شؤون عربية

احمد بهاء الدين شعبان:

"أمريكا أخذت من الإخوان والنور كل ما تحتاجه من ضمانات تتعلق بالمصالح الأمريكية"

اسماء اغبارية-زحالقة

مرة أخرى أثبتت الجماهير أن الثورة أعمق مما تصور الكثيرون في اعقاب اكتساح الاخوان لمجلس الشعب، وانها تقف بالمرصاد لمن يتربص بها. الموضوع شائك ومعقد في بلد كبير وفقير يمر بحالة ثورة تهز اركانه، للوقوف عن كثب حول دقائق الامور، كان لي هذا الحوار مع أحمد بهاء الدين شعبان، أمين عام الحزب الاشتراكي المصري العضو في تحالف "الثورة مستمرة" في تاريخ 3 شباط.

احمد بهاء الدين شعبان واسماء اغبارية زحالقة في مصر، يوليو 2011

أيام مؤلمة تمر على مصر في الذكرى الأولى للثورة، فبعد ان خرجت الملايين احتفاء بالذكرى وتأكيدا على روح الثورة الحية، وإثباتا لوجود الشعب كعنصر رئيسي في المعادلة، وقع حدث جلل أودى بحياة 74 شابا في مبارة كرة القدم في بورسعيد الأربعاء الماضي. على أثره خرج الملايين مرة اخرى هذه المرة منددين بالمجلس العسكري وجهاز الأمن واتهموهما بالتواطؤ والتآمر على الثورة من اجل إجهاضها وهي في عامها الأول.

ما تقييمك للحدث المأساوي في بورسعيد وكيف يندرج ضمن الحدث السياسي في مصر بعد مرور عام على الثورة؟

ما حدث في بورسعيد بعد انتهاء اللعبة ليس مفاجئا بالمعنى العام بل يندرج في اطار كل ما تم معايشته في مصر في الاشهر الاخيرة التي سبقت حلول الذكرى الاولى للثورة. قبل شهرين عاشت مصر عملية ترويع منظم للشعب، وقد أُشيع بأن قوى الثورة ستحرق القاهرة في ذكرى الثورة وستخرب وتدمر المجتمع. من يقود هذه الحملة هو المجلس العسكري وفلول النظام وأركان جهاز أمن الدولة والأمن الوطني والنظام السابق الذي لم يسقط منه سوى القشرة الخارجية الممثلة بالرئيس المخلوع مبارك.

ولكن في 25 يناير الاخير خرجت الجماهير بالملايين ولم يعد من الممكن تنفيذ خطة المجلس، وعجز البلطجية وفرق القتل واللصوص والمجرمين، عن لعب الدور الذي استعدوا له. ولكن سنحت لهم فرصة ذهبية لتطبيق مخططهم في الحشد الضخم في مباراة كرة القدم في بورسعيد. ولم تكن هذه مجرد فرصة بل هناك ثأر بين جهاز الأمن ومشجعي فريق الأهلي الذين لعبوا دورا مهما في الثورة. هؤلاء المشجعون المعروفون بالألتراس هم عبارة عن مجموعات ضخمة ومنظمة وموجودة في صدام مباشر مع الأمن حول المباريات، ولعبوا دورا كبيرا في الثورة والدفاع عنها وكانوا في المباراة المذكورة يهتفون بإسقاط حكم العسكر.

هذه الجريمة غير مبررة ولم تحدث في تاريخ مصر، ومما يتضح فهناك مجزرة تعد ضد الألتراس المصري، انتقاما منهم ولإنهاء الثورة وترويع الثوار وإنذارهم بأن من يقترب او يهدد المجلس العسكري ستتم تصفيته.

انا الآن آت من الميدان، ورد فعل الناس مختلف، فقد خرج مليون فرد في الميدان قرروا حسم بؤرة الفساد أي جهاز الأمن ومباحث امن الدولة ووزارة الداخلية التي قتلتهم في القصر العيني ومحمد محمود وماسبيرو، وتنظم المؤامرات ضد ثورتهم. حاول الشباب اقتحام المبنى ولكنهم محصن طبعا، ولكن هناك كر وفر وضرب وصراع محتدم ليس فقط في القاهرة بل في السويس ومواقع اخرى. ما يحدث عمليا هو استكمال للثورة.

بعد الانتخابات كانت الصفقة أن يسلم العسكر السلطة للتيارات الاسلامية، مقابل الخروج الآمن وضمان مصالحه وعدم مراقبة ميزانيته او التدخل في شؤونه، وعدم محاسبة قادة المجلس على قتل الشهداء. معنى هذه الصفقة هو إنهاء شرعية الثورة، وأن شرعية البرلمان أنهت شرعية الميدان. ولكن انقلبت المعادلة في 25 يناير الأخير عندما نزل الشعب بالملايين ليقولوا إن الثورة لا تزال قائمة ولن نقبل بإجهاضها، وأن الرقم الصعب الآن هو الجماهير في الشارع. فقد حاصرت الجماهير مجلس الشعب ورفعت أحذيتها في وجه الاخوان. الجماهير كلها ضد الاخوان والمجلس العسكري وتعتبر الطرفين متحالفين ضد الثورة.

ما يحدث اليوم هو فعل بطولي أسطوري للشباب في مواجهة جهاز الامن والحكم العسكري، شبيه بالملاحم أيام الانتفاضة الفلسطينية عندما وقف اولاد فلسطينيون بالحجارة امام دبابة اسرائيلية. آلاف الجرحى يسقطون وسيارات الإسعاف تنقلهم والمنطقة اشبه بحالات حرب.

يرى البعض ان ما حدث في بورسعيد كان تقصيرا من رجال الأمن، وهناك نية لاحالة وزير الداخلية للتحقيق، ما رأيك؟

ما حدث في بورسعيد لم يكن تقصيرا بل تواطؤًا. التقصير هو بذل جزء من الجهد دون تحقيق نتائج، ولكن ما حدث كان تواطؤا تم خلاله فتح صفوف البوليس ليدخل منها المجرمون ويقتلوا بينما وقف رجال الامن يتفرجون، وغادر مدير الامن والمحافظ المكان، وتم إقفال أبواب الإستاد لتكون مجزرة. انه تواطؤ واضح وفاضح، لذا غضب الشباب قاطع.

جهاز الأمن لم يتم تغييره، نفس الضباط والقيادات المسؤولة عن قتل شهداء الثورة لا يزالون يشغلون مناصبهم وهو ما يستفز الناس. هذا الجهاز أصلا لم يتغير أبدا، بل هو نفسه الجهاز الذي كان أيام الملك فاروق، وكان يسمى البوليس السياسي، عبد الناصر أبقى عليه، وكذلك السادات ومبارك وفي كل مرة كانوا يغيرون اسمه، والآن أيضا بعد الثورة غيروا الاسم لجهاز الأمن العام، وفي ظل الإخوان سيبقون ايضا ولا مانع لديهم في ان يلتحوا إن لزم الأمر، والتلون كيفما شاؤوا، المهم الحفاظ على مصالحهم وبقاء نظامهم.

كان حريا بالمجلس العسكري قبول استقالة وزير الداخلية، وتعيين لجنة تحقيق ليس كتلك التي جرى تعيينها والتي لن تفعل شيئا كما حدث في الأحداث السابقة، وهو ما يفقد ثقة الناس.

هل شرعية الميدان اليوم تسعى عمليا لإسقاط شرعية البرلمان الذي انتخبه الشعب بانتخابات ديمقراطية؟

الانتخابات كانت ديمقراطية من الناحية الشكلية فقط، كانت صحيحة واقل تزييفا. لم يتم إعطاء القوى الثورية الفرصة لبناء نفسها سياسيا، والتنافس السياسي. ما كاد الرئيس يسقط في 11 فبراير حتى خرجوا بالاستفتاء في 19 مارس، وبطبيعة الحال انتخب من جهّز نفسه اكثر من 80 سنة. كان ينبغي أن يكون للثورة قوانينها ومحاكمها وأطرها القانونية الخاصة وتستهدف اعطاء الفرصة للأجيال الجديدة التي تشكل 60% من المجتمع، كل هؤلاء خارج البرلمان. في البرلمان 7 نساء وعدد قليل من الاقباط، بمعنى أنه لا يعبر عن جزء من الشعب المصري وليس عن كله، لذا حاصره الناس، لأن الشباب يشعرون بأن الاخوان خانوهم.

ولكن الحقيقة هي أن الإخوان في ورطة لأنهم مطالبون بإنجاز استحقاقات ضخمة وفي تقديري سيفشلون في هذه المهمة. ليست لدي مشكلة في أن يقود الاخوان البلاد، بل حتى أني سعيد بذلك، فأنا كخصم في اتجاه سياسي مخالف اعتقد أن هذه ستكون نهايتهم. فمصر فيها 70% فقراء، 50% تحت خط الفقر، 16 مليون يعيشون في عشوائيات، 8 مليون عاطلين عن العمل، 8 مليون عانس، الدين العام لمصر يصل إلى تريليون جنيه مصري. البلد في أزمة حقيقية كبيرة جدا، ولا يبدو ان الاخوان سينجحون في الخروج منها. الاخواني حسن مالك، مسؤول الملف الاقتصادي، وهو ايضا احد اكبر الرأسماليين في مصر، قال أن برنامج مبارك الاقتصادي كان جيدا سوى بعض الشوائب فيه.

المشكلة أن الإخوان تصرفوا كحزب وطني جديد، فلم يمنحوا الآخرين فرصة لمشاركتهم في تحمل المسؤولية. مرشدهم الأعلى محمد بديع يتحدث اليوم عن عصر الخلافة الإسلامية، وعن انتصار الإسلام في ليبيا ومصر واليمن وتونس، وهو أصلا يعتقد ان الثورة كانت معجزة إلهية وليست عملا قام به الشعب.

إذن لماذا لا يترك الشباب الاخوان يحكموا ليفشلوا؟

الشباب موج هادر من الغضب، تتراوح أعمارهم بين 18-20 عاما، ليسوا ذوي رؤية مركبة، الحياة عندهم أبيض وأسود. القوى السياسية لها تقييم آخر عن تقييمهم، ولكن الشباب عبارة عن ثورة دائمة، لهم حلم ببناء الدولة الجديدة بأن تنتصر الثورة. حوادث التاريخ الكبرى تتم بهذا الشكل، هناك صراع إرادات بين قوة الثورة الفوارة بالطاقة وبين من يسعى للجمها. كلي يقين أن الثورة ستنتصر، أنا مذهول من الطاقة الهائلة، أغلب الشباب من الطبقة الوسطى ومتعلمون إضافة طبعا للطبقات الشعبية، بمعنى ما يحركهم ليس الجوع بل الحلم بالحرية وبناء دولة متقدمة. جنون الشباب هذا هو الذي أطاح بمبارك.

ألا تخشى بأن يستغل الجيش هذا التصعيد لإلغاء البرلمان وفرض سيطرته؟

استبعد ذلك تماما. الجيش فهم أن هناك حجما هائلا من الغضب والكراهية ضده، وسيكون عليه الانسحاب وتأمين مصالحه مع الاخوان ورئيس الدولة الجديد، وحماية البيروقراطية المصرية لتحافظ على امتدادها.

هناك صفقة بين العسكر والاخوان كما ذكرت، والاحتداد بينهما له علاقة بأن كل طرف يحاول تحسين شروط التفاوض. فقد أعلن الاخوان أنهم ليسوا ضد أن يكون للقوات المسلحة وضع مميز وأنه سيتم تأمين مصالحها في الدستور الجديد، والجيش هو قوة اقتصادية وله مشاريع واستثمارات هائلة. ضمن الصفقة المبرمة بين الطرفين، أخذ الاخوان مجلس الشعب مقابل عدم التدخل برئاسة الدولة.

هل هناك علاقة بين نية الجيش الحفاظ على مصالحه وبين التوتر في العلاقات مع الامريكان الذي يسعون لتقزيم دوره فقام بملاحقة بعض المنظمات الممولة امريكيا؟

لا ارى ذلك أبدا. المنظمات التي هوجمت هي تلك التي كشفت مواقف المجلس وفضحت أعماله وأولها عمليات كشف العذرية عن الفتيات الثوريات اللواتي جرى التحقيق معهن، سحل الفتيات في الشوارع وتعذيبهن وضربهن وضرب الشباب في ميدان التحرير. اما كل منظمات التي تتقاضى تمويلا من الولايات المتحدة واوروبا بالمليارات فلم يتم التحقيق معها. المشكلة أن بعض المنظمات "تطاولت" من وجهة نظر المجلس العسكري، لذا تتم ملاحقتها.

العلاقات بين الأمريكان والمجلس العسكري لن تصل أبدا إلى القطيعة، بل هناك مصالح متبادلة فالمجلس يمثل قيادة الدولة الحليف الرئيسي لأمريكا في المنطقة، وكامب ديفيد هو صمام الأمان بالنسبة لاسرائيل.

الجيش لن يضيع بسهولة المعونة الامريكية السنوية التي تقدر بمليار و250 مليون دولار. ما يحدث اليوم من "توتر" في العلاقات هو نوع من لي الذراع ليس أكثر، والواقع وهو المهم أن أمريكا أخذت من الإخوان والنور كل ما تحتاجه من ضمانات تتعلق بالمصالح الأمريكية وطبيعة النظام الرأسمالي الحاكم واقتصاد السوق، وكل ما يتعلق بحماية العلاقات مع اسرائيل. حزب النور السلفي حتى زاد على الإخوان وأجرى حوارا مع إذاعة الجيش الإسرائيلي وقال انه مع الصلح والسلام.

هل حاولتم إقناع الشباب بموقفكم؟

حاولنا أن نجلس مع الشباب ونناقشهم. في حوار لي معهم قلت - قد تنجح الثورات لأنها بلا قيادة، لأنه لو كانت لها قيادة لذبحها الجهاز الأمني الشرس، ولكن لا يمكن أن تستمر الثورات وتنجح بلا قيادة. حضرت لقاءات ينظمونها لبلورة قيادة منهم، هم حساسون تجاه أي شخص يحاول الوصول إلى السلطة على جثثهم. كل من دخل المجلس الاستشاري العسكري أصبح خارج ثقة الشباب. هم حريصون على اكتساب التجربة بأنفسهم، بالتجربة والخطأ، ولكن لهم رادار قوي وهم يعدّلون مواقفهم، سواء بالنسبة للموقف من الاخوان او البرادعي وخلافه.

أنا مطمئن بأن الثورة مهما خبت جذوتها فيها قوة تجدد كبيرة، فهي كسرت شوكة اكبر جهاز امن في العالم العربي، خاضت معركة عنيفة ضد قوات المظلة وقدمت ضحايا بالآلاف.

ولكن من جهة اخرى الرأي العام المصري كان قد ضاق ذرعا بمظاهرات الشباب التي لا تنقطع ويعتبر الامر فوضى تمنع عودة الاستقرار وبناء الاقتصاد. ماذا تقول في ذلك؟

هذا الموقف هو نتيجة حملة تشويه منظمة يقوم بها المجلس العسكري. الاقتصاد المصري غير منهار كما يتم الترويج، بالعكس. الخبير الاقتصادي احمد السيد النجار أعطى أرقاما تشير الى تحسن في أداء بعض المرافق. مثلا دخل قناة السويس زاد 3000 مليون دولار بالسنة الاخيرة، هناك تحسن في الصادرات المصرية، هناك طبعا امور تأثرت مثل السياحة. عندما أشاع المجلس العسكري انه سيكون حريق وتخريب للبلد في 25 يناير، دب الرعب في قلوب قطاعات في المجتمع تريد الاستقرار ولها مصالح وهناك تجار وبازار وشركات سياحة. ولكن يوم 25 مر بسلام وارتفعت مؤشرات البورصة وكان انتعاش.

هناك ما يسمى "حزب الكنبة"، اولئك الذين ينتقدون من بعيد دون أن يشاركوا، ولكنهم ضد أن يتحرك احد. أما الرأي العام فهو سائل ومتغير. عندما رأوا ما حدث في بورسعيد هاجموا المجلس العسكري. الأمر الفاصل هو القدرة على حشد عدد ضخم في الشارع، وأنا مبهور كيف يمكن لهؤلاء الشباب حشد 2 مليون في الشارع عن طريق الفيسبوك والتويتر. إنها ثورة غريبة جدا، دون أحزاب تقليدية، تُدار العمليات الكبرى عن طريق وسائل تكنولوجية حديثة.

الواقع مؤلم ولكنه طبيعي في ظل الثورة، كل الثورات تتطلب ضحايا، وما يحدث في مصر لا ينفصل عن الدرب الذي سارت عليه ثورات العالم.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__434
21.11.2017, 13:11