تاريخ النشر ١٤/٠٨/٢٠١١

شؤون اسرائيلية

الناصرة: انطباعات من البرلمان الذي عُقد في حديقة عامّة

سامية ناصر

هل تعلمون؟ احتفلنا اليوم بمرور أسبوع على تأسيس الحركة الاحتجاجية في نتسيرت عيليت. هل يستحقّ هذا الموضوع الاحتفال؟ حسب رأيي نعم! فقد احتوى المخيّم على أكثر من عشرين خيمة، وأعدادًا أكبر بكثير من المشاركين. خيام الاحتجاج التي أقمناها، عربًا ويهودًا من حركات مختلفة، شباب التغيير من الناصرة، نحن من نقابة معًا، شبيبة حزب العمل، محانوت هعوليم، العمّال والعاملات من مختلف الانتماءات القومية - هذا النسيج المختلط جدًّا والمتصارع أحيانًا، يصمد حتّى اليوم في نضال مشترك، في نقاش دائم وفي فعاليات مشتركة.

برلمان الشارع الذي يلتقي في جلسة نقاش الساعة السابعة من كلّ مساء هو حلم لا تريد أن تستيقظ منه، ولا تصدّق أنّك تعيش فيه. النقاشات التي تدور بين المشاركين حول تدنّي مستوى المعيشة بكلّ مرافقها، جهاز التعليم المتدهور، الاكتظاظ في الصفوف، الطلاب المحبطين والمعلّمين كذلك، العمّال الفقراء على اختلاف ديانتهم وقوميتهم الذين التقينا العديد منهم وحكوا عن همهم اليومي في تأمين ضروريات الحياة، عن العمل دون أمان اقتصادي والإحساس بالخوف من المستقبل، كلّ هذا يشعرك بوحدة مصير العمّال، يهودًا وعربًا.

سرعان ما تلاحظ زوال الفوارق والحساسيات الموجودة في بلد ينضح بالعنصرية وكراهية الآخر، وكيف تنهدم الحواجز بين المشاركين الذين يلتئمون في جلسة بعد النقاش للتحضير لليوم التالي.

اختلاف وحلّ وسط

نجحنا في اليوم الثالث بتخطّي أزمة كانت على وشك أن تعصف بالعلاقات المشتركة وتعيدنا إلى نقطة الصفر من حيث الكراهية والانغلاق بين الشعبين. لم نتّفق على العلم الأحمر في اليومين الأوّلين، واختلفنا حول العلم الإسرائيلي. فقد أعلن الجانب العربي أنّ العلم الإسرائيلي لا يمثّله، بينما أصرّ الجانب اليهودي على كونه إسرائيليًا ومن الطبيعي أن يكون العلم الإسرائيلي رايتهم. كان الوضع على شفا انسحاب المشاركين العرب وعودتهم إلى الناصرة بإحساسهم أنّه لا أمل للنضال المشترك، العنصرية أقوى من أيّ نضال.

إلاّ أنّنا قرّرنا أن نتحاور ونتناقش؛ يطرح كلّ واحد منّا وجهة نظره، ويحاول كلّ طرف أن يفسّر للطرف الآخر ما الذي يزعجه. استمرّ النقاش ثلاث ساعات في أجواء ديمقراطية، حرّة، دون استفزاز، دون إهانات، وكان واضحًا أنّ المشاركين يبحثون عن حلّ وسط، وأنّ الطرفين مصرّان على استمرار الشراكة، ولذلك بحثا عن صيغة تضمن لكلّ طرف أن يخرج بأقلّ الخسائر. ولذا توصّلنا إلى حلّ وسط: أن يبقى علم إسرائيلي واحد ولكن ليس في واجهة الخيام، وأن نرفع العلم الأحمر أيضًا، وهذا ما كان.

وليس هذا فقط، فقد تمّ في اليوم التالي انتخاب مندوبين ليشاركا في اجتماع لجنة التنسيق القطري لخيام الاحتجاج في تل أبيب الأسبوع القادم، وتمّ انتخاب كيم چال وأسامة لبّس.

مصيرنا واحد، عربًا ويهودًا

الناشطة كيم چال التي أدارت النقاش بشكل رائع، وهي من منظّمي خيمة الاحتجاج، علّقت على ما يجري قائلة: "إنّني منفعلة جدًّا، أشعر أنّنا نعيش لحظات مهمّة ومصيرية. ما يحدث استطاع أن يحرّك الناس، أن يخرجهم من بيوتهم. نجح الحراك الحالي في إيقاظ الناس كما لم يستطع أيّ نضال سابق فعل ذلك. الأمر الآخر المثير أنّنا نجحنا في إسقاط الأقنعة عن وجوهنا، وفي فتح أعيننا ورؤية أنّ مصيرنا واحد، عربًا ويهودًا، وأنّ السياسة الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة تدوسنا جميعًا".

هل نستطيع أن نتعالى عن القضايا المختلف عليها والتوحّد حول القضايا التي تهمّنا جميعًا؟ القضايا التي توحّد روني من نتسيرت عيليت الذي اشتكى في محادثة جانبية من أنّه وزوجته يعملان كلاهما في وظيفة كاملة ولا يستطيعان أن يكملا الشهر وهما الآن في انتظار طفلهما الأوّل ولا يعرفان كيف سيواجهان المصاريف الإضافية؟ أم آلام المعيلة الوحيدة لطفلتها التي عملت في سوبر ماركت ستّ ساعات يوميًا تقاضت عنها ثلاثة آلاف شيكل في الشهر، وكان عليها أن تدفع نصف معاشها لحضانة لطفلتها فآثرت ألاّ تعمل؟ أم داڤيد الذي انهار زواجه بسبب الوضع الاقتصادي والذي قال إنّ غالبية حالات الطلاق اليوم تنجم عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة؟

هذا الشاب داڤيد سمع أحد المشاركين العرب يقول إنّنا مواطنون من الدرجة الثانية، فعلّق لي على الموضوع قائلاً: "إذا كان هو من الدرجة الثانية فأنا من الدرجة الخامسة. لماذا؟ سألته، فأجاب أنّه يعمل في شركة للقوى البشرية كضابط أمن، ويتقاضى 4500 شيكل، طليقته اشتكته في المحكمة، تريد 2600 شيكل نفقة لابنيهما، ولذلك اضطرّ للعودة للسكن مع أمّه، يائسًا محبطًا، لا يستطيع بدء حياته من جديد. أمّا الشابّ العربي فهو صاحب مصلحة، يعمل هو وزوجته، لا يستأجر بيتًا ليسكن فيه، فوضع من أفضل؟ تساءل داڤيد.

يشارك في خيمة الاعتصام أيضًا شباب عرب يسكنون في نتسيرت عيليت، وهم يواجهون العنصرية والكراهية بشكل يومي. يقول أحدهم بأنّ الأمر يصل أحيانًا إلى اعتداء جسدي خطير، ولذلك عندما أعلن عن تأسيس الخيام قرّر المشاركة، وقال: " اقترابنا من بعض وتعاوننا على القضايا المصيرية فقط ، هما اللذان سيكسران الحواجز التي بيننا. يكره أحدنا الآخر لأنّ هناك آلة ضخمة تغذّي الكراهية والعنصرية، سنحت لنا الفرصة هنا لأوّل مرّة في حياتنا لنتعرّف الواحد على الآخر دون آراء مسبقة، وأمكننا تغيير نظرة الواحد عن الآخر".

كما ويشارك نور وكمال وعمري، جميعهم يعملون لدى مقاول. يعمل أحدهم في مصنع تمبو 12 ساعة يوميًا بمعاش لا يؤمّن له أيّ مستقبل للعيش الكريم، والآخران يعملان في مصانع أخرى.

وماذا تقول رڤكا عن التعاون المشترك؟ تعمل رڤكا في مصنع بلاستيك، في الشهر الأخير تمّ فصل ربع العمّال، 120 من بين 600، فقالت لي بالعربية: "هذا حرام! أين سيذهبون؟ أيّ مستقبل ينتظرهم؟" وأضافت: "إنّها متفائلة من وجودنا المشترك هنا، نحن نعيش معًا وعلينا أن نغيّر الدولة معًا".

أسامة لبّس من الناصرة، من مجموعة أطلقت على نفسها "شباب التغيير"، نشيط في الحركة وشارك في النقاش حول الإعلام الإسرائيلي، ودوّن انطباعه قائلاً: "هذه هي المرّة الأولى التي أشارك فيها في حوار يهودي عربي حقيقي. شاركت في السابق في برامج مشتركة، والحقيقة أنّها كانت برامج متكلَّفة، ربّما كان لها مخرج ومنتج, وبرأيي لم يكن الأمر حقيقيًا، وربّما كان له أهداف أخرى غير الأهداف المعلنة، وإن كان هناك مستفيد؟! فهو لا أحد غير المضلّلين الذين أرادوا تجميل الديمقراطية الإسرائيلية العرقية أمام العالم، وكأنّه يوجد هناك برامج مشتركة للشعبين!

أنا أنظر بعين فاحصة، مترقّبة، متفاجئة ومتفائلة إلى هذا الحوار الحرّ بين يهود لم يتحاوروا في السابق بتاتًا مع عرب، وربّما هم في أقصى اليمين السياسي، وبيننا نحن الشباب والصبايا العرب الذين نسكن بجوارهم. لقد حصلت البارحة معجزه! ولا أبالغ بتاتًا حين أصف ما حصل بهذا الوصف، لأنّ النقاش كان حول قضايا مختلف عليها من الدرجة الأولى، وهذه القضايا هي بمثابة ثوابت لا بل مقدّسات لدى الكثيرين من أبناء الشعبين، وأن نصل لحلّ وسط وأن يتنازل الجميع عن الأمور المختلف عليها لأجل إبراز النقاط المشتركة لنا كمسحوقين أمام الرأسمالية الإسرائيلية والتي يقف على رأسها رئيس الحكومة بيبي نتنياهو، لهو حدث جلل وأمر يحوي في طيّاته بوادر التغيير، وربّما نرى من خلاله نقطة الضوء في آخر النفق المظلم."

إحداث ثورة في وعي الأفراد

إنّ ما يحدث اليوم من حراك احتجاجي على طول البلاد وعرضها في حركة تطالب بالعدالة الاجتماعية وتغيير أولويات الحكومة، ونجاحه في هزّ أركان النظام الحاكم وفي إحداث ثورة في وعي الأفراد يعود إلى حقيقة أنّ الرأسمال لا يفرّق بين العرب واليهود، وأنّ السياسة التي تفرّق بين الشعبين على أساس ترهيب المواطنين اليهود من العرب، قد تتصدّع. واستيقظ المستغلّون على حقيقة إرهاب رأس المال للطبقة العاملة المنتجة وللطبقة الوسطى، التي تخرج اليوم إلى الشوارع متبنّية شعار الثورات العربية، التي تلهم العالم اليوم في مسيرة التغيير الاجتماعي.

نحن المعتصمين في خيمة الاحتجاج في الناصرة، ندعو العمّال يهودًا وعربًا للانضمام إلى أوسع حركة احتجاجية في كلّ مدينة وقرية، عربية أو يهودية، ولتوحيد الصّف والجهود من أجل إحقاق الأهداف النبيلة التي وضعتها أمامها هذه الحركة الشبابية الجديدة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__419/الناصرة_انطباعات_من_البرلمان_الذي_عُقد_في_حديقة_عامّة
23.10.2017, 09:10