، وترفض لذلك تسليح "الجيش السوري الحرّ" مدّعيّة أنّه لا يمكن التأكّد من هويّة المتمرّدين.

النتيجة هي تصعيد الممارسات الوحشية من جانب النظام السوري ضد الشعب الأعزل، إذ تُقصَف المدن السورية بلا هوادة في حرب من جانب واحد تمامًا، يستخدم فيها جيش منظّم ومسلّح بأحدث الأسلحة كلّ قوّته الهدّامة ضدّ المدنيّين وضدّ مجموعات جنود انشقّت عن الجيش لا يملكون سوى أسلحتهم الشخصية للدفاع عن أنفسهم وعن المدنيين. وصل التمرّد إلى وسط دمشق نفسها، إلى المزّة، أحد الأحياء الغنيّة في العاصمة السورية، الذي لم يعد سكّانه يحتملون ما يحدث في مدينة حمص، وعلى وجه الخصوص في حيّ بابا عمرو، حيث شاهدنا مدى القسوة التي يمكن أن يصل إليها النظام. وهكذا تتلاشى الرواية السريالية التي يحاول النظام بثّها، وكأنّ ما يقف وراء الأحداث هو تمرّد تقوده عصابات مسلّحة تعمل لحساب جهات خارجية، وتفرض الرعب على السكّان. وقد طفح الكيل في الغرب على أثر مقتل صحفية الساندي تايمز، ميري كلڤين، في بابا عمرو، ممّا أدّى إلى تصدّر الفظائع الذي يرتكبها النظام السوري عناوين الأخبار في وسائل الإعلام الغربية.

الحرب الباردة

حقّ النقض الذي فرضته روسيا والصين على المبادرة العربية في مجلس الأمن، أدّى إلى زيادة التوتّر القائم أصلاً في العلاقات بين روسيا والولايات المتّحدة، وانعكس الأمر بشكل بارز في مدينة حمص. يسعى النظام السوري إلى حسم المعركة بدعم من روسيا، وبذلك يسبّب هزيمة للولايات المتّحدة التي تدعم المتمرّدين. والذي يدفع ثمن الحرب بين الدولتين العظميين هم المواطنون السوريّون، الذين تتلخّص "جريمتهم" الوحيدة في رغبتهم في أن يعيشوا في ظلّ نظام ديمقراطي وأن ينعموا بالعدالة الاجتماعية. ألاّ أنّ نظام پوتين، الذي خصخص وفكّك الحقل الاقتصادي السوڤياتي المشترك ووزّعه مجّانًا على الأثرياء (الأوليغاركيين) الجدد، يرى في بشّار الأسد حليفًا استراتيجيًّا في المنطقة، لدفع طموحات موسكو الإمبريالية في العالم. هذا التحالف هو استمرار للتحالف التقليدي الوطيد الذي كان بين النظام السوڤياتي وسورية، رغم أنّ الأسس الأيديولوجية التي يستند إليها هذا التحالف لم تعد قائمة والدولتان هما دولتان رأسماليتان. لا شكّ أنّ الحديث لا يدور حول تحالفات تقليدية فحسب، بل هناك مصالح عسكرية وجيوسياسية انتقلت بالوراثة من الاتّحاد السوڤياتي إلى روسيا بزعامة پوتين. يمكننا الاستشهاد بمثال لذلك، وهو ميناء طرطوس السوري الذي وفقًا للاتّفاقيات بين الطرفين سيتمّ تطويره لتستخدمه السفن الحربية الروسية بعد سنة 2012. وبالطبع إذا سقط الأسد فستسقط معه هذه الاتّفاقية أيضًا.

وهكذا أمام محاولات الغرب ضمان هيمنته على المنطقة من خلال عزل إيران وإسقاط الأسد، تقف روسيا التي تسعى إلى إنشاء محور شرق أوسطي مضادّ، يشمل إيران والعراق وسورية، والذي يتميز بطابعه الشيعي الطائفي. اللاعب الجديد في هذا المحور هو العراق، عدوّ سورية اللدود في الماضي، الذي تبدّلت مصالحه منذ إسقاط نظام البعث على أثر الاحتلال الأمريكي وتأسيس النظام الشيعي السائد في العراق. الأغلبية الشيعية في العراق تناضل اليوم بكلّ قوّتها ضدّ الأقلّية السنّية العراقية، وتخشى من الأغلبية السنّية في سورية. ولهذا السبب نرى رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي يدعم بشّار الأسد، ممثّل الأقلّية العلوية. من هنا، رغم أنّ سورية قد تحوّلت إلى بؤرة الصراع بين الولايات المتّحدة وروسيا، تحذر أمريكا جدًّا من التدخّل العسكري، لأنّها ترى كيف أن النظام العراقي، الذي تولّى السلطة بمساعدتها، انقلب ضدّها بعد أشهر معدودة من مغادرة قواتها العسكرية.

لا يقتصر القاسم المشترك بين الأنظمة الشيعية الثلاثة على الجانب الطائفي؛ فهذه الأنظمة هي أنظمة دكتاتورية فاسدة تقف على رأسها نُخَب اقتصادية تنعم بالثمار الاقتصادية، في حين يعيش الشعب في فقر وتخلّف. تعاني هذه الأنظمة من نوع من الحرب الأهلية، تتّصف بطابع عنيف معلن في العراق وفي سورية، وتدور في الخفاء في إيران. يشنّ هذا المحور حربًا شعواء ضدّ الربيع العربي، الذي أحدث تغييرات جذرية في مصر وتونس وليبيا واليمن. محاولة اختصار ما يحدث في سورية اليوم بأنّه حرب بين الدولتين العظميين على حساب المواطنين هي محاولة خاطئة. للثورة السورية أسباب عميقة لا تستطيع روسيا ولا النظام السوري تجاهلها وإنكارها.

الثورة السورية

في محاولة للتصدّي للانتقادات العالمية، وبنصيحة من روسيا، أعلن الأسد عن إجراء استفتاء شعبي على دستور جديد يلغي مكانة حزب البعث كحزب حاكم، وإجراء انتخابات للرئاسة خلال تسعين يومًا. من جهة ثانية، لا يضمن الدستور الجديد نظامًا ديمقراطيًّا ولا يعترف بالمعارضة وهدفه التظاهر بالتغيير، في الوقت الذي تستمرّ فيه المذابح في المدن والقرى السورية بلا هوادة.

لن تتوقّف الانتفاضة الشعبية السورية، بدون علاقة بمدى العنف الذي يمارسه النظام ضدّ مواطنيه. صحيح أنّ الثورة السورية تحوز على تأييد دول متخلّفة ورجعية مثل السعودية وقطر، اللتين تخشيان إيران، لكنّها تستمدّ أساس قوّتها من الإنجازات التي حقّقها المواطنون المصريون والتونسيون، الذين أسقطوا حكّامهم المستبدّين وحقّقوا انتخابات ديمقراطية لأوّل مرّة منذ ستّين سنة. إنّ ما نشهده في سورية هو ليس أقلّ من هزّة أرضية إقليمية تزعزع أسس الأنظمة العربية، وتبعث بقوى اجتماعية هائلة تراكمت خلال ستّة عقود من القمع والاضطهاد والفقر والفساد، مطالبةً بالتغيير الشامل للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أمام نظام روّج شعارات منمقّة مشبعة بالطائفية والقومية.

كي ندرك طابع الثورة السورية بمدى أكبر، لا بدّ من الالتفات إلى المظاهرات التي نشبت في موسكو وأثينا وروما ومدريد ونيويورك. الربيع العربي هو ربيع عالمي جاء ليغيّر سلّم الأولويّات في العالم بأسره، بعد أن سُلب من مواطني العالم حقّهم الأساسي في تقرير مصير بلادهم وضمان مستقبلهم. ألمانيا في الوقت الراهن تُملي على مواطني أوروبا ما عليهم فعله وتحت أيّ نظام اقتصادي عليهم العيش، لإنقاذ بنوكها هي. أمريكا من جانبها تحاول أن تُملي للعالم نهجها الاقتصادي الذي أدّى إلى تدهور وانهيار اقتصادها هي وبالتالي جر الاقتصاد العالمي الى شفا الهاوية، في حين تضطرّ هي نفسها للانسحاب من العراق ومن أفغانستان، من الحربين اللتين راح ضحيّتهما 6000 من جنودها، وبلغت تكاليفها ثلاثة تريليونات دولار. النهج الاقتصادي الاجتماعي القائم هو في طور الانهيار، ويخرج مواطنون في جميع أنحاء العالم إلى الشوارع، لمصادرة القوّة من الرأسماليين الكبار الذين هيمنوا على الاقتصاد وعلى السياسة. لذا ليس بمقدور الدول العظمى المنهارة وقف الثورات أو توجيهها إلى مسار مغاير.

تأييد الثورة السورية والدعوة إلى إسقاط المستبدّ السوري والمطالبة بالوقف الفوري للمذابح في حمص، ليست عملاً إنسانيًّا من الدرجة الأولى فحسب، بل إنّه عمل سياسي ثوري موجَّه ضدّ الإمبريالية الروسية، وفي نفس الوقت ضدّ الإمبريالية الأمريكية أيضًا. لقد ولّى عهد الاستعمار، ولم يعد باستطاعة الدول العظمى أن تكتب التاريخ كما تراه. تخلّص المواطنون من الخوف لأنّهم بلغوا حدًّا ليس لديهم فيه ما يخسرونه باستثناء القيود والسلاسل التي كبّلتهم وكبّلت إرادتهم الحرّة. آلام مخاض العهد التاريخي الجديد لا تُحتمَل، والثمن الذي يدفعه الشعب السوري للتحرّر من الدكتاتورية القمعية الحاكمة باهظ جدًّا. رغم ذلك، الاضطهاد والقمع والقسوة التي يمارسها النظام تعجّل في تفكّكه، وستكون نهاية الأسد كنهاية جميع المستبدّين الذين سبقوه، منذ لويس السادس عشر في فرنسا في القرن الثامن عشر، مرورًا بالقيصر الروسي في مطلع القرن العشرين وحتّى القذّافي في ليبيا في أيّامنا.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__437/الشعب_السوري_ضحيّة_الحرب_الباردة
19.10.2017, 05:10