شؤون اسرائيلية

قيادة الحراك الاحتجاجي تنحني لليمين

يعقوب بن افرات

آن الأوان لرسم خطوط واضحة. هذه ساعة اليسار- في إسرائيل وفي مصر وفي إسبانيا وحتّى في الولايات المتّحدة. هذه ساعة العودة إلى الجذور، والقول بصوت عالٍ- الرأسمالية والقومية هما عدوّا المجتمع والعمّال.

الآن، في الوقت الذي سنحت فيه الفرصة لتغيير المعادلة وكشف طابع اليمين المتعصّب والاستغلالي، يلوّح قادة الحراك الاحتجاجي بشعار "لا يمين ولا يسار"، ويتلفّعون بالعَلَم ويقفون إجلالاً للنشيد الوطني كأيّ مشجّع من مشجّعي فريق كرة القدم اليميني "بيتار القدس".

الرسالة السياسية للحركة الاحتجاجية بدأت تتّضح، أو بالأحرى تتلبّد. المتحدّث الرئيسي للحركة الاحتجاجية وقائد الطلاّب الجامعيين، إيتسيك شمولي، يحرص على التشديد على هذه الرسالة المرّة تلو الأخرى حتّى تحوّلت إلى شعار: "نحن لسنا يساريين ولا يمينيين!". الحياد السياسي الذي يبديه شمولي لأوّل وهلة، لا يمنعه من رفع عَلَم إسرائيلي كبير فوق كلّ منبر، ليثبت أنّنا نحن الشعب، نحن إسرائيل نحن الجميع، ومن تقديم تحية لتل أبيب والعفولة والطيبة من جهة وإلى مستوطنة أريئيل من جهة أخرى. جمع غفير من اليهود والعرب الذين "يرفضون أن يكونوا أعداءً" ساروا يوم السبت الماضي في مظاهرة بمدينة العفولة، وقد لوّح شمولي أمام هذا الجمع أيضًا بعَلَم إسرائيل وبالنشيد الوطني الإسرائيلي وكذلك بأريئيل التي تعرّضت لمقاطعة جمهور كبير من الفنّانين الاسرائيليين قبل فترة وجيزة. الآن كلّ شيء واضح، الذي "يوحّدنا" هو الوطنية- أي أنّ الدولة قد سُلبت منّا ونريد استردادها.

أصبح شمولي المتحدّث باسم الطبقة الوسطى، الطبقة التي تراوح بين البرجوازية الرأسمالية وطبقة العمّال، وتتلاشى في الكثير من الأحيان في الصراع الهائل القائم بين رأس المال والعمل. هذه نفس الطبقة التي تتطلّع إلى الأغنياء وترغب في التشبّه بهم، وتحذر دائمًا ألاّ تسقط نحو هاوية العمّال. أن يكون أفرادها عاملين يعني الفشل بالنسبة لهم. هذه هي الطبقة المتعلّمة والفردانية والطموحة التي تكره الوسطية. في فترات الانتعاش تتمتّع هذه الطبقة بالازدهار الاقتصادي وتنظر نظرة ازدراء إلى اليهود المتدينين المتزمتين "الحرديم" الذين لا يعملون وإلى العرب وإلى الفقراء؛ وفي فترات الكساد تصبّ غضبها على الرأسماليين الذين يشكّلون بالنسبة لها تجسيدًا للشرّ ونراها تتضامن مع الفقراء.

الطبقة الوسطى هي "ضحية" النهج الاقتصادي، وهي التي تتحمّل عبء الضرائب ومعظم أفرادها هم جزء من جنود الاحتياط. الطبقة الوسطى هي بالفعل طبقة من الوطنيين، وربّما كانت أكثر الطبقات وطنية. فنرى أنّ الرأسماليين يحوّلون أموالهم إلى خارج البلاد ليجنوا هناك أرباحًا طائلة. لا وطن للرأسماليين، وطنهم هو المكان الذي يمكن فيه زيادة نطاق أعمالهم. العامل بخلافهم، لا يتحمّل أيّ عبء، لأنّه لا يصل اصلا إلى الحدّ الأدنى من الأجر الذي يدفع فيه الضرائب، ومشاعره تجاه الدولة متناقضة لإحساسه بالظلم.

نتيجة لذلك نلاحظ أنّ الطبقة الوسطى هي الوحيدة التي تتحمّل العبء الوطني. كما قال وزير الامن، إيهود براك: "سيترك أفراد الطبقة الوسطى الخيمة ليحاربوا"، حتّى لو لم تكن الحرب شرعية، وفي نهايتها سيحرصون على تنحية المسؤول عن التقصير والإهمال. لذلك الطبقة الوسطى هي المؤثّرة وهي صوت الجماهير، وسيفعل كلّ سياسي متيقّظ كلّ ما بوسعه للحصول على تأييدها.

من الجدير ذكره أنّ تاريخ الطبقة الوسطى إشكالي ومخيف أيضًا. في سنوات الثلاثين المظلمة في ألمانيا، كانت تلك الطبقة الوسطى التي وقفت ضدّ الرأسماليين الكبار، المسؤولين عن التدهور الاقتصادي آنذاك؛ لكنّها وقفت أيضًا ضدّ العمّال والبلاشفة الروس - الذين اتُّهموا بطبيعة الحال بأنّهم يهود، ونتائج ذلك معروفة للجميع.

في الولايات المتّحدة، نجحت دولة الرفاه في تنمية الطبقة الوسطى، التي بيدها ان تقرر من يجلس في البيت الابيض؛ ليس عبثا ان باءت بالفشل محاولات الرئيس أوباما التوجه إلى هذه الطبقة. فكما هي الحال في ألمانيا، الطبقة الوسطى في الولايات المتّحدة أيضًا تكره الرأسماليين الكبار، الذين كانوا سبب الأزمة الاقتصادية وتدهور مكانتها؛ لكنّها في الأساس تكره السود واللاتينيين والمسلمين، كما يتّضح من الأجندة اليمينية لحركة "حفلة الشاي"، التي تزداد قوّتها من يوم إلى آخر. الطبقة الوسطى الأمريكية لا تحبّ الديمقراطية وتطمح إلى تفكيك الإدارة الحاكمة، وستبحث في نهاية الأمر عن شخص قويّ يقوم بتنظيم الدولة من جديد.

في محاولة لمنح الاحتجاج طابعًا قطريًا عامًّا، وجعله حركة للجميع، قرّر قادة الاحتجاج في اسرائيل الخروج من "الفقاعة" التل أبيبية الشبعة ونقل المظاهرات إلى ضواحي البلاد. لنعترف بالحقيقة، كان التجاوب محدودا. سكّان العفولة وبئر السبع وبيت شان والناصرة والطيبة وحتّى يافا، لم يأتوا بأعدادهم الغفيرة. ربّما لأنّهم يشعرون بأنّ هذا الاحتجاج لا يمتّ إليهم بِصِلة.

يرى سكّان ضواحي البلاد في أنفسهم، وبحقّ، الضحايا الحقيقيين للنهج الاقتصادي القائم. فهم هؤلاء الذين يعملون 12 ساعة يوميًا في أعمال الشاقّة- في شاحناتهم وفي الدفيئات الزراعية وفي المصانع وفي مواقع البناء أو في المحلات التجارية- التي تتيح لهم العودة إلى بيوتهم في نهاية الشهر براتب معدّله 6000 شيقل في اقصى حد، ومع الحد الادنى في اغلب الاحوال. ورغم أنّ الطبقة الوسطى تكره الرأسماليين الكبار، إلاّ أنّ العمّال في ضواحي البلاد هم الذين يعملون عندهم، وعلى حسابهم يجنون ثروتهم الهائلة التي اقتنوا الدولة بواسطتها، وكلّ ذلك دون أن يحوزوا على ذرّة من الاحترام والكرامة.

منذ عشرين سنة ونحن نلاحظ معاناة البلدات في ضواحي البلاد- فهي تفتقر إلى التعليم والثقافة والصحّة والمواصلات، وخاصّة العمل الكريم. تُنشَأ في ضواحي البلاد مصانع على يد مستثمرين يحصلون على دعم مالي من الدولة، ليوفّروا أماكن عمل. لكن بما أنّ المستثمر "يعمل معروفًا" وَ"يضحّي" بمصالحه لدوافع وطنية، يجب على العمّال الاكتفاء بأجر أدنى. الصناعي الكبير دوڤ لاوتمان الذي شغل في السابق منصب رئيس ارباب الصناعيين، يسدي اليوم النصائح للجميع، ولكنه من قام بنقل معامل خياطة "دلتا" إلى مصر والأردن، وبذلك أدّى ببساطة إلى فصل عشرات الآلاف من النساء العربيات ومن بينهن الدرزيات من عملهنّ. لاوتمان ليس الوحيد، فغيره قاموا بنقل مصانعهم الى الصين. لهذا السبب يشعر العمّال بالخديعة ولا يؤمنون بإمكانية التغيير.

يصرّح المتحدّثون باسم الحركة الاحتجاجية طوال الوقت أنّ الطبقة الوسطى التي ما زالت تتمتّع بثمار اقتصاد السوق وتؤمن به، هي الضحية الأساسية، وهي التي تتحمّل كلّ العبء. إلاّ أنّهم بأقوالهم هذه يخلقون عدم ثقة وإحباط بين الشرائح العمالية. يخشى العمّال أنّ التغيير الذي يسعى إليه قادة الاحتجاج يهدف إلى تحسين أوضاعهم هم في تل أبيب، وإلى إلقاء الفتات لضواحي البلاد مرّة أخرى.

من الجدير ذكره أنّ الاغتراب بين ضواحي البلاد والطبقة الوسطى قائم منذ قيام الدولة. ففي الأيّام الأولى للدولة عانت بلدات التطوير والأحياء الفقيرة من وطأة الطبقة الوسطى التي تمثّلت آنذاك في "حركة العمل"- مباي والهستدروت والكيبوتسات- التي أوجدت طبقة نفعية تمتّعت بأفضلية وتجاهلت ضائقة الضواحي وأثارت غضبها. اليمين القومي، وفي أعقابه الحرديم، نجح في استغلال هذه الضائقة على أفضل وجه، وقام بحملة غسل دماغ جعلت العمّال يكرهون الأشكناز "الخونة ومحبّي العرب". والآن، في الوقت الذي سنحت فيه الفرصة لتغيير المعادلة وكشف طابع اليمين المتعصّب والاستغلالي، يلوّح قادة الاحتجاج بشعار "لا يمين ولا يسار"، ويتلفّعون بالعَلَم ويقفون إجلالاً للنشيد الوطني كأيّ فرد من جمهور فريق كرة القدم اليميني "بيتار القدس".

الاحتلال حقًّا قسّم الشعب إلى يمين ويسار. فرض الاحتلال أجندة قومية أتاحت لحكومة نتنياهو المتطرّفة إهمال المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها جميع المواطنين. البرنامج الاجتماعي الشامل الذي تنادي به الحركة الاحتجاجية اليوم هو برنامج صحيح، لكنّ التلفّع بالعَلَم ومحو الخطوط الفاصلة بين اليمين واليسار والجمع بين المستوطنين المتطرّفين ومجمل المواطنين، بين العنصرية والمساواة، بين السلام والحرب- هو أكبر خطأ. هذه مسائل حياتية ينبغي على كلّ مجتمع سليم يطمح إلى العدالة الاجتماعية أن يواجهها.

بدلاً من وضع برنامج واضح، وبدلاً من الدفع باتّجاه ثورة في الوعي تربط بين العدالة الاجتماعية والسلام العادل وبين دولة الرفاه ودولة تندمج في الشرق الأوسط الجديد وبين العدالة الاجتماعية للعمّال في إسرائيل والعدالة الاجتماعية للعمّال المصريين والسوريين واليمنيين والفلسطينيين؛ بدلاً من الربط بين كلّ هذه، يحاول قادة الاحتجاج الربط بين العمّال وأيديولوجية مرتبكة، بين العمّال وطريق غير واضحة المعالم تحت غطاء العَلَم ووحدة الشعب. يجب قول الحقيقة: لن يتحقّق الرفاه طالما هناك حرب؛ لن يتحقّق الرفاه طالما لا تتحقّق المساواة.

آن الأوان لرسم خطوط واضحة. هذه ساعة اليسار- في إسرائيل وفي مصر وفي إسبانيا وحتّى في الولايات المتّحدة. هذه ساعة العودة إلى الجذور، والقول بصوت عالٍ- الرأسمالية والقومية هما عدوّا المجتمع والعمّال. هذه ساعة توجيه إصبع الاتّهام إلى المسؤولين عن غياب السلام والعدالة الاجتماعية. عندما نادى التجمّع اليهودي العربي في حزب دعم في مظاهرة العفولة "إرحل!" انضمّ إليه أيضًا سكّان العفولة القلائل الذين خرجوا للتظاهر. إنّهم لا يصدّقون نتنياهو، ونشكّ بأنّهم سيواصلون تصديق ادّعاءاته الوطنية التي تتستّر على نهجه الاجتماعي الفاشل. لكن من أجل أن ننجح في طرح بديل حقيقي، علينا القول بصوت عالٍ- نحن يسار، وتحت رايتنا سنوجّد العمّال اليهود والعرب من أجل مجتمع ينعم بالعدالة والمساواة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__420/قيادة_الحراك_الاحتجاجي_تنحني_لليمين
22.10.2017, 17:10