تاريخ النشر ١٨/١٠/٢٠١١

شؤون عربية

المجلس الوطني مسمار في نعش نظام الأسد

اسماء اغبارية-زحالقة

فيما تحولت المجازر التي يقترفها نظام الاسد الى روتين الحياة (الموت) اليومي في سورية، دخلت الثورة السورية الباسلة مرحلة سياسية جديدة بتشكيل المجلس الوطني. يجمع المجلس شخصيات وأحزاب معروفة ومهمة وذات مصداقية عالية من المعارضة السورية بالداخل والخارج، من علمانيين وإسلاميين، عرب وأكراد، لجان تنسيق الثورة وعناصر من ائتلاف "إعلان دمشق". المجلس الذي التأم حول شعار أساسي هو "إسقاط النظام" وعدم الحوار معه، يعتبر ضربة ماكنة لنظام بشار الأسد الدموي ومسمارا اضافيا في نعشه وتمهيدا لسقوط شرعيته نهائيا. ليس صدفة ان راح وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، يهدد ويتوعد كل من يدعم المجلس باتخاذ عقوبات صارمة ضده.

وعلاوة على كون المجلس الوطني بديلا سياسيا واضحا يتحدى النظام وينافسه على الحكم، لأول مرة منذ اربعة عقود، فان مجرد تأسيسه يشكل ضربة للحرب الإعلامية الغوغاء التي يقودها الأسد ضد المتظاهرين، ويُسقط ادعاءاته المتكررة بأن عصابات مجهولة لمجرمين وإرهابيين ومخرّبين ومندسّين هي من تقتّل المدنيين وعناصر الجيش. الآن صار للثورة عنوان وقيادة واضحة تتبناها وتتحدث باسمها، خاصة بعد ان خرجت المظاهرات معلنةً وفاءها وولاءها للمجلس الوطني. وصار على النظام ان يواجه هذه القيادة الموحدة والمنظمة للثورة، وأن يواجه برنامجها بالنسبة لمستقبل سورية الذي ينادي ببناء نظام ديمقراطي.

نظام معزول

يلعب الاسد في الوقت الضائع ولا يزال يناور في هامش سياسي يزداد ضيقا بمرور الوقت. وحتى لو انه اجتاز خطر فرض المزيد من العقوبات في مجلس الامن بمساعدة روسيا والصين، ولكن حتى هاتين الدولتين اضطرتا لتحذيره علنا بان الفيتو ليس خطا اخضر لمواصلة القتل، وقال رئيس الحكومة الروسي ان على الأسد الاصلاح او الرحيل.

الأسد الذي يدعي ان آخر ما يشغل باله هو التدخل الاجنبي والعقوبات، يواصل الضرب في كل الاتجاهات، ويقترف المزيد من المجازر وتدمير البيوت في مواقع مختلفة نالت نصيب الاسد منها حمص والرستن، معتمدا سياسة "الارض المحروقة"، دون أي انجازات تذكر للنظام، بل بالعكس. وكان آخر ضرباته اغتيال الزعيم الكردي مشعل تمو، مما سعّر نيران الثورة المشتعلة اصلا في المناطق الشمالية الشرقية الكردية، فزاد عليه غضب ونقمة الشعب وخلق لنفسه المزيد من الاعداء.

وفيما هو يحرق ويقتل ويلطخ يديه بدماء السوريات والسوريين، يجلس في زي نظيف مع ضيوفه وزراء خارجية دول "التحالف البوليفاري" (الألبا) التي تشمل كوبا، فنزويلا، نيكاراغوا، بوليفيا والاكوادور ودول اخرى، ليطمئنهم بان سورية تخطت مرحلة الخطر الذي يهدد امنها القومي، وان "صفحة الاحداث قد طويت"، وان الاستقرار بدأ يعود الى المدن السورية. وارغى وازبد الاسد بان "الاصلاحات لاقت تجاوبا كبيرا من الشعب السوري، وان الهجمة الخارجية على سوريا اشتدت عندما بدأت الاحوال في الداخل بالتحسن، لان المطلوب ليس تنفيذ اصلاحات بل ان تدفع سوريا ثمن مواقفها وتصديها للمخططات الخارجية للمنطقة"، مؤكدا تركيز بلاده على محورين، "الاول، الاصلاح السياسي والثاني إنهاء المظاهر المسلحة". (الاقتباسات من "الشرق الاوسط"، 10/10/2011)

ولكن هيهات ان يقتنع احد (اللهم الا بعض الشيوعيين المخلصين لستالين) بان الممانعة يمكن ان تظل ابد الدهر غطاء وتبرير للاجرام الحاصل ضد شعب اعزل، كل ذنبه ان طلب تنفس الحرية. وقد رد ناشطون سوريون على مواقعهم في الفيسبوك، بانه "كلما اشتد الضغط على النظام، اطلق حملة "خلصت" ليدعي ان الثورة انتهت، واكدوا ان الثورة مستمرة: "الحراك الشعبي في سوريا لا يمكن السيطرة عليه لانه حركة متشظية نشطة ومتحركة بقوة الدم الذي يريقه النظام وكل منطقة صار لها من الاسباب ما يكفي للاستمرار في الثورة وهي اسباب تختلف من منطقة الى اخرى". (نقلا عن "الشرق الاوسط"، 10/10)

واذا اردنا ان نفهم هذه الاسباب التي تجعل هذه الثورة حية تنبض رغم الدماء المسفوكة بلا توقف، فلا يكفي ان نضعها في سياق النار التي اشعلها شهيد الربيع العربي الاول، محمد البوعزيزي. لا شك ان هذه كانت الشرارة، ولكن الارضية كانت جاهزة وعلى احر من الجمر للاشتعال والانفجار والخروج الى الحياة.

التقسيم الطبقي

في سورية اليوم هناك طبقة تقتل طبقة: هناك صراع دموي يدور بين البرجوازية الحاكمة واتباعها من الرأسماليين والطبقة الوسطى من التجار المتمركزين في دمشق وحلب من جهة، وبين طبقة الفقراء والمعوزين التي تتمرد اليوم على فقرها وحالها وتطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تطالب باقتطاع الكعكة من جديد.

ليس صدفة ان المواقع المشاركة في الثورة هي المناطق الفقيرة: الريف، حمص، حماة، اللاذقية، دير الزور، حوران وادلب. بالمقابل دمشق وحلب، معقل التجار والرأسمالية السورية، فلا تزالان خارج صفوف الثورة وفي صف النظام. هذا الموقف الذي اتخذته هذه الشريحة الغنية تؤجل حسم الثورة لصالح الشعب، لان البرجوازية تحافظ على ولائها التام لعائلة الأسد وتقف ضد مطالب الشعب حفاظا على مصالحها الانانية الضيقة.

خلافا لمصر التي نما فيها اقتصاد منتج كبير وربط نفسه بعلاقات مع الاقتصاد الاجنبي، فان الاقتصاد السوري ضعيف ومنغلق على نفسه ومبني على عائلة الرئيس، حتى رجال الاعمال البارزين هم ابناء عموم واخوال الرئيس الذين تسلموا على طبق من ذهب ثروات البلاد المخصخصة. بمعنى ان الزواج بين رأس المال والحكم ليس كاملا فحسب، بل يتم ايضا داخل العائلة وليس بالمعنى المجازي.

الى جانب التقسيم الطبقي، تم تجنيد التقسيمات الطائفية، لضمان حكم عائلة الاسد للابد. فهناك عائلة الأسد المتحكمة بطائفة العلويين، وطائفة العلويين مسيطرة على الشعب من خلال حزب البعث على مدار اربعين عاما، ومن خلال هذه العائلة تضمن الطائفة لنفسها حكم البلاد الى يوم تقوم الساعة، لان الدستور يسمح فقط للبعث بحكم البلاد.

من خلال موقعها في سدة الحكم ضمنت العائلة "المالكة" امتيازات للتجار من الطائفة السنية وطوت تحت جناحها اقليات ومنها المسيحيين والدروز والآشوريين وغيرهم، وهؤلاء يجمعهم خوفهم من الاخوان المسلمين الفئة القوية سياسيا وتنظيميا. وتحتكر العائلة ايضا الاجهزة الامنية والمخابراتية بما في ذلك الجيش والشبيحة. بالمقابل، ارسلت الاغلبية الساحقة من الشعب الى الفقر المدقع والبطالة.

الاتجاه للسوق الحرة

ارتأيت ان آتي ببعض مشاهد الفقر الحاصل في سورية عشية اندلاع الثورة: حسب تقارير الامم المتحدة للأعوام 1996-2004 وتقارير اخرى من عام 2007، اتسعت الفجوات الاجتماعية، بحيث يعيش نحو 12.7% (من اصل 21 مليون نسمة)، أي نحو 6،2 مليون سوري في فقر مدقع، أي تحت خط الفقر، بمعنى انه يقل دخل الفرد عن 2 دولار لليوم. في عام 2007 بلغت نسبة من يعيشون عند خط الفقر او فوقه بقليل، 33%، وهي نسبة في ارتفاع مستمر بسبب فقاعة العقارات وازالة الدعم الحكومي عن بعض السلع مما ادى لغلاء المعيشة.

اتجاه الحكومة نحو اتباع السوق الحرة وتشجيع الاستثمارات الداخلية رافقه خفض في القيود على التجارة، مما ضرب التصدير لصالح الاستيراد من تركيا ودول اخرى، الامر الذي ادى الى افلاس العديد من التجار الصغار، وارتفاع في نسبة البطالة لتراوح في الواقع ال20%!

الامر الاساسي كان ارتفاع اسعار الشقق السكنية بسبب المضاربات على صفقات بيع الاراضي، مما يصعب على العائلات والازواج الشابة شراء بيت، اذ يتراوح سعر المتر المربع في دمشق بين 170 الف و220 الف دولار. اما الاحياء التي اعتادت الطبقة الوسطى ان تسكنها فقد بدأت تمتلئ بافراد الطبقة الغنية. اما في الاحياء الفقيرة حيث يصل سعر المتر المربع الى 160 دولارا، فلا احد يستثمر بسبب عدم الربحية، مما ادى لانتشار ظاهرة البناء غير المرخص التي تصل الى 50% من البناء في دمشق نفسها، وتصل نسبة السكان السوريين الذين يعيشون في شقق غير مرخصة، ودون البنية التحتية الملائمة (من ماء وكهرباء الخ)، الى 40%.

ازمة الغذاء العالمي عام 2008 ادت الى ارتفاع في اسعار الغذاء في سورية ايضا. وجاء القحط المستمر ثلاث سنوات ليضرب بشدة طبقات واسعة من المجتمع المعتمد بالاساس على الزراعة. في المناطق الزراعية يعاني 1،3 مليون سوري من القحط، خاصة في الشمال والشرق حيث 800 الف سوري يعيشون في عوز. 80% من هؤلاء يعيشون على الخبز والشاي المحلى فقط.

وقد أدت الازمة الاقتصادية العالمية الى خفض العائدات من العمالة السورية في الخارج. ويبلغ عدد العمال العاملين في الخليج مليون عامل، وبضعة مئات آلاف في لبنان، ومواقع اخرى. في السنوات الاخيرة يلجأ كثيرون للعمل بوظيفتين، كباعة متجولين لتذاكر اليانصيب في الشوارع، وحتى هؤلاء يلاحقون من الشرطة ويعتقلون اذا عملوا بلا تراخيص (ألا يذكّر هذا بالبوعزيزي؟!) المعلومات من مقالة:

النظام السوري الذي يحلو للبعض الدفاع عنه بحجة انه "آخر القلاع الحصينة ضد الامبريالية"، ليس بالضبط نظاما اشتراكيا، بغض النظر عن اسم حزبه. وهو لا يتميز جوهريا عن نظام مبارك، زين العابدين بن علي، القذافي او علي عبد صالح، لا من ناحية نظامه البوليسي ولا نظامه الاقتصادي الفاسد. نظام اتبع المثل العربي "الاقربون أولى بالمعروف" بحذافيره، و"باع" عائلته ثروات البلد، ووزع بعض الفتات على مقربين آخرين ولم يُبقِ لشعبه الا القمع والبوليس والمخابرات، آه طبعا والفقر والجوع.

قبل الثورة، كان اتجاه النظام واضحا لفتح علاقات مع الولايات المتحدة، وذلك بتشجيع وتحفيز من الشريحة الدقيقة الغنية التي نمت في سورية في السنوات الاخيرة. وضمن هذه الخطوات تم خفض الضرائب عن الاغنياء، السماح بالاستيراد، تخفيف الرقابة على الاسعار والسلع المستوردة، فتح جزئي للمجال المصرفي لدخول البنوك اللبنانية والخليجية. حتى ما قبل اندلاع الثورة، عمدت سورية الى تقوية علاقاتها بفرنسا (المستعمر القديم) والاتحاد الاوروبي ويصل التصدير اليه الى نسبة 23%. قبل الثورة حصلت سورية على مكانة عضو رقيب في "منظمة التجارة العالمية" في الطريق للتحول لعضو كامل، وقد تم ذلك بفضل دعم مصر مبارك وتخلي الولايات المتحدة واسرائيل عن الفيتو الذي اعاق لسنوات انضمام سورية للمنظمة.

احتياط النفط السوري يوشك على الزوال في خلال 15 عاما، وهو لا يتعدى ال340 الف برميل لليوم، ولكن انتاج الغاز في تقدم ومن المتوقع ان يصل الى 32 مليون كوب في اليوم، وهذه كميات تحتاج الى سوق عالمي. الحكومة فتحت المجال لثماني شركات غاز للتنقيب عن الغاز في حدودها مع تركيا والاردن والعراق، والصين تدخل بقوة الى هذا المجال.

كجزء بنيوي في تحضير الأرضية للانضمام للسوق الحرة كان لا بد من تسديد ضربة قاصمة للطبقة العاملة وتسخيرها للعمل بظروف اشبه بالعبودية لتكون "جذابة" بما يكفي للاستثمارات الداخلية والخارجية. يذكر ان الحد لادنى للاجور يراوح ال120 دولارا للشهر، وهذا لا يكفي لابقاء الناس فوق خط الفقر الذي يعادل 2 دولار لليوم.

وجاءت درة التاج في قانون العمل الذي سرى مفعوله ابتداء من ابريل 2010، وحسبه يسمح لارباب العمل بفصل العمال دون تقديم اسباب، وذلك في محاولة لتحويل سورية الى قاعدة للعمال الرخيصة لجذب الاستثمارات. وقبل هذا القانون كان ارباب العمل يرفضون اعطاء عمالهم أي مستند او عقد عمل، للتهرب من دفع مستحقاتهم المحدودة المتوفرة وكيلا يحولوا الدفوعات اللازمة لمؤسسة التأمين الوطني لضمان توفير التغطية الصحية ومخصصات الضمان الاجتماعي. ومع ان القانون الجديد يلزم ارباب العمل بتسجيل العمال في التأمين الوطني، الا ان انعدام الرقابة يجعل من هذا البند حبرا على ورق.

الاتجاه للسوق الحرة وارتفاع نسبة النمو الى 5% في السنوات الاخيرة لم يحسنّا مستوى معيشة العمال والفقراء، بل عمّقا الفجوات الاجتماعية بدرجة كبيرة. رغم القنبلة الموقوتة تدافع الحكومة عن سياسة السوق الحرة، وعن شريحة رجال الاعمال الجدد التي تشمل قطاع السيارات، الكومبيوتر، الهواتف الخليوية، على حساب الاغلبية العظمى من الشعب. الشيء الوحيد الذي يتلقاه الشعب من نظامه هو نظام الطوارئ، القوى البوليسية والمخابراتية والقمع المستمر لكل محاولة لتغيير اولويات الحكم. يذكر ان كل محاولات شخصيات سياسية مختلفة للحوار مع النظام بهدف دفع عجلة الاصلاح الموعود باءت بالفشل، وزج ببعضهم في غياهب السجون. لتفاصيل اوفى

وللخلاصة نشير الى ان القنبلة الموقوتة، التي انفجرت اخيرا في آذار 2011، كانت علامتها الفارقة انسحاب سورية من لبنان وانعقاد مؤتمر حزب البعث العاشر عام 2005. في نفس الفترة علت الاصوات المطالبة باصلاحات على اساس الحوار مع السلطة، ولكن جاء مؤتمر الحزب ليبدد الآمال بإحداث اصلاحات حقيقية، خاصة بسبب عدم تعديل المادة الدستورية المتعلقة بانفراد حزب البعث بالحكم. واعتبر هذا المؤتمر بداية العد التنازلي للنظام، اذ انبرت القوى المعارضة بتنظيم نفسها، بعد ان فهمت ان النظام غير قابل لاصلاح نفسه، وكان "اعلان دمشق" اول البشائر.

لم يبق سوى الفتيل الذي اشعله بوعزيزي في جسده كي تنفجر القنبلة. والامر المؤكد هو انه بغض النظر عن موعد الحسم، فلا يمكن لنظام داس على شعبه بالدبابات ان يستعيد شرعيته بأي حال، كما لا يمكن اعادة عقارب الساعة الى الوراء.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__426/المجلس_الوطني_مسمار_في_نعش_نظام_الأسد
22.10.2017, 06:10