تاريخ النشر ٢٧/٠١/٢٠١٢

حزب دعم

وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم العمالي 22 يناير 2012

المهمة الملحّة – بناء بديل يساري ثوري عربي يهودي

ها هي سنة 2012 تبدأ مبشّرةً بتطوّرات تاريخية جديدة في العالم عامّةً وفي الشرق الأوسط خاصّةً؛ فمنذ انعقاد الدورة السابقة للّجنة المركزية في شهر أكتوبر الماضي، دخلت أوروبا في أزمة اقتصادية أدّت إلى تحوّلات سياسية في كلّ من اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وسقطت حكوماتها في محاولة للنجاة من الإفلاس الاقتصادي. أمّا في كلّ من تونس ومصر فقد جرت أوّل انتخابات ديمقراطية فازت فيها حركة الإخوان المسلمين؛ الأمر الذي أدّى إلى تغيير المشهد السياسي العربي برمّته. إلى جانب ذلك وبتأثير الثورات العربية، ما زالت الثورة السورية ضدّ النظام مستمرّة، رغم التضحيات الجسيمة التي يدفعها المجتمع السوري المنتفض.

قبل الخوض في النتائج السياسية التي أدّى إليها الربيع العربي، لا بدّ من التطرّق إلى الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها أوروبا، وذلك بسبب إسقاطاتها الخطيرة على العالم بشكل عامّ وعلى العالم العربي بشكل خاصّ. فما نراه في أوروبا ليس أزمة اقتصادية عادية تقتصر على قطاع إنتاجي معيّن، مثل التكنولوجيا المتطورة أو القطاع المصرفي كأزمة الرهن العقاري أو صناديق التحوّط، وإنّما هي أزمة تتعلّق بالديون السيادية للدول نفسها وقدرتها على سدادها للبنوك والمؤسّسات المالية التي اقترضتها منها.

لا نتحدّث هنا عن دول هامشية بل عن دول أعضاء في الاتحّاد الأوروبي وكتلة اليورو، منها اليونان وإسبانيا ودول كبرى مثل إيطاليا وحتّى فرنسا التي جرى مؤخرا خفض تصنيفها الائتماني. ان أهم ما في الازمة الاقتصادية هو الجانب السياسي المتعلق بفقدان الدول سيادتها. مؤسسات المال العالمية وشركات التصنيف الائتماني، التابعة لاجماع واشنطن، هي التي تقرر، وليس الشعوب، بقاء الحكومات او سقوطها، وهو ما حدث في دول اوروبا المختلفة، وتعيين حكومات بديلة لادارة الاقتصاد على نحو يتطابق مع النهج النيوليبرالي الذي هو اصلا مسبِّب الازمة التي بدأت في الولايات المتحدة ثم انتقلت للاتحاد الاوروبي، دون ان تُبقي دولة عظمى قادرة على إنقاذ النظام الرأسمالي من أزمته البنيوية.

لا شك ان حقيقة فقدان البلاد سيادتها فاقم احساس الجماهير الغفيرة في اوروبا بفقدان تأثيرها على الحدث السياسي في بلادها وتراجع ثقتها بالبرلمان والقيادات السياسية وبالعملية الديمقراطية الانتخابية برمّتها، واكد اعتقادها بان الزواج بين السلطة ورأس المال انما يخدم شريحة ضيقة من المجتمع على حساب الاغلبية التي تعاني من تقليص برامج الرفاه ونمو البطالة. كلّ هذه العوامل تخلق مناخًا احتجاجيًّا واسعًا يفضح طابع النظام الرأسمالي، وتبقى المهمة الملحّة امام كل الشعوب هو طرح برنامج ثوريّ جديد يفتح آفاقًا جديدة لتفادي الكارثة التي يؤدّي إليها النظام الرأسمالي التي يرافقها صعود اليمين المتطرف.

الربيع العربي وطابعه الإسلامي

كانت هذه مقدمة ضرورية لفهم السياق العام الذي تندرج ضمنه الثورات العربية، فهي مختلفة نوعيا عن الثورات التي شهدها العالم العربي في القرن الماضي، ويجب ان تفهم كجزء من الزلزال الذي يمر به النظام الرأسمالي النيوليبرالي السائد. حركات الاحتجاج العالمية هي التعبير الموازي لما يحدث اليوم في العالم العربي، ولو انها لم تصل بعد الى درجة النضج لطرح برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي شامل للنظام القائم وتكتفي بجانب الاحتجاج.

إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الأسباب الأساسية لنشوب الثورات العربية هي الوضع الاقتصادي المتردّي ونسبة الفقر والبطالة العالية، وخصوصًا بين الشباب، والأجور المتدنّية، فإنّ ما يقف اليوم أمام الإخوان المسلمين الذين فازوا بأغلبية كبيرة في كلّ من مصر وتونس هو تحدٍّ كبير جدًّا من الصعب على الحكومات الجديدة مواجهته.

كانت الانتخابات في مصر أوّل وأهمّ مكسب لثورة 25 يناير، فقد حسمت الصراع الدائر بين الثوّار والجيش حول طبيعة السلطة القادمة ودور الجيش فيها. فحتّى اللحظة التي أُجريت فيها الانتخابات سادت في مصر فوضى وعدم وضوح بالنسبة لاتّجاه الثورة وإمكانية تحوّلها إلى انقلاب عسكري، بسبب عدم قدرة الأطر السياسية على التوافق فيما بينها وقدرتها على ملء الفراغ الذي خلّفه النظام البائد. ففي الوقت الذي أراد فيه شباب ميدان التحرير تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمّى وتأسيس مجلس مدني مؤقّت مكان المجلس العسكري لإدارة البلاد، أصرّ الإخوان المسلمون على إجراء الانتخابات ليقينهم من الفوز فيها. أمّا الجيش فقد استغلّ هذا الارتباك والانقسام ليعزّز مكانته في الساحة السياسية.

لم تكن نتائج الانتخابات مفاجئة بل متوقّعة إلى حدّ ما، باستثناء فوز حزب النور السلفي الذي امتنع عن النشاط السياسي طيلة عهد النظام السابق. ورغم ذلك، تشكّل المشاركة الجماهيرية الكبيرة للشعب المصري بكلّ فئاته في العملية الانتخابية حدثًا هامًّا، يدلّ على تعطّش الشعب المصري للديمقراطية والمشاركة في صنع القرار، الأمر الذي سيهيمن على الحياة السياسية في مصر في المستقبل. إنّها رسالة موجّهة إلى الإخوان المسلمين والسلفيين مفادها أنّ التفويض الذي حصلوا عليه من الشعب المصري هو مؤقّت ومشروط بوفائهم بتعهداتهم.

يدرك الإخوان المسلمون تمامًا الوضع المعقّد الذي دخلوا إليه، وسيكون عليهم اعتبار توقّعات الشعب الذي انتخبهم، والثوّار الشباب الذين صنعوا الثورة والجيش الذي لم يتنازل عن امتيازاته ونفوذه وهيمنته على البلاد. سيناريو الانقطاع عن العالم وكلّ محاولة لفرض عقيدتهم الدينية على الشعب المصري والانحياز إلى الشريعة على حساب الديمقراطية المدنية - سيؤدّي لعزلهم ولحصار اقتصادي مما سيعجزهم بالتالي عن حلّ المشاكل الصعبة التي يعاني منها الشعب المصري.

ما يريده الإخوان المسلمون هو الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية والاعتماد على الاستثمارات الأجنبية لإنعاش الاقتصاد المصري وإخماد الغليان الاجتماعي. وهم يدركون أنّ وقتهم محدود، وأنّ الشعب يريد أن يرى تحسّنًا ملموسًا وفوريًّا في الوضع الاقتصادي، والا ستكون في انتظارهم موجة عارمة ومستمرّة من الإضرابات العمّالية في كلّ المرافق الاقتصادية. هذه الاضرابات المسماة في مصر "الإضرابات الفئوية"، هي واقع يومي يطالب من خلاله المتظاهرون برفع الحد الادنى للأجور ومطالب نقابية أخرى.

من ناحية أخرى، سيكون على الاخوان التعامل مع القطاع الخاصّ الذي يهيمن على مرافق هامّة في الاقتصاد المصري، الأمر الذي سيؤدّي إلى إهمالهم مطالب العمّال المحلّيين، وربّما السعي إلى استبدالهم بعمّال أجانب أقلّ تكلفة (من الهند مثلاً). كما وعليهم تطهير البلاد من الفساد ومحاكمة المسؤولين عنه وكلّ من تورّط في التعذيب والقتل، وهي مهمّة غير سهلة على الإطلاق.

إنّ الخطاب الديني الذي يميّز الحركة الإسلامية ويتلخص بشعارها "الإسلام هو الحلّ"، لا يتماشى في الوقت الراهن مع الحاجة لتسيير الأمور في الدولة. يحتّم الانفتاح على السوق الرأسمالية توطيد العلاقات مع أمريكا التي ستطالب الحكومة المصرية باحترام اتّفاقية كامب ديڤيد. أمّا الجيش المصري الذي يحصل على منحة قيمتها مليار ونصف دولار سنويا، فهو أيضًا رهن المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بما فيها تلك المتعلقة بالموقف من ايران. من هنا ستبقى سيادة الإخوان المسلمين منقوصة رغم خطابهم الهجومي والتحريضي على "الكفّار" اليهود والأمريكان.

ازاء هذه التطورات يبقى أمام اليسار المصري، الذي شارك في الثورة ويتمتّع بسمعة وبمصداقية طيبة، والذي بدأ بتعزيز مكانته، العودة للاشتراكية كبديل للبرنامج الرأسمالي الإخواني. ولا شك ان محورا اساسيا لنشاط اليسار سيكون حركة الإضرابات العمّالية من جانب، وحركة شباب الثورة المطالبين بدستور مدني ديمقراطي من جانب آخر. وتبدو مهام اليسار المصري مكثفة ومنها تنظيم الطبقة العاملة وتمثيلها في البرلمان ودعم نضالها النقابي والسياسي، والدفاع عن الحقوق الديمقراطية: حقّ التعبير وحقّ التظاهر وحقّ الإضراب وحقوق المرأة والأقلّيات، ومن جهة أخرى في الحفاظ على المكاسب الأساسية لثورة 25 يناير وتوسيع رقعة الحرّيات الديمقراطية وطرح برنامج اقتصادي بديل يحلّ مكان سياسة السوق الحرّة والخصخصة.

الربيع العربي لم يصل فلسطين، بعد

منذ أن اندلعت الثورات العربية، بدأ الحراك الشعبي في المناطق المحتلة المطالب بإنهاء الانقسام على الساحة الفلسطينية. إلاّ أنّه ورغم الاتّفاق الذي تمّ التوصّل إليه في القاهرة في شهر مايو الأخير والاجتماع الموسّع لقيادة منظّمة التحرير الفلسطينية في شهر ديسمبر الماضي، لم نرَ أيّ تقدّم في تطبيق ما تمّ الاتّفاق عليه من تشكيل حكومة مؤقّتة والإفراج المتبادل عن المعتقلين في السجون الفلسطينية والتحضير لانتخابات تشريعية في منتصف السنة الجارية. ما نراه هو استمرار حالة الانشقاق والتهجّمات المتبادلة ومحاولة من كلّ طرف إحكام سيطرته على المنطقة التي يسيطر عليها؛ فتح في الضفّة الغربية وحماس في قطاع غزّة.

لا يتمحور الخلاف بين الطرفين على السلطة فحسب، بل على البرنامج السياسي برمّته. ترى حركة فتح في العلاقات مع أمريكا ركنًا أساسيًّا في سياستها، واستراتيجية السلطة الفلسطينية مبنية في الأساس على إنشاء دولة فلسطينية على اساس التعاون الأمني مع إسرائيل، من خلال المفاوضات. أمّا حماس فترفض التفاوض مع إسرائيل أو الاعتراف بها، وباتت اليوم تدعو إلى انتفاضة شعبية كبديل للمقاومة المسلّحة التي انتهجتها منذ التسعينات. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أنّ حماس لا تريد فقد سلطتها على "دولة غزّة"، بينما ترى فتح في سيطرتها على الضفّة الغربية، التي تُعتبر أكثر تطوّرًا وثراءً، كنزًا لا يمكنها التنازل عنه بتاتًا.

الحقيقة هي أنّ المصالحة بين فتح وحماس هي نتيجة للإفلاس الذي وصل إليه كلا الطرفين، اللذين أخضعا المصلحة الوطنية لمآربهما الفئوية الضيّقة وخاضا حربًا أهلية مدمّرة أضعفت الشعب الفلسطيني ووضعت في خطر عدالة قضيّته. فكما أكّدنا منذ زمن طويل، نهج المفاوضات العبثية الذي اتبعته حركة فتح لم يفلح في تحقيق أيّ إنجاز يذكر، بل شكّل غطاءً لاستمرار إسرائيل في ترسيخ الاستيطان. أمّا طريق حماس الاستشهادية فقد انتهت بالفشل والحصار والفقر والدمار. لقد تمت المصالحة بين حركتين فقدتا مصداقيتهما أمام الجماهير الفلسطينية ووصلتا الى الإفلاس السياسي.

فشلت السلطة الفلسطينية في كلّ خطواتها ولم تتمكّن من إحداث أيّة انطلاقة سياسية رغم التزامها باتّفاقية أوسلو وكلّ الإملاءات الأمريكية والأوروبية. فقد وقفت أمريكا إلى جانب إسرائيل وضدّ المطلب الفلسطيني بالاعتراف بدولة فلسطينية في هيئة الأمم المتّحدة، واليوم ورغم كلّ تصريحاتها بأنّها لن تجري مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية دون التزام الأخيرة بوقف الاستيطان، نراها تخوض جولة جديدة من المفاوضات في عَمّان تلبيةً لطلب من أمريكا لكي تثبت لنفسها ولغيرها ما هو معلوم ومثبت من زمن، وهو عدم جدّية إسرائيل واستعدادها للاعتراف بدولة فلسطينية.

وكما أكّدنا سابقًا أيضًا فقد خلط الربيع العربي كلّ الأوراق، ففي الوقت الذي فقد فيه أبو مازن حليفه الرئيسي، نظام مبارك، فقدت حماس أيضًا حليفها بعد الحراك الثوريّ الذي نشهده في سوريا. أمّا الطريق الثالثة الرافضة لنهج فتح من جهة ونهج المقاومة التي شكّلت ذريعة للغطرسة والاستبداد من جهة أخرى، فقد نزعت عن كلا الطرفين أوراقهما البرنامجية. ومن هنا قرّرت فتح إبراز موقف أكثر تشدّدًا بالنسبة للمفاوضات، في الوقت الذي غيّرت فيه حماس سياستها ودعت على لسان خالد مشعل إلى استبدال المقاومة المسلّحة بالمقاومة السلمية بتأثير الثورات العربية. تدرك حماس تمامًا أنّ الإخوان المسلمين في مصر لن يستمرّوا في سياستهم المعارضة التي دعمت الكفاح المسلّح؛ فتسلّمهم السلطة يفرض عليهم سياسة المساومة والتقرّب من أمريكا والالتزام بالسلام مع إسرائيل.

ورغم كلّ الجهود للمصالحة والدعوة لانتفاضة سلمية، التي كان من الممكن أن تقرّب بين فتح وحماس، إلاّ أنّ هاتين الحركتين تفتقران لبرنامج واضح وروح معنوية واستعداد لشنّ انتفاضة مدنية ديمقراطية تجنّد الشباب والعمّال والفلاّحين في سبيل مقاومة الاحتلال وبناء مجتمع فلسطيني جديد بعيد عن التطرّف الديني لحماس وفساد ومحسوبية فتح. إنّ مصير الشعب الفلسطيني، كمصير سائر الشعوب العربية، مرهون بعزيمة شبابه وعمّاله من أجل بناء بديل ثوريّ جديد بعيد عن الأحزاب التقليدية والدينية التي هيمنت على السياسة في المنطقة ووصلت إلى طريق مسدود. ما يحتاجه الشعب الفلسطيني هو من جهة بديل ثالث ثوريّ وديمقراطي ومدني لمواجهة الاحتلال، ومن جهة أخرى تطهير المجتمع الفلسطيني من كلّ أمراضه الاجتماعية التي عانى منها على مرّ سنوات طويلة من حكم فتح وحماس على حدّ سواء.

الحراك الاحتجاجي رهن الإجماع الصهيوني

السياسة التي تنتهجها حكومة نتنياهو تشهد على محدودية قدرة الحراك الاحتجاجي على تغيير مسلك الحكومة اليمينية، بما يتعلّق بسياستها تجاه السلام والفلسطينيين والتمييز المستمرّ ضدّ المواطنين العرب والنهج الاقتصادي الذي يعتمد على تفضيل رأس المال على حساب العمّال. وكما علّقنا في أكثر من مناسبة، نقطة الضعف الرئيسة للحراك الاحتجاجي كانت وما زالت عدم طرح موقف سياسي وبديل برنامجي لليمين الإسرائيلي. وما يتبيّن أكثر وأكثر هو حرص الحراك على عدم الخروج عن الإجماع الصهيوني الذي يشمل أقصى اليمين وأقصى اليسار حول القضايا الاجتماعية، مثل غلاء المعيشة والخدمات الحكومية وحتّى التشغيل عن طريق المقاولين، هذا دون ذكر التمييز ضدّ المواطنين العرب والاحتلال والاستيطان في المناطق المحتلّة.

النتيجة السياسية الملموسة للحراك الاحتجاجي فوز التيّار "الاجتماعي" في حزب العمل بقيادة شيلي يحيموڤيتش الذي تبنّى روح ومطلب الاحتجاج دون أن يتطرّق بشكل واضح ولأوّل مرّة في تاريخ الحزب إلى قضية السلام مع الفلسطينيين، وفي المقابل يريد أن يضمّ مستوطنين ومتديّنين ليبراليين إلى الحزب. وكانت النتيجة الثانية إعلان الإعلامي الشهير يئير لپيد عن نيّته إقامة حزب جديد بوحي الحراك الاحتجاجي، وكذلك للتصدّي للمتديّنين اليهود المتزمّتين الذين لا يخدمون في الجيش، وبذلك يوجّه ضدّهم كراهية المجتمع الإسرائيلي العلماني.

إنّ هذه التطوّرات في الساحة السياسية، وتحديدًا امتناع كافّة الأطراف، سواءً قادة الحراك الاحتجاجي أو حزب العمل أو يئير لپيد نفسه، عن الخوض في قضايا جوهرية مثل السلام والحرب والاحتلال والتمييز ضدّ المواطنين العرب، عزّزت من ثقة الحكومة بعدم وجود منافس لها. حقيقة ان قادة الاحتجاج لم يطالبوا نتنياهو بان يرحل، اعطوا الحكومة تفويضا جديدا لمواصلة الحكم. ويشير هذا ان سياسة الحكومة العنصرية الرافضة للسلام تحظى بإجماع صهيوني واسع جدًّا، في ظل غياب معارضة حقيقية، مما يضمن فوز نتنياهو في الانتخابات القادمة.

الانشقاق الأخير في حزب العمل، الذي قام به رئيس الحزب السابق ووزير الدفاع، إيهود براك، بعد أن قرّر أغلب أعضاء الحزب الخروج من الائتلاف الحكومي، والانشقاق المحتمل في حزب كاديما على أثر الصراع المحتدم بين المرشّحين لرئاسة الحزب تسيپي ليڤني وشاؤول موفاز، وتراجع شعبية حزب ميرتس، كلّ هذه التطوّرات والانشقاقات تدلّ على وجود فراغ سياسي كبير وعدم وجود معارضة حقيقية للنهج اليميني العنصري المسيطر على البلاد.

على خلفية هذا الوضع السياسي، يعمل نتنياهو على خلق المناخ المناسب لتسهيل إعادة انتخابه، وككلّ حركة فاشية فهو يعمل على إرضاء الطبقة الوسطى من ناحية وانتهاج سياسة الرفض المطلق للسلام والاستمرار في بناء المستوطنات من ناحية أخرى. ولكنّ خطواته تجاه إرضاء الطبقة الوسطى ليست جذرية، فهو يقرّر انتهاج التعليم المجّاني من سنّ ثلاث سنوات، ولكن ليس على حساب التقليص في ميزانية الدفاع، بل على حساب تقليص %4 من ميزانيات جميع الوزارات الحكومية. كما وقرّر منح إعفاءات ضريبية للطبقة الوسطى، وربّما يتّخذ قرارات ما بشأن أسعار الشقق.

وعلى أرض الواقع، تبقى الطبقة العاملة في اسرائيل دون حلّ يذكر؛ فهي تعمل دون تمثيل نقابي، بأجر زهيد لا يتلاءم مع غلاء المعيشة، ووضع التعليم والصحّة والخدمات الاجتماعية على ما هو عليه. وبالإضافة إلى ذلك، تبقى قضية المواطنين العرب في إسرائيل ووضع الفلسطينيين في المناطق المحتلّة قنبلة موقوتة ستتفجر عاجلاً ام آجلاً، علما ان الربيع العربي والرأي العامّ العربي خلق مناخًا مناوئًا للاحتلال وللاستيطان وللقمع، ويطالب بإنصاف الشعب الفلسطيني وبإحقاق حقه بالحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ما يحتلّ اليوم المشهد السياسي بعد اختفاء الحراك الاحتجاجي عن الساحة، هي من جهة مظاهرات المتديّنين اليهود المتزمّتين ضدّ الدولة والشرطة بسبب تصدّيها لموقفهم من النساء وعدم سماحهم لهنّ بالاختلاط مع الرجال في الباصات؛ أو من جهة أخرى، الصدام بين المستوطنين المتطرّفين الذين يحرقون المساجد وبين الجيش بعد اعتدائهم على ضابط في الجيش ردًّا على محاولة الحكومة هدم بيت في مستوطنة غير معترف بها.

وسط هذا كلّه نلاحظ انشغال الرأي العامّ الاسرائيلي بمشاريع القوانين التي تُطرح في الكنيست والتي تسعى إلى تغيير تركيبة المحكمة العليا، أو إلى إغلاق القناة العاشرة التي تنتقد نتنياهو، أو إلى قانون المتسلّلين الأفارقة الذي يجيز زجّهم في السجن لثلاث سنوات دون عرض قضيّتهم على المحكمة، أو إلى القانون الموجّه ضدّ جمعيات مثل "سلام الآن" و"عدالة" وغيرهما التي تكشف أمام العالم جرائم الحرب والأعمال الاستيطانية التي تقوم بها الحكومة. وتشير هذه الممارسات أنّه رغم محاولات الحراك الاحتجاجي فرض أجندة بديلة، إلاّ أنّ الطرف المبادر هو اليمين المتطرّف الذي يستغلّ ضعف الحراك الشبابي وسعيه للحفاظ على الإجماع الصهيوني القومي.

ويمكن الاستدلال على وهن الحراك الاحتجاجي من قرار المحكمة العليا في الالتماس الذي قدّمته "عدالة" والجمعية لحقوق المواطن في إسرائيل ضدّ قانون الدخول لاسرائيل الذي يمنع منح الجنسية الإسرائيلية لسكّان المناطق المحتلّة المتزوّجين من مواطنين إسرائيليين. يتطرّق هذا القانون فقط إلى المواطنين العرب في إسرائيل، وهو يعبّر عن سياسة الدولة في كلّ مستوياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية تجاه المواطنين العرب.

يتعامل هذا القانون مع المواطن العربي بوصفه طابورًا خامسًا يسعى من خلال الزواج إلى ممارسة حقّ العودة، وانه يساعد حركة حماس ويسعى لتغيير التركيبة السكّانية في الدولة لكي يصبح اليهود أقلّية. يضرب هذا القانون بعرض الحائط كلّ التصريحات السياسية والقوانين التي تدعو إلى دمج المواطنين العرب في الدولة.

الاشتقاق من هذا التوجه العدائي الرسمي المعلن، ليس فقط اعتبار المواطنين العرب اعداء ومنعهم من ممارسة حقهم في إقامة أسرة، بل يمكن ان يتعداه الى العمل في اتجاه معاكس لما تدعي الحكومة انها تسعى اليه حاليا، من تفضيل العاملة العربية على العامل التايلندي في فرع الزراعة، ورصد ميزانيات لتحسين الأداء التعليمي لدى الطفل العربي، وتطوير المجتمع العربي عموما. إنّ حديث المؤسسات الحكومية عن البطالة وضرورة تشغيل النساء العربيات، أو تخليص المجتمع العربي من الفقر لا معنى له بعد تشريع قانون عنصري من هذا القبيل في الكنيست. رغم كلّ هذا، نرى قيادة الحراك الاحتجاجي الشابّة تغضّ الطرف وتشغل نفسها في خلق أجندات جديدة لكي تتمكّن من تبرير وجودها بعد فشلها في تحقيق تغيير جذري على الصعيد الاجتماعي.

حزب دعم في موقع المبادر

نهاية الحراك الاحتجاجي لا تعني اختفاء القضايا الجوهرية التي طرحها أو أنّها لاقت حلاًّ من قِبل الحكومة، بل بالعكس، فعدم وجود معارضة سياسية قوية، يتيح للحكومة مواصلة سياستها الاقتصادية التي تمسّ بشكل خاصّ بالطبقة العاملة وبالطبقة الوسطى.

حزب دعم العمالي دعم الحراك وشارك فيه وطرح موقفه بضرورة اتخاذ موقف سياسي واضح من قضية الاحتلال والتمييز العنصري من جهة وضرورة المطالبة بإسقاط الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة. بادرنا الى عدة نشاطات وشاركنا مع منظمات وحركات عديدة في مبادرات مختلفة من ابرزها "بيت الشعب" في تل أبيب، ومشاركتنا الناجحة في الانتخابات للجنة الطلاب العامّة في جامعة تل أبيب، ودورنا في الحراك الطلاّبي الاحتجاجي في الجامعة أو المبادرة الجديدة في الجامعة العبرية لتأسيس إطار سياسي جديد يشمل دعم وميريتس وعناصر يسارية أخرى.

تطرّقنا أعلاه إلى النتيجة السياسية للحراك الاحتجاجي، التي تشير بإيجاز إلى عدم تبلور إطار سياسي اجتماعي جديد يتغلّب على ارتباطه بالإجماع الصهيوني ويحتضن الحراك الديمقراطي العربي. إنّ تحالفاتنا تبقى محلّية وعينية ممّا يعني أنّ حزب دعم سيرشّح نفسه بديلاً سياسيًّا في الانتخابات القادمة على أساس دعم الثورات العربية والمساواة بين المواطنين العرب واليهود وإنهاء الاحتلال وتطبيق العدالة الاجتماعية.

على خلفية الربيع العربي، نتوجّه اليوم إلى المجتمع الإسرائيلي، ليس من منطلق التوافق معه، بل من أجل إحداث تغيير جذريّ وثوريّ فيه. تهدف التحالفات مع العناصر اليسارية اليهودية إلى تغيير المجتمع الإسرائيلي بحيث يتواصل مع الثورات الديمقراطية العربية ويطالب بإنهاء الاحتلال كشرط أساسي لإنشاء مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويضمن العدالة الاجتماعية. ينبع عدم الانفتاح القومي في إسرائيل من الرؤية بأنّ لا شيء قابل للتغيير، وأنّ الثورات العربية مجرّد غيمة ستنقشع وأنّ الحراك الاحتجاجي لا يعنينا. إنّها رؤية محافظة وغير ثورية ولا تقود سوى إلى طريق مسدود.

ما يحدث حولنا من تغييرات يحفّز الطلاّب والمثقّفين على النظر نظرة مجدّدة إلى السياسة كأداة للتغيير. فحزب دعم يتمتّع بتجربة ومعرفة في العمل الجماهيري، ولنا حضور وعلاقات مع مئات بل آلاف العمّال والعاملات العرب والشبيبة، لكنّنا بحاجة لكادر قيادي للتواصل المباشر مع عمّالنا من أجل تنظيمهم نقابيًّا وسياسيًّا.

المشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي هي نتيجة مباشرة لفقدان القيادة؛ المجالس المحلّية تُنتخَب على أسس عائلية وحمائلية ممّا يؤدّي إلى فساد الإدارة، والجوّ الديني المنغلق يؤدّي إلى تفاقم العنف الرجولي وقمع المرأة وعدم الإيمان بالتقدّم والعلم والانفتاح على العالم. من هنا فالنضال ضدّ التمييز الحكومي يبدأ بالتغيير الداخلي لتقوية المجتمع، كما يحدث في سائر الدول العربية التي ثارت ضدّ كلّ هذه الأمراض وتعمل على إصلاحها.

إنّ المهمّات الملقاة على الحزب عديدة ومتنوّعة، لذا علينا أن نستمرّ في بناء النقابة التي تشكّل العروة الوثقى التي تربطنا مع الجماهير العريضة والتي تجسّد الوحدة العمّالية اليهودية العربية. وعلى المستوى السياسي، علينا أن نمضي في بناء الأطر السياسية سواءً في الجامعات أو من خلال "بيت الشعب" بتل ابيب وفروعنا المختلفة.

إحدى المهمّات العاجلة هي العمل على إنجاح يوم المرأة العالمي بالتعاون مع بيت الشعب في تل أبيب، وهذا بعد سلسلة من النشاطات المختلفة التي قمنا بها في الأشهر الثلاثة الأخيرة. نحن في مرحلة نموّ، وهذا النموّ سيزداد مع تقدّم الثورات في العالم وتراجع النظام الرأسمالي الحاكم الذي لم يترك للطبقة العاملة خيارًا سوى التنظّم النقابي وطرح برنامج اشتراكي بديل لإنقاذ الإنسانية من الفقر والبطالة والحرب والاحتلال.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__433/المهمة_الملحّة_–_بناء_بديل_يساري_ثوري_عربي_يهودي
18.10.2017, 14:10