حزب دعم

الحراك الاحتجاجي والثورة

يعقوب بن افرات

قُدِّمت هذه الوثيقة في اليوم الدراسي الذي نظّمه حزب "دعم": "من الاحتجاج إلى العمل السياسي" في كفر كنّا، 17/9/2011

الرابع عشر من تمّوز هو علامة فارقة في حياتنا في البلاد. بعد سنوات كثيرة من أحاديث الصالونات في البيوت، التي تذمّر فيها الناس من تدهور الأوضاع في الدولة، وفي نفس الوقت عملوا على استصدار جوازات سفر أجنبية، كلّ حسب بلاد منشئه، ظهرت دافني ليف ووضعت كنبتها في جادة روتشيلد بتل ابيب، وبذلك أدّت إلى تغيير الخطاب الجماهيري والواقع السياسي برمّته.

احتجاج الخيام هو أكبر الاحتجاجات السياسية التي عرفتها الدولة. لم يكن هذا الاحتجاج ردّ فعل على حملة عسكرية فاشلة، وإنّما كان نتيجة فشل اجتماعي ذريع، ثمرة سياسة اجتماعية- اقتصادية طويلة المدى قادت الطبقة الوسطى إلى شفا الهاوية. عبّر الاحتجاج عن عدم ثقة سياسي عميق لدى الجماهير بالكنيست بكلّ أحزابها التي انتهجت جميعها نفس السياسة في قضيّتَي السلام والاقتصاد.

إذا كانت الطبقة الوسطى قد دعمت مرةً حزب "شينوي" الليبرالي تعبيرا عن رغبتهم بالتغيير، فقد خرج اليوم شباب تل أبيب وجرّوا وراءهم كلّ الدولة في احتجاج طرح على الأجندة في إسرائيل الحاجة للتغيير الاجتماعي الجذري والعميق. على ضوء حقيقة غياب حزب باستطاعته احتواء الاحتجاج وكسب ثقة الجماهير، اختار قادة الحراك الاحتجاجي التعبير عن مشاعر الجماهير العريضة، وأعلنوا عن حركتهم بأنّها غير سياسية وغير حزبية.

وبما أنّ قيادة الحراك الاحتجاجي لا تؤمن بأيّ حزب، فإنّها تتوجّه إلى المسؤول الذي يدير الأمور حاليًا، بنيامين نتنياهو، وتطالبه بالاستجابة لمطالب الشعب بالعدالة الاجتماعية. من أجل إقناع الحكومة والكنيست بأنّ حركتهم تحظى بأغلبية في صفوف الجماهير، دعا قادة الحراك الاحتجاجي إلى إجراء استفتاء شعبي، يصوّت فيه الشعب عن طريق المشاركة في المسيرات والمظاهرات. المظاهرات المتكرّرة التي شارك فيها الكثيرون هي برهان قاطع على يأس الجماهير من السياسة والسياسيين.

علما منهم ان اليمين والمستوطنين والمتديّنين هم الذين يشكّلون الحكومة، فقد حرص قادة الحراك الاحتجاجي على عدم الدخول في مواجهة مع اليمين، وادعوا ان الحراك ليس فيه يسار ويمين. وهكذا، تم تغييب القضايا الحياتية المختلف عليها في المجتمع الإسرائيلي- القضية الفلسطينية والاحتلال والسلام- ولم يأت ذكرها في الاحتجاجات، بصورة مقصودة ومنهجية. اضافة الى ذلك، تمّ تجنيد شخصيات مثل نوعم شليط والد الجندي المخطوف، والمغني شلومو آرتسي، لتعزيز الإجماع وخلق إحساس بأنّ العدالة الاجتماعية لا تتناقض مع القيم القومية. كما عبّر الحراك الاحتجاجي عن الحنين إلى الماضي، عندما كان قادة الدولة يسكنون في شقق متواضعة، وكانت الدولة للجميع، وكان التضامن الاجتماعي في أوجه، وفي الأساس، تعاملت دولة الرفاه بمساواة تجاه مواطنيها اليهود. وبذلك صبّ الحراك الاحتجاجي جلّ اهتمامه نحو "الداخل"، وتجاهل المطالبون بالعدالة الاجتماعية مسؤوليتهم عما يحدث في الأراضي المحتلّة.

النهج الاقتصادي الذي دمّر العمّال

لم تعرف دافني ليف طوال حياتها نهجًا اقتصاديًا وسياسيًا سوى النهج الذي بدأت احتجاجها ضدّه. كانت بذور هذا النهج في الانقلاب الاقتصادي الذي قام به شمعون بيرس بالتعاون مع قادة الليكود في أواخر سنة 1985. ومع انهيار الشيوعية في أوائل سنوات التسعين من القرن الماضي، لم يقف أمام الرأسمالية النيوليبرالية أيّ عائق. فتحت إسرائيل أبوابها أمام العولمة، وامتلأت سوق العمل بالبضائع الرخيصة المستوردة وبالعمّال الأجانب، إلى جانب خصخصة المصانع الهستدروتية والحكومية. وكانت النتيجة فورية: فقد ارتقى نصف الشعب الى أعلى السلّم الاجتماعي، وتهاوى النصف الآخر الى الحضيض.

بذل أيديولوجيو النهج الجديد جهدًا لإقناع الجمهور بنجاعته وأفضليته على النهج القديم. إسرائيل القديمة في عهد الهستدروت وشركة الالبان "تنوڤا"، قسّمت الكعكة بالتساوي بين جميع المواطنين، ولم تكن حاجة لبذل جهد خاص لأنّه لم يكن بالامكان التقدّم كثيرا. إسرائيل القديمة شجّعت "الإنسان المتوسط"، في حين تشجّع إسرائيل المخصخصة "المتفوقين". بهذه الطريقة انقسمت إسرائيل إلى فئة متميّزة ناجحة وفئة أخرى متوسّطة فاشلة. وجد المتميّزون أنفسهم يعملون في الهاي تك وفي الخدمات المالية والصناعات الجديدة، في حين زُجَّ بالمتوسّطين في هوامش المجتمع، حيث الحد الأدنى للأجور وشركات القوى البشرية ومخصّصات التأمين الوطني.

إسرائيل المتميّزة لم تلفت انتباهها إلى إسرائيل المتوسّطة. من لم ينجح، شعر بالذنب واعتقد انه نفسه سبب فشله، لأنّ إسرائيل هي دولة "الفرص المتكافئة". بذلك تكوّن مجتمعان، الطبقة الوسطى أرسلت أطفالها إلى روضات أطفال خاصّة وباهظة الثمن، أما من لم يملك الإمكانيات المادّية فاضطرّ للاكتفاء بالروضات الحكومية؛ أصبحت المدارس نوعين: خاصّة للمتميّزين، وحكومية للفاشلين؛ انقسمت الخدمات الطبّية أيضًا إلى نوعين: خاصّة وعامّة؛ التعليم الثانوي أهّل متميّزين من بين الأغنياء، بينما أهّل الفقراء ليكونوا عمالا بسطاء وفقراء.

أدّى النهج الاقتصادي إلى تعميق الفجوات ومعها زيادة وتفاقم الفقر، وفي نفس الوقت ارتفع مستوى معيشة الطبقة الوسطى كثيرًا، وازدهرت البورصة، وجنت برامج توفير العاملين المفضّلين أرباحًا هائلة، أصبح السفر إلى خارج البلاد والاستهلاك جزءًا من نمط حياتهم. صحيح أنّه في بعض الأحيان نغّصت حرب "صغيرة" أو انتفاضة أو عملية انتحارية حياة أبناء الطبقة الوسطى، لكنّها اعتادت على منح قادتها الضوء الأخضر ليعالج المسألة كالعادة، أي بالقوّة وبالمزيد من القوّة.

إلاّ أنّ أبناء الطبقة الوسطى استيقظوا من سباتهم في أحد الأيّام، واكتشفوا أنّهم رهينة بأيدي 12 عائلة احتكارية تبتزّهم بلا هوادة ولا رحمة، وتستغلّهم وتستغلّ مدخّراتهم وتفعل بها ما يحلو لها. ارتفعت الأسعار والرواتب لم تعد تكفي لسدّ احتياجاتهم المعيشية؛ أصبح الحصول على شقّة للسكن مهمّة مستحيلة، والنفقات العالية على التعليم والصحّة والمنتجات الاستهلاكية أثّرت بحدة على الوضع الاقتصادي للطبقة الوسطى.

ولم يحتكر رجال الأعمال الرأسماليون الاقتصاد فحسب، بل مقاليد السياسة ايضا. هكذا سعى سياسيون لاستغلال مكانتهم لخدمة رجال الاعمال مقابل زيادة ثرائهم. ووصل الوضع ان وجدت قيادة الدولة نفسها على كرسي الاتّهام. من المرشّح لوظيفة رئيس أركان الجيش وحتّى مأمور ضريبة الدخل، من رئيس الدولة وحتّى رئيس الحكومة، ومن المرشّح لوظيفة القائد العامّ للشرطة وحتّى وزير المالية ووزير الصناعة والتجارة والتشغيل والكثير من الموظّفين الكبار. لا نجد موظّفًا حكوميًا ولا رجلاً عسكريًا أو رجل استخبارات سابق، إلاّ ويعمل لدى أحد رجال الأعمال الرأسماليين. المال اشترى السلطة، وفقدَ الشعب قدرته على التغيير عن طريق الانتخابات.

بعد عشرين سنة من النيوليبرالية، اكتشف أبناء الطبقة الوسطى أنّه لا يكفي أن تكون متميّزًا لتحقّق النجاح، وأنّ التعليم لا يوفّر دائمًا مردودًا لائقًا. نجح القلائل فقط في الانخراط في الأعمال الجيّدة، في الوقت الذي أخذ مستوى أجور الأغلبية في الانخفاض. ومع مرور الوقت، تساوى وضع الطبقة الوسطى مع وضع الطبقة العاملة. خصخصة الخدمات العامّة والتشغيل بشكل غير مباشر عن طريق الجمعيات، أي بأعمال مؤقتة وغير ثابتة، جعلا الأجر الأدنى الذي اقتصر على أجر عمّال المصانع والسائقين وعمّال البناء، نصيب المتخصّصين في المستشفيات والعاملين الاجتماعيين والصحافيين ومعلّمي الكلّيات وموظّفي البنوك والمحاضرين الصغار أيضًا- جميعهم زملاء دافني ليف وقادة الحراك الاحتجاجي. معظمهم ليسوا منظّمين في نقابة ولا يحظون بحقوق اجتماعية ولن يحصلوا في المستقبل على مخصّصات تقاعد.

في اللحظة التي تساوت فيها مكانتهم مع مكانة العمّال، خرج أبناء الطبقة الوسطى للتظاهر مطالبين بالعدالة الاجتماعية للجميع. لكنّ لامبالاتهم الطويلة تجاه الضعفاء أدّت إلى فشلهم في جذب سكان ضواحي البلاد المهمّشين من العمال العرب واليهود، إلى الحراك الاحتجاجي.

الأزمة العالمية والحراك الاحتجاجي

يدور في هذه الأيّام جدل كبير حول الحراك الاحتجاجي. هناك من يدّعي أنّ هذا الحراك لن يحقّق أيّ غاية، لأنّه يتجنّب الخوض في حراك سياسي؛ وهناك من ينتقده على طرحه مطالب صعبة التحقيق؛ وهناك من يرى فيه ظاهرة قومية صهيونية لأنّه لا يربط بين العدالة الاجتماعية والسلام. تعلو بين السكّان العرب أصوات ترفض المشاركة في الحراك الاحتجاجي، الذي يخصّ، حسب رأيهم، اليهود فقط. معظم العمّال لا ينضمّون للحراك الاحتجاجي لأنّهم لا يؤمنون "أنّه سيحقّق شيئًا". وقد ازداد هذا الشعور مع تفكيك الخيام بعد "المظاهرة المليونية"، والتصدّعات الداخلية في صفوف قيادة الحراك الاحتجاجي.

معظم الانتقادات في محلها، وفي ظروف عادية كان ممكن ان ينتهي ويزول، ولكن ليس هذا المتوقع هذه المرة. فالطبقة الوسطى الإسرائيلية ليست وحيدة. يقظتها من سباتها هي ظاهرة عالمية، وقد جاءت كردّ فعل على النهج الاقتصادي الذي يسود العالم بأسره، من الولايات المتّحدة حتّى الأرجنتين، ومن مصر حتّى إسرائيل. النهج الرأسمالي نفسه ينهار، والفجوات الاجتماعية واللامساواة في المدخولات أدّت إلى تفاقم الفقر، ليس فقط في الدول النائية البعيدة عن مركز العالم، وإنّما في مركز العالم الرأسمالي، الذي يعمل فيه الاقتصاد لصالح رجال الأعمال الرأسماليين والبنوك والبورصة، في حين تنخفض أجور العمّال وتتفاقم البطالة.

للحراك الاحتجاجي في إسرائيل علاقة مباشرة بما يحدث في مدريد والقاهرة. محاولات الجهات المؤسّساتية في إسرائيل إعطاء الثورة المصرية صبغة إسلامية، جاءت للحفاظ على الخطاب الأمني- القومي الاسرائيلي، ولمواصلة السياسة العدوانية تجاه الفلسطينيين والعالم العربي. الثورة المصرية هي ثورة الطبقة الوسطى، إلاّ أنّها بخلاف ما يحدث في إسرائيل، تكمن قوّتها في الدور الحاسم الذي لعبته الطبقة العاملة فيها. فقبل خروج الشباب المصري إلى التظاهر، انتشرت في مصر حركة إضرابات عمالية هائلة. قام العمّال المصريون بالاحتجاج ضدّ خصخصة المصانع الحكومية وضدّ الرواتب الزهيدة، ضدّ فساد الإدارات والاحتكار والحكومة، وبالطبع ضدّ قوانين الطوارئ التي سلبتهم حقّهم في التنظّم في نقابات عمالية مستقلة وحقّهم في الإضراب والاحتجاج.

إنّ انضمام الشباب المثقّف والمتعلّم إلى نضال العمّال في مصر، أدّى إلى ترجيح الكفّة ضدّ النظام وإلى سقوطه. عارض الإخوان المسلمون الحراك الاحتجاجي وانضمّوا إلى الثورة في مرحلة متأخّرة، فقط بعد أن حُسم مصير مبارك. الثورة المصرية هي ثورة ديمقراطية في جوهرها، وبحاجة إلى دستور حديث وعلماني. شعار الثورة "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية"، هو ردّ فعل على نظام الخصخصة الذي قوّض كلّ تضامن اجتماعي في عهد الرأسمالية الطفيلية التي سادت زمن مبارك. لم تندلع الثورة المصرية بسبب غياب الديمقراطية فحسب، بل بسبب النهج الاقتصادي- الاجتماعي الذي أدّى بالمجتمع المصري إلى شفا الهاوية. الملايين من خرّيجي الجامعات لم يجدوا مستقبلهم في مصر، وجميع الخدمات الحكومية انهارت، وأسعار المنتجات الغذائية ارتفعت بنسبة كبيرة، والبطالة تفشّت، ولم تعد الرواتب تكفي لسدّ الاحتياجات المعيشية.

ادّعاء الحكومة بأنّ وضع الاقتصاد الإسرائيلي ممتاز ويمكنه أن يتخطّى الأزمة الاقتصادية بسلام، بعيد كلّ البعد عن الحقيقة. إسرائيل كسائر الدول الغربية التي تبنّت اقتصاد السوق، تعاني من تركيز زائد للموارد الاقتصادية في أيدي القلائل. رجال الأعمال الرأسماليون الذين يسيطرون على الاقتصاد، يعانون من صعوبات على أثر الانخفاض الحادّ في البورصات التي يستثمرون فيها أموالهم. الشركات الإسرائيلية تستثمر أموالاً طائلة في البورصات وفي العقارات والأوراق المالية والمضاربات المختلفة، بدون رقابة أو علم جمهور المستثمرين. بالإضافة إلى ذلك، ما يحدث في الاقتصاد العالمي يؤثّر على أداء معظم الصناعات الإسرائيلية، التي تتعلّق بالتصدير. للكساد الاقتصادي في اقتصاد الدول الغربية أثر مباشر على الإنتاج الإسرائيلي، ومن هنا تنبع خطورة تفاقم البطالة والفقر.

شبكة الأمان الاجتماعي تتقلّص، حتّى عندما تتوفّر فوائض في ميزانية الدولة نتيجة جباية الضرائب. إذا عانى الاقتصاد من الكساد وانخفضت جباية الضرائب، ستتضرّر في الحال الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحّة والرفاه. بالإضافة إلى ذلك، الأيديولوجية الاجتماعية الاقتصادية السائدة تؤمن بالرأسمالية الحرّة، والحكومة الحالية تواصل انتهاج طريقها حتّى النهاية المرّة، مؤمنة بالمقولة "عليّ وعلى أعدائي". بهذا المنطق الأعوج يتصرّف اليوم الحزب الجمهوري في الولايات المتّحدة، الذي يكبح خطط أوباما لمحاربة البطالة ورفع الضرائب على الأثرياء. عدم القدرة على الحكم في البيت الابيض، هي مصدر أزمة الثقة في الاقتصاد الأمريكي وفي تعميق الأزمة العالمية التي لها آثار هدّامة على الاقتصاد الأوروبي.

تثبت كلّ هذه الحقائق أنّ الحكومة الإسرائيلية لا تريد بل ولا تستطيع الاستجابة لمطالب الحراك الاحتجاجي. الأسباب التي أدّت إلى نشوب الحراك الاحتجاجي، ما زالت قائمة، بل وتزداد أيضًا. لم يعد رجال الأعمال الرأسماليون قادرين على سداد ديونهم، والشركات توقّفت عن الاستثمار وتوفير أماكن عمل ملائمة، وبعض الدول على وشك الإفلاس، ليس في روسيا والأرجنتين فقط، بل في اليونان وإسبانيا وإيطاليا وأيرلندا، وحتّى في الولايات المتّحدة نفسها.

وفي نهاية الأمر، من الجدير ذكره أنّ الخمسين مليار شيقل التي تخصّصها إسرائيل لأمنها، والتي تشكّل نسبة كبيرة من الميزانية العامّة، جعلت طموحها في التشبّه بسويد الشرق الأوسط حلمًا بعيد المنال. ولم نذكر بعدُ عدم الاستقرار الأمني المستمرّ وانعزال إسرائيل المتزايد في العالم. تعبّر حصّة الأمن في الميزانية عن التأثير الهائل الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في تحديد سلّم الأولويات القومي، وحسبه سنعيش إلى الأبد في حرب دائمة. الأخطار الإستراتيجية الحقيقية والوهمية مطروحة طول الوقت، وهي تنافس المطالبة بالعدالة الاجتماعية. إذا لم تصبح إسرائيل دولة عادية تتمتّع بحدود محدّدة على اساس إنهاء الاحتلال، فلن يكون بالإمكان إرساء مجتمع طبيعي ينعم بالمساواة.

الطبقة الوسطى العربية تعزل نفسها

كان الحراك الاحتجاجي مفاجئًا بالنسبة للسكّان العرب في إسرائيل ولساستهم على حد سواء. فقد انهمكت الأحزاب العربية في الترويج لأجندة قومية متطرّفة، تضمّنت دعمًا لحزب الله في حرب لبنان الثانية ومشاركة في الأسطول التركي وتنظيم مظاهرات ومسيرات ضدّ القوانين العنصرية التي بادر إليها وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، وحتّى دعم نظام الأسد "الصامد" أمام المؤامرات الأمريكية والإسرائيلية، وفي الأساس منع سياسة التهجير (الترانسفير).

ما زالت الأحزاب العربية ترى في المجتمع الإسرائيلي مجتمعًا متماسكا على اساس قومي صهيوني، يحكمه اليمين المتطرّف. التصوّر العربي الشائع يتعامل مع جميع الإسرائيليين كيهود ذوي تأثير سحري على الولايات المتّحدة عن طريق اللوبي اليهودي في واشنطن، القادر على كلّ شيء وانه قوّة عليا موحّدة ترغب في تدمير العرب بكلّ الوسائل. من الواضح أنّ الحصار على غزّة وحرب لبنان الثانية والحرب الاخيرة على غزة، ساهمت في ترسيخ هذه الفرضيات الأساسية والنمطية.

منذ أحداث أكتوبر 2000 فقدَ السكّان العرب كلّ صلة بالمجتمع الإسرائيلي. ارتبط المواطنون العرب بالقنوات الفضائية العربية وتبنوا رواية "الجزيرة" للواقع. "اليهود من جهتهم يعرفون العرب فقط من خلال صفحات الجرائم الجنائية في الصحف العبرية. وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تستطلع أخبار المواطنين العرب لخشيتها من تدنّي نسبة المشاهدة- "الريتينچ". هكذا، تكوّن مجتمعان متجاوران، يعيشان في دائرتين مغلقتين آخذتين في التباعد. ووصل ذلك إلى حدّ لا نجد فيه أيّ مشاركة عربية شعبية حقيقية في الحراك الاحتجاجي، رغم أنّه يطالب بالعدالة الاجتماعية للفئات السكّانية الضعيفة، التي يشكّل المواطنون العرب نسبة عالية منها.

أسباب غياب المواطنين العرب عن الحراك الاحتجاجي كثيرة. المجتمع العربي كالمجتمع الإسرائيلي، يعاني من تصدّعات على خلفية طبقية. صحيح أنّه يخلو من رجال الأعمال الرأسماليين، بسبب التمييز المنهجي ضدّ العرب، لكنّه يشمل طبقة وسطى قوية، وكذلك طبقة عمّال تشكّل الأغلبية من الناحية العددية، لكنّها تفتقر لوسائل التعبير وصوتها غير مسموع إطلاقا. الطبقة الوسطى العربية تقاطع الحراك الاحتجاجي لأسباب أيديولوجية. كسائر المفكّرين وأصحاب المهن الحرّة في العالم العربي، ترى الطبقة الوسطى في المجتمع الإسرائيلي شريكًا للمحتلّ، وأنها غير مبالية فعلا بمصير المواطنين العرب. هذا هو موقف الحركة الإسلامية وحزب التجمّع الوطني الديمقراطي، بينما الجبهة الديمقراطية تتجنّب الخوض في ذلك واتّخاذ موقف واضح. من جهة ثانية، سبب عدم مشاركة العمّال العرب في الحراك الاحتجاجي هو نفس السبب الذي يبعد العمّال اليهود أيضا: اليأس والإحباط من امكانية تغيير قدرهم وعدم ثقتهم بوجود من يساندهم في تحقيق مطالبهم.

نشأت الطبقة الوسطى العربية في العقود الثلاثة الأخيرة على خلفية انخراط إسرائيل في العولمة. رغم التمييز القومي المنهجي للنهج الاقتصادي الذي يؤدّي إلى تخلّف العرب، انخرط عدد لا بأس به من الأكاديميين ورجال الأعمال العرب في الاقتصاد الإسرائيلي. المقاولون والتجّار والمحامون وأصحاب المهن الحرّة يؤمنون بالرأسمالية التي جعلت منهم طبقة اجتماعية وسطى. من خلال خصخصة وسائل الإعلام، حظيت هذه الطبقة بعدد من القنوات الإذاعية ومواقع الإنترنت وقناة تلفزيونية خاصّة جديدة، وبالطبع بصحافة مكتوبة. ازدهر المجتمع المدني في الوسط العربي، ونشأ عدد كبير من الجمعيات التي تشغّل أصحاب المهن الحرّة في كلّ مجال ممكن، وبرواتب عالية.

تشارك هذه الطبقة في الاقتصاد الإسرائيلي، سواء عن طريق امتلاك شركات القوى البشرية أو عن طريق مشاريع مشتركة مع بعض اليهود، كالمطاعم والمرافق السياحية وشركات النقل وشركات البناء، كما ويعمل أبناء هذه الطبقة في القطاع العامّ في المستشفيات والسلطات المحلّية ومكاتب الرفاه وغيرها. تتميّز الطبقة الوسطى العربية بانعزال سياسي وثقافي عن المجتمع الإسرائيلي، الذي لا يرغب في دمجها فيه على كلّ الأحوال، كما وتتميّز بالانفصال التامّ عن العمّال والفقراء العرب.

الطبقة الوسطى العربية تسيطر على الأحزاب العربية التي تتنازع على دعمها- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي ومجموعة أحمد طيبي وأبناء البلد والحركة الإسلامية بجناحيها، الشمالي المتطرّف والجنوبي البراغماتي. للحفاظ على قوّتها الانتخابية، تقوم الأحزاب العربية بتكريس الرواية القومية والتلويح بالخوف من اليمين الإسرائيلي، وتُبرِز نقاط الخلاف على حساب القواسم المشتركة التي يمكنها أن تجمع بين اليهود والعرب، وتحرص على ألاّ تنافسها الأحزاب الصهيونية على اصوات العرب في الانتخابات.

من جهة أخرى، لا يشارك العمّال العرب بتاتًا في الحياة الثقافية والسياسية، ففي حين تعزل الطبقة الوسطى نفسها عن المجتمع اليهودي، يعمل العمّال العرب لدى اليهود ويلتقون يوميًا بزملائهم اليهود في المصانع وشركات التنظيف أو في محلاّت السوبرماركت. قلّة الحيلة والفقر يدفعان هؤلاء العمّال إلى أحضان الدين والتقاليد، وينعكس إحباطهم في العنف داخل العائلة والجريمة المتفاقمة والتحصيلات المتدنّية في المدارس الحكومية والقيادة الجامحة للسيّارات وكبت النساء، وكلّ ذلك باسم الشرف والدين والتقاليد.

المشاركة الشكلية للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في الحراك الاحتجاجي لا تغيّر من الصورة شيئًا. الواقع هو انه ليس هناك حراك احتجاجي في الشارع العربي، ومشاركة نشيطي الجبهة الديمقراطية تحمل طابعًا حزبيًا سياسيًا لا يمتّ بِصِلة للعمل الميداني الفعلي. حتّى بدء الحراك الاحتجاجي، لم تخض الجبهة الديمقراطية في المسائل الاجتماعية العصيبة ولا برنامج لها لمواجهتها اصلا. يتلخّص خوضها في المسائل المتعلّقة بالعمّال في توفير وظائف للمقربين في إطار الهستدروت.

ولكن على ضوء التأثير الكبير الذي تتمتّع به الجبهة في الحراك الاحتجاجي في تل أبيب، حتّى وإن كان من وراء الكواليس، سنحت الفرصة لنشيطيها العرب جني ربح سياسي. حرصت الجبهة على تخصيص نسبة معيّنة من قيادة الحراك الاحتجاجي للمجتمع العربي، وبذلك نجحت في دمج ممثّليها في القيادة والظهور في جزء كبير من المسيرات والاجتماعات الاحتجاجية. أراد قادة المسيرات والاحتجاجات اليهود أن يثبتوا قدرتهم على احتواء الجميع، من المستوطنين وحتّى العرب، ولذلك أتاحوا الفرصة لانحراف معيّن عن الروح القومية التي اتّسم بها حراكهم الاحتجاجي. وقد دفعت الجبهة على مشاركتها في الحراك الاحتجاجي ثمنًا تَمثّلَ في نزاع كبير مع لجنة المتابعة في الوسط العربي، وبالطبع عرضها من قِبل التجمّع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية كعميل صهيوني.

حزب "دعم" والحراك الاحتجاجي

مشاركة حزب "دعم" في الحراك الاحتجاجي كانت أمرًا طبيعيًا، وتلاءمت تمامًا مع طابع نشاطاتنا. القضية "الاجتماعية" هي المحور الأساسي لنشاط حزب "دعم" منذ إنشاء نقابة العمّال "معًا" لغرض تنظيم الطبقة العاملة. على ضوء الجمود التامّ في العلاقات بين اليهود والعرب وهيمنة "حماس" وخطاب المقاومة الاسلامية على الحلبة السياسية الفلسطينية وانعدام الثقة بسياسة الحكومات الإسرائيلية، قرّرنا الشروع بالبناء "من الأساس" وتجديد الثقة والتعاون بين اليهود والعرب ليس على أساس سياسي مجرّد، وإنّما على أساس اجتماعي متين.

يتلخّص موقفنا في أنّه على الرغم من الفوارق السياسية والثقافية القائمة بين العمّال اليهود والعرب، إلاّ أنّهم يتلقّون قسيمة الراتب نفسها، التي تمنح للجميع أجرًا أدنى بدون حقوق اجتماعية. صحيح أنّ الفقر يصيب العرب بمدى أكبر، لكنّه تغلغل بحدة بين اليهود ايضا. لذلك قرّرنا التركيز في نشاطنا على العمّال، هذا في حين صبّت سائر الأحزاب اليسارية، اليهودية والعربية، جلّ اهتمامها في الطبقة الوسطى وغاصت معها في يأسها.

في عام 2005 قرّرنا في "حزب دعم العمالي" إحياء ذكرى الأوّل من أيّار بعد أن دفنته الهستدروت تماما وتوقفت عن الاحتفال به، ومنذ ذلك الحين نقوم بمسيرة في جادة روتشيلد في مظاهرات يشارك فيها عمّال وعاملات من اليهود والعرب. في الثامن من آذار وفي الأوّل من أيّار 2011، رفعنا شعار "المساواة والعدالة الاجتماعية" بإلهام من الثورة المصرية. آمنّا على الدوام بأنّ المكان الذي ينبغي فيه عرض ضائقة العمّال ومطالبهم هو مركز تل أبيب- حيث بدأ يتبلور هناك رأي عامّ يحمل طابعًا اجتماعيًا، تشارك فيه مجموعة متزايدة من المنظّمات والجمعيات الاجتماعية. مندوبون من "خطّ للعامل" ومن مركز مساعدة العمّال الأجانب، ومن المركز القانوني في جامعة تل أبيب ولجان عمّال ومحاضرين، ألقوا خطابات من المنبر الذي أقمناه. كنّا تمامًا شركاء في الحركة العمالية والاجتماعية التي مهّدت الطريق إلى الحراك الاحتجاجي الذي بدأ في الرابع عشر من تمّوز هذه السنة.

دأبنا دائمًا على التشديد على الطابع اليهودي- العربي للنضال. تمحور انتقادنا لقائمة "مدينتنا جميعا" (لانتخابات بلدية تل ابيب) في الأساس، حول تنازلها عن عرب يافا وعن رسالة الشراكة اليهودية-العربية وفكرة المساواة. كانت المعارضة للاحتلال وللحرب حاضرة دائمًا في كلّ المنابر التي أقمناها، وشدّدنا على الدوام معارضتنا للحكومات والأحزاب التي تمثّل الإجماع الصهيوني. كلّ عامل عربي أو يهودي شارك في نشاطاتنا يعرف حقّ المعرفة هويّتنا السياسية ونضالنا ضدّ العنصرية وضدّ الاحتلال، ومن أجل سلام عادل مع الشعب الفلسطيني. حقيقة ترؤس امرأة عربية لقائمتنا في الانتخابات للكنيست ولبلدية تل ابيب تشدّد على هذه الرسالة. لهذا السبب ايضا، ومن اجل هذه المبادئ، انضممنا إلى الحراك الاحتجاجي مع شعار "السلام والعدالة الاجتماعية".

لم تمرّ أيّام حتّى انخرط أعضاء حزبنا فيه بكلّ قواهم وطاقاتهم. المركز الذي أقمناه في جادة روتشيلد بتل ابيب، مركز الحراك كله، أتاح لنا فرصة للظهور أمام الجماهير العريضة التي تلقّت رسائلنا بظمأ شديد. كانت تلك تجربة مثيرة للاهتمام، رؤية جمهور اعتاد على النظر الى مظاهراتنا من المقاهي بلامبالاة زائدة، يمر بعملية تسييس عميقة.

في المظاهرة التي جرى تنظيمها في مدينة العفولة سرنا في كتلة يهودية-عربية، وانضمّ الكثيرون لشعاراتنا، وهذا ما حدث أيضًا في تل أبيب. كان الجو مكهربا وحماسيا بشكل منقطع النظير، وخاصّةً في المظاهرات بتل ابيب. لا شكّ أنّ المنصّة كانت عاجزة عن التعبير عن روح الجماهير، كما أوضحنا في مقال سابق الصبّار.

بادرنا في الناصرة إلى إقامة خيمة اعتصام يهودية- عربية، عند خط التماس بين مدينتي الناصرة ونتيسرت عليت. في أحداث أكتوبر 2000، قام شباب يهود من نتيسرت عليت بأعمال عنف اجرامية ضدّ جيرانهم العرب من الناصرة. وكانت الخيمة الاحتجاجية محاولة لكسر الجمود في العلاقات اليهودية العربية، ومن جهة اخرى محاولة أولى من جانبنا للتعاون مع مجموعة "شباب التغيير" التي انفصلت عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي. نجح التعاون مع نشيطي نتيسرت عليت في عزل العناصر اليمينية التي سعت بلا هوادة لتدمير التعاون مع العرب من خلال الاستفزاز ورفع الأعلام الإسرائيلية فوق الخيمة. انتُخبت إحدى أعضائنا للّجنة القطرية للخيام، والمقال الذي نشرناه تمّ نشره في شبكة الحراك الاحتجاجي ولاقى اهتمامًا واسعًا، ونشارك بشكل ثابت في اللقاءات التي يعقدها لواء الشمال.

أمّا في القدس حيث تسيطر نقابة الطلاّب الجامعيين على الحراك، والتي تؤيّد رئيس البلدية اليميني، فإنّ التجربة كانت مغايرة. نجحنا في بلورة مجموعة من النشيطين حولنا على أساس الدعوة للسلام والعدالة الاجتماعية، التي عملت بالتعاون مع حركة التضامن في الشيخ جرّاح والجبهة الديمقراطية و"ترابط" وأصدقاء نقابة "معًا". أثار إضراب العمّال الفلسطينيين ضد المشغل الاسرائيلي في كسّارة سلعيت بالمناطق المحتلة اهتمامًا كبيرًا، وجذب العديد من النشيطين للنقابة. الاجتماع الذي جاء لدعم العمّال المضربين الذي أقمناه في خيمة المطالبين بالحق بالسكن، كان ناجحًا وعبّر عن مكانتنا الآخذة في التبلور في القدس الغربية.

تمحور خطّنا النضالي حول الطلب السياسي الواضح بإسقاط الحكومة والدعوة لانتخابات جديدة، وفي رأينا عبر هذا الموقف عن مشاعر الجمهور. قيادة الحراك الاحتجاجي أخطأت في توجّهها إلى الحكومة المسؤولة عن الدمار الاجتماعي، وفي مطالبتها بتطبيق برنامج الحراك الاحتجاجي. الجدل الدائر حول لجنة تراختنبرغ (الخبير الاقتصادي المعين من نتنياهو لفحص مطالب المحتجين)، وتشكيل قادة الاحتجاج للجنة موازية بديلة لصياغة مطالبهم، زادا الوضع تعقيدًا، وأعادا المبادرة إلى الحكومة. والآن، بعد تفكيك الخيام، تستطيع الحكومة التعامل مع قرارات لجنة تراختنبرغ كتوصيات ليس إلاّ، دون التزام بتطبيقها.

اعتماد "السرّية" في تصرفات قيادة الحراك الاحتجاجي ساهم هو أيضًا في التصدّع الداخلي في الحركة الاحتجاجية نفسها. الخيام التي نُصبت في ضواحي البلاد عبّرت عن عدم ثقتها بدافني ليف وزملائها. كما أنّ الاعتماد على المستشارين الإستراتيجيين وعلى وسائل الإعلام، صبغ الحملة بطابع حملة تسويقية أكثر من كونها نضالاً شعبيًا يتّصف بخطوط واضحة. تمّ تسويق الحراك الاحتجاجي كأية سلعة أخرى مثل الشامبو، للمستوطنين وللعرب وكذلك للعلمانيين وللمتديّنين. وبالفعل حازت الحملة على تغطية إعلامية غير مسبوقة، لكن بما أنّها لم تحدّد أهدافا واضحة واكتفت بعرض مطلب شامل بتغيير النهج الاقتصادي بدون الحاجة لاستبدال الحكومة، فإنها لم تحقق في الوقت الراهن أيّ إنجاز يُذكر.

حركة ما بعد تفكيك الخيام تتلمّس طريقها مرّة ثانية، وتصر على عدم لفظ كلمة "سياسة". إلاّ أنّ التغيير بدون عمل سياسي هو أمر مستحيل، وعلى هذا يوافق أيضًا المطالبون بالعدالة الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، غياب العمّال عن ساحة الاحتجاج يُضعف الحركة. وقد اتّضح أنّ تصريحات رئيس الهستدروت، عوفر عيني، عارية عن الصحّة، لأنّه لا يرغب في إسقاط الحكومة. وهكذا نلاحظ أنّ الحراك الاحتجاجي يقف على رِجل واحدة- الرِّجل الاجتماعية، في حين بقيت الرِّجل السياسية مثنية وتهدّد بالإخلال باتّزان الحراك الاحتجاجي.

رغم ما تقدم، ورغم الطابع غير السياسي للقيادة، سنشعر بالتأثير السياسي للحراك الاحتجاجي عاجلاً أو آجلاً. من الواضح أنّ ائتلاف نتنياهو الحكومي تلقّى ضربة قاسية، والأهمّ من ذلك أنّ الحراك الاحتجاجي نجح في تغيير الأجندة القومية. انشغال الكنيست الحثيث حتى الآن بالقوانين العنصرية وبإضعاف قوّة محكمة العدل العليا، أثبت أنّ السياسيين منقطعين عن الشعب. فقد بنوا على التحريض ضدّ العرب كوسيلة لتعزيز مكانتهم والمحافظة على سلطتهم، لكنّ الجمهور الاسرائيلي لم يستسلم لحملات التخويف الأمنية وأدرك حقيقتهم. المستفيد من سياسة التخويف والترهيب هم رجال الأعمال الرأسماليون الذين يعبّرون عن "وطنيتهم" من خلال استثمار أموالهم خارج البلاد، في حين لا يستطيع العمّال سدّ احتياجاتهم المعيشة بسبب رواتبهم الزهيدة.

المطلوب: حزب عمّال، الآن وليس غدًا!

مشاركة حزب "دعم" في الحراك الاحتجاجي وضعه من جديد في المعترك السياسي. وضعنا اليوم يختلف عمّا كان عليه قبل تمّوز 2011. أُنشئ حزب "دعم" بعد تبنّي اليسار الإسرائيلي والأحزاب العربية اتّفاقيات أوسلو، وبذلك سدّوا الطريق أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلّة ضمن حدود 1967. اللهاث وراء حزب العمل لانعدام البدائل وتقبّل النهج الاجتماعي- الاقتصادي كأمر واقع، أبقيا العمّال الإسرائيليين بدون تمثيل سياسي. بالمقابل، ادت خصخصة الاقتصاد والقضاء على الهستدروت كمؤسسة قوية تنظم الاغلبية الساحقة من العمال، الى سحق انجازات العمّال وإبقائهم بلا تمثيل نقابي.

لهذا السبب بادر حزب "دعم" إلى إقامة نقابة العمّال "معًا" في منتصف تسعينات القرن الماضي، كمنظّمة دعمت وساعدت عاملات النسيج العربيات وعمّال البناء والعاطلين عن العمل. عارضنا المواقف التي تتّفق مع النهج الأمريكي والتي تبنّتها السلطة الفلسطينية من جهة، وعارضنا أيضًا التطرّف الإسلامي لحماس من جهة أخرى. لم نستسلم لدعوات المقاومة المسلّحة، كما فعلت الأحزاب العربية، كما ولم ندعم اليسار الصهيوني الذي أهمل القضية الفلسطينية والعمّال في إسرائيل بشكل عامّ. اتّخذنا طريقًا ثالثة تكسر المعادلة الثنائية التي لا تخدم مصالح الطبقة العاملة، طريقًا بقينا خلال سنوات مجرد فكرة وطموح. إنّها الطريقة التي تعارض السياسة الأمريكية والرأسمالية، لكنّها ترفض تقبّل أنظمة الأسد وحزب الله وحماس. إنّها طريق تصبو إلى التغيير من خلال تعزيز القاسم المشترك الطبقي بين العمّال اليهود والعرب، كأساس للنضال المشترك من اجل الحقوق الاقتصادية والسياسية ايضا.

بعد أكثر من عقد من الزمن، لم تلقَ فيه دعواتنا لثورة اجتماعية شاملة آذانًا صاغية، بدأت تتحقّق آمالنا وتطلّعاتنا. في كانون الثاني 2011 بدأت أجندة حزب "دعم" تتحقّق في نضال الشباب المصريين والتونسيين من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كان هذا نضال ضدّ النظام الفاسد الموالي للغرب وكذلك ضدّ الإخوان المسلمين. اللعبة بين السلطة الدكتاتورية من جهة والمعارضة الإسلامية من جهة أخرى، نفس المعادلة الثنائية، أدّت إلى عجز وإحباط لدى الجماهير العربية الغفيرة وضمنت استمرارية النظام القائم. ولكن بعد أربعة عقود من الهيمنة الأيديولوجية الإسلامية، قام العمّال المصريون والطبقة الوسطى العلمانية وكسروا قواعد اللعبة. المخطّط الذي وحّد المصريين والتونسيين ألغى الإمكانيتين القديمتين، وتبنّى بديلاً ثالثًا: لا للمقاومة المسلّحة، نعم للنضال الشعبي بالطرق السلمية؛ لا لدولة إسلامية، نعم لدولة ديمقراطية علمانية؛ لا للخصخصة، نعم لدولة الرفاه.

طريق الثورة المصرية نحو تحقيق أهدافها طويلة، وتتعلّق بالتطوّرات التي ستحدث في العالم الغربي. لكن لا شكّ أنّ التغيير الذي وقع هو تغيير عميق وبعيد المدى. سنة 2008، عندما فتح عمّال المحلّة الكبرى إضرابهم وأحرقوا صور مبارك، أدركنا أنّ قواعد اللعبة قد تغيّرت. وبالفعل، خلال أقلّ من سنتين حدث ما لا يصدّق ونظام مبارك سقط، وسقطت معه الأنظمة في تونس وليبيا واليمن، وجاء دور النظام السوري الذي لم ينفعه الخطاب "المقاوِم" لاسرائيل، والذي جاء ليغطي على قمعه لشعبه ونهبه ثرواته.

نحن في حزب "دعم" انتظرنا هذه اللحظة وآمنّا بأنّ التحريض والمقاومة لن تفيد في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن ولا في تحقيق المطالب الكبرى. وهذا الأمر صحيح بالنسبة لإسرائيل أيضًا، فالتعصّب القومي والديني والتطرّف والإيمان المبهم ب"المسيح المنتظر"، لن تستطيع تلبية الحاجة للعمل المنصف والعدالة الاجتماعية.

الحراك الاحتجاجي الإسرائيلي قلب الأمور رأسًا على عقب. رغم محاولات هذا الحراك عدم الخوض في الأسئلة السياسية الصعبة، إلاّ أنّ تعبيره عن انعدام الثقة بالقيادة السياسية الحالية يشكّل من جانبه أيضًا تشكيكًا في التصوّر السياسي الذي يرفض التوصّل إلى تسوية مع الفلسطينيين. المجتمع الإسرائيلي ليس مجتمعًا متجانسًا كما قد يبدو ظاهريًا، ولا يصح تقسيمه الى يمين ويسار بالمفهوم المتداول للكلمة، فاليسار في اسرائيل يمكن ان يكون نيوليبراليا تماما، لذا فاحزاب هذا اليسار لا تعبر بالضرورة عما يحدث في الشارع من حراك. صحيح أنّ اليمين الإسرائيلي يرى في حماس والمتطرّفين العرب ذريعة لتطرّفه هو أيضًا، لكنّ التغيّرات التي يمرّ بها العالم العربي تقرّب بين العرب والإسرائيليين، بين نضال العمّال الفلسطينيين والتونسيين والمصريين وبين نضال العمّال الإسرائيليين ايضا.

العزلة التي دخلتها إسرائيل بسبب استمرار الاحتلال وعنصريتها تجاه مواطنيها العرب ايضا، والصراع بينها وبين الإدارة الأمريكية وخسارتها لشركاء إستراتيجيين كمصر وتركيا، كلها نتيجة لموقفها الرافض لاي تفاوض وتسوية، ولرغبتها في الحفاظ على تفوّقها العسكري وعلى الاحتلال.

العمّال العرب في أنحاء الشرق الأوسط الذين يطالبون بالديمقراطية، لن يوافقوا على إقامة علاقات طبيعية مع دولة تقوم بقمع منهجي للشعب الفلسطيني. لا شكّ بأنّ الحراك الاحتجاجي في إسرائيل قادر على نقل الرسالة إلى الحركات الثورية في المنطقة وفي العالم بأسره: نحن أيضًا شركاء في بناء مستقبل مغاير، مجتمع عادل، ولهذا السبب لا نعارض النهج الاقتصادي المهيمن فحسب، بل نعارض أيضًا الاحتلال الذي يسلب الشعب الفلسطيني حقوقه الأساسية. مثل هذا الموقف فقط يمكنه أن يمنع ضمور وانهيار الحراك الاحتجاجي الإسرائيلي، ومصادرته على يد الأحزاب القائمة المسؤولة عن الطريق المسدود الاجتماعي والسياسي.

هذا الحراك الاحتجاجي مهم لانه يزعزع بقوّة ولأوّل مرّة النظام الاجتماعي والسياسي في إسرائيل، وبذلك فهو يمهّد الطريق لوحدة العمّال اليهود والعرب في اطر نقابية وممكن ايضا سياسية. لم يعد هؤلاء العمال "المتوسّطين الفاشلين" الذين يتخلّفون وراء الركب السائر، كما اقنعوهم سنوات طوال، وإنّما هم ضحايا النهج الاقتصادي، هؤلاء الذين يبنون اقتصاد رجال الأعمال الرأسماليين بأجر أدنى ولا يتمتّعون بثمار ما يبنون.

حزب "دعم"، من خلال نقابة العمّال "معًا"، يتواجد بين صفوف العمّال ويحوّل الحراك الاحتجاجي إلى حافز لدفع العمّال قُدُمًا وإلى تشجيعهم على التنظّم في إطار نقابي. لن تتحقّق العدالة الاجتماعية بدون مشاركة فعّالة للعمّال. يجب على العمّال أن يكونوا في طليعة النضال من أجل التغيير، إلى جانب الشباب وأبناء الطبقة الوسطى.

لذلك ندعو جميع الراغبين في إحداث تغيير ثوري، وجميع الذين يرون في العدالة الاجتماعية جزءًا لا يتجزّأ من السلام والنضال ضدّ الاحتلال، وجميع الراغبين في المشاركة في بناء شرق أوسط جديد- ليس الشرق الأوسط الذي دعا اليه شمعون بيرس والأنظمة العربية المتعفّنة، بل الذي تتحدّث عنه الثورة العربية- ندعو جميع هؤلاء إلى الانضمام لحزب "دعم".

يقوم حزب "دعم" بالعمل الميداني، بين صفوف الشباب والنساء والعمّال والمفكّرين من جميع القطاعات السكّانية. حزب "دعم" يسعى لبناء حركة اجتماعية كبيرة وحزب عمّالي قادر على التأثير والتغيير. كلّ من يرغب في التغيير الثوري، وكلّ من يرغب في كسر قواعد اللعبة المألوفة، وكلّ من يبحث عن إطار للعمل على أساس مبادئ واضحة، سيرى في "دعم" بيتًا له. كلّ من يرغب في تحقيق العدالة الاجتماعية وعدم الاكتفاء بالحلم بتحقيقها، عليه أن يتجنّد للنضال، وهذا هو الوقت الملائم لذلك، فقد دقت ساعة العمل الثوريّ!

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__425/الحراك_الاحتجاجي_والثورة
11.12.2017, 02:12