شؤون اسرائيلية

المنصّة لم تمثّل روح المظاهرة بتل ابيب

يعقوب بن افرات

ليس كلّ من شارك في المسيرة التاريخية التي ملأت شوارع تل أبيب والبلاد يوم السبت الأخير، والتي رفعت راية العدالة الاجتماعية، أمكنه الوصول إلى المنصّة والإصغاء للخطابات. عند بدء المسيرة، سار آلاف المتظاهرين في الشوارع المجاورة وعبّروا عن غضبهم العارم ونفّسوا عن طاقاتهم المكبوتة، التي تلخّصت في المطالبة بالتغيير الجذري. اللافتة الضخمة باللغة العربية "ارحل"، التي رفعها على عرض شارع كاپلن، عيدو وزملاؤه من كيبوتس عين چيڤ، والتي كُتبت بإلهام من اللافتات المشابهة التي رُفعت في مصر ضدّ مبارك، ذكّرتنا بأنّ "مصر هنا"، وعبّرت في تلك اللحظة عن روح المظاهرة بمدى أكبر ممّا حدث على المنصّة.

منصّة الاجتماع الاحتجاجي، التي نُصبت أمام مباني الحكومة في تل أبيب، لم تكن تلقائية، بل مثّلت تمامًا مختلف القطاعات الشعبية. "الفهد الأسود" السابق وعضو الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة السابق تشارلي بيطون؛ إلى جانب الكاتب عودة بشارات الذي هو أيضًا من أعضاء الجبهة؛ وكان بينهما الحاخام بيني لاو، رئيس المدرسة الدينية في بيتح تكڤا. وبهدف صبغ النداء إلى الوحدة بألوان لا تبعث على الخوف ولا تهدّد أحدًا، قدّم المنظّمون الشخصية الوطنية المقبولة، شلومو آرتسي. لم تكن تسمية وسائل الإعلام له بأنّه "شخصية الأمسية" عبثًا، فقد بدا للحظة بأنّ المظاهرة قد تحوّلت إلى تظاهرة هائلة من أجل إقامة حكومة وحدة وطنية.

رئيس الاتّحاد القطري للطلاّب الجامعيين، إيتسيك شمولي، الذي أُجريت معه مقابلة عشيّة المظاهرة ضمن تقرير للقناة الثانية، عرض كتابًا لتشي جيڤارا كان قد اقتناه قبل رحلته إلى كوبا، تلك الرحلة التي اضطرّ شمولي لإلغائها بعد تلبيته لنداء زملائه للنضال. ظهور شمولي الذي لا يمتّ بِصِلة للثورية في الاجتماع الاحتجاجي يدلّ على أنّه، على ما يبدو، لم يقرأ الكتاب بعد. وهذا ما قاله: "إنّنا لا نتحدّث عن تغيير أفراد القيادة السياسية في الدولة. هذا لا يهمّنا. إنّنا لا نطالب بتغيير الائتلاف الحكومي. هذا لا يهمّنا. إنّنا نطالب بانتهاج اقتصاد إنساني..." وقد ردّ على أقواله هذه موظّفو الحكومة من الأستوديوهات المكيّفة- أخانا إيتسيك، لا تقلق، نحن معك، نحن أيضًا نريد اقتصادًا إنسانيًا.

النداءات التي أطلقها المتظاهرون في الشوارع كانت مغايرة تمامًا للروح التي انطلقت من المنصّة. فقد صرخوا بأعلى صوتهم "ثـورة"، وكلمة "ارحل" عبّرت عن قاسم مشترك لكثيرين طالبوا نتنياهو بالاستقالة. كانت هذه أكبر مسيرة عدم ثقة عرفتها إسرائيل منذ قيامها، وقال الشعب فيها كلمته لمنتخَبيه: إنّكم لا تكترثون بنا، لن نسمح لكم بمواصلة نهجكم السياسي حتّى 2013، فشلتم، ارحلوا فورًا! ومن الجهة الأخرى، واصل المتحدّثون على المنصّة خطاباتهم المهذّبة والرسمية، وأضاعوا الرسالة الثورية للمسيرة. لا مكان للخطأ، فقادة الحركة الاحتجاجية لا يثقون بنتنياهو، لكنّهم يخشون التصريح بآرائهم، وبذلك يهدّدون مستقبل الحركة الاحتجاجية.

اسألوا الفلسطينيين او الاطباء!

نتنياهو هو سياسي مجرّب وخبير ويقظ، وهو حسّاس جدًّا لأيّة هزّة يمكن أن يتعرّض لها منصبه السياسي، لأنّه خسره في السابق، ونتيجة لذلك تبنّى الشعار الذي خدمه في الانتخابات الأخيرة: "بيبي تغيّر!". لكبح الهزّة التي تهدّد منصبه هذه المرّة، ألقى بعظمة للمتظاهرين- لجنة من 18 وزيرًا، وإلى جانبها لجنة من 22 خبيرًا برئاسة البروفسور المشهود له بالحس الاجتماعي، منويل تراختنبرغ. قبل شروعهم بالمفاوضات مع مندوبي نتنياهو- لان نتنياهو شخصيًا لن يقابلهم- نقترح على شباب روتشيلد استشارة أشخاص سبق لهم المرور بمثل هذه التجربة.

لنبدأ بأبو مازن، الذي ذاق الأمرّين، وبالتأكيد لديه بعض النصائح التي يمكنه أن يسديها لقادة الاحتجاج. إذا كان أبو مازن لا يتمتّع بالمصداقية الكافية، لكونه عربيًا يطره إسرائيل، يمكن الاستعانة بالرئيس الأمريكي أوباما. وإذا رفضتم أوباما أيضًا لكونه محبًّا للعرب، يمكن ببساطة التوجّه إلى أشخاص منّا وفينا، إلى الأطبّاء الذين يضربون منذ 140 يومًا من أجل الحصول على أجر يتساوى مع أجر الممرّضات، ولم يحصلوا على شيء حتّى الآن، كما حدث مع العاملين الاجتماعيين من قبلهم.

قبل لقاء القمّة المرتقب بين المحتجّين وموظّفي الحكومة، أعلن وزير المالية شتاينتس أنّه على ضوء الأزمة الاقتصادية العالمية، احتمالات المتظاهرين لتحقيق مطالبهم ضئيلة للغاية. سيصغي الخبراء لهم، لكن على المحتجّين أن يأتوا إلى اللقاء بمطالب معقولة، تتلاءم مع النهج الاقتصادي الإسرائيلي، الذي أثبت استقراره بخلاف الاقتصاد الإسباني واليوناني وحتّى الأمريكي. يردّ شتاينتس على الشباب الذين يطالبون "بإعادة الدولة لهم"، بأنّه إذا حقّق مطالبهم ستتدهور إسرائيل وتصل إلى الوضع الذي وصلت إليه إسبانيا. بكلمات أخرى: لدينا الأموال التي يمكن أن تحقّق مطالب المحتجّين، لكنّنا إذا وزّعناها لن يبقى ما نوزّعه، لذا من المفضّل أن لا نعطي شيئًا.

لا يثق الشباب المحتجّون بشتاينتس، ويعتقدون أنّه مراوغ. المشكلة أنّ ما يقوله شتاينتس هذه المرّة ليس مراوغة. الاقتصاد الإسرائيلي فعلاً على شفا الهاوية، لأنّ الحكومة باعته للرأسماليين. اشترى الرأسماليون الدولة بأموال المتظاهرين، بدون إذنهم. أموال الشعب مستثمَرة في شركات الرأسماليين، الذين استغلّوا أموال الشعب لبناء البنايات الفخمة في موسكو وبودابست وحتّى في لاس ڤيغاس. بهذه الأموال وباسمنا، اشترى الرأسماليون أسهمًا من البنوك السويسرية وعقدوا صفقات مريبة من المفروض أن تغنينا جميعًا. إلاّ أنّ هذه الاستثمارات، التي تحمل طابع المضاربات في الأسواق المالية، تتأثّر بما يحدث في الولايات المتّحدة، فنرى قيمتها ترتفع اليوم وتهبط غدًا. عندما يربح الرأسماليون فإنّنا نحصل على بعض الفتات، وعندما يخسرون فإنّنا نخسر كلّ شيء.

ماذا عن السلام؟

من الجدير أيضًا أن يتذكّر قادة الاحتجاج ميزانية الدفاع، التي حاولوا حتّى الآن تجاهلها. لا فائدة من صياغة قائمة بالمطالب والبحث عن مصادر لتمويلها بدون الحديث عن ميزانية الدفاع الضخمة. إذا أرادت قيادة الاحتجاج بأن تصبح إسرائيل كالسويد، وهذا أمر ممتاز، يجدر بها أن تتذكّر متى خاضت السويد حربًا في المرّة الأخيرة. الولايات المتّحدة بخلافها، تخوض حربين في العراق وفي أفغانستان، أدّتا إلى تدهور اقتصادها إلى ما هو عليه الآن. بكلمات أخرى، أصدقائي وصديقاتي الأعزّاء، دعونا من السذاجة. لا يمكن الاستمرار في الاحتلال والمستوطنات وفي نفس الوقت العيش في دولة رفاه. صحيح أنّ الاحتلال مسألة عليها خلاف ويمكنها أن تهدّد الشعور "الجميل" بالوحدة، لكن لا مكان للخطأ، طالما تشبّثت إسرائيل بالأراضي المحتلّة فلا احتمال بأن تكون سويد الشرق الأوسط.

في الخلاصة أقترح تصديق شتاينتس، فادّعاءاته يمكنها أن تساعد الحركة الاحتجاجية. الأزمة التي تعاني منها الولايات المتّحدة هي نتيجة للنهج الاجتماعي الاقتصادي الذي أوتي به إلى هنا ويُطبَّق بحذافيره على يد كلّ حكومات إسرائيل في العشرين سنة الأخيرة. حزب العمل وكديما والليكود- تختلف لأوّل وهلة في المسألة السياسية- السلام مع الفلسطينيين، لكنّها تتّفق في توجّهها الاقتصادي، ويقف في طليعة هذا الإجماع عميد بنك إسرائيل، ستانلي فيشر.

يجب أن يقولها قادة الاحتجاج بوضوح وبأعلى صوتهم- اقتصاد السوق يشكّل خطرًا على الديمقراطية! يؤدّي إلى البطالة والفقر والتعصب القومي والمحافظة، ويتيح لمجموعة صغيرة من الرأسماليين الذين لم ينتخبهم أحد، تقرير مصير الشعب. يؤدّي النهج النيوليبرالي إلى فوضى سياسية واجتماعية، وهو الذي أوصل اليونان وإسبانيا وإيطاليا وأيرلندا والولايات المتّحدة إلى حافّة الهاوية. هذا هو النهج المتّبع في إسرائيل، ولذلك يجب تغييره. هذا الأمر يتطلّب جرأة ونزاهة واستعدادًا لمواجهة الواقع. إذا لم نقم بذلك، سيتمكن نتنياهو وحلفاؤه من التغلب على الاحتجاجات. هناك حاجة لثـورة، وعلى نتنياهو أن يرحل. هذه إرادة الشعب الذي شارك بأعداده الهائلة في المسيرة بتل أبيب.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__417/المنصّة_لم_تمثّل_روح_المظاهرة_بتل_ابيب
20.11.2017, 19:11