تاريخ النشر ٢٦/٠٧/٢٠١١

حزب دعم

الثورة العربية وتحدياتها السياسية

وثيقة المكتب السياسي لحزب دعم العمالي والتي تم اقرارها في اجتماع اللجنة المركزية في حيفا 17 تموز 2011. تقيم الوثيقة علاقة بين الثورات العربية وتعتبرها محطة فاصلة في عملية سقوط "النظام العالمي الجديد" والتي بدأت بسقوط الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات.

يولي "حزب دعم العمالي" كمنظمة عمالية اشتراكية اهتماما وأهمية قصوى للثورات العربية بكل خصوصياتها. فرغم الفرق بين الدول من حيث التركيبة السكانية، الجغرافية، الثقافة السياسية وتاريخها الخاص، فان القاسم المشترك الذي يجمعها يفسر انتشار الثورة من دولة الى اخرى، عمقها ومكونات صمودها. انها ثورة ضد نظام استمر عقودا طويلة، يميزه الاستبداد، الفساد والتخلف الاجتماعي بأشكاله المتنوعة. ومن هنا احتل شعار "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية" صدارة الحراك الجماهيري الذي ادى الى اسقاط الانظمة في مصر وتونس ويتم تكرار نفس المطلب في سائر الدول العربية الثائرة.

ان سقوط النظام القديم هو جزء لا يتجزأ من اضمحلال النظام الكوني الذي تشكل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. ان النظام العربي الحالي ليس سوى احد افرازات نظام القطبين الذي انبثق عن هزيمة المانيا النازية وبروز القطبين المتنافسين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وكنا في وثيقة المؤتمر الرابع للحزب في اواخر 1999، قد حددنا ان انهيار الاتحاد السوفييتي "يعجل بانهيار النظام الرأسمالي" (صفحة 75)، وقلنا ايضا ان ما بشر باختفاء المنظومة الاشتراكية كان بداية انهيار النظام العالمي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

سقوط النظام العربي القديم يحدث في وقت تعصف فيه ازمة الديون بعدد من الدول الاوروبية وبالولايات المتحدة نفسها. وتهدد هذه الازمة استقرار الاتحاد الاوروبي نفسه وعملة اليورو التي تربط بين اعضائه. وقد تراكمت الديون والعجز في ميزانية اهم واكبر الدول الرأسمالية لدرجة لا تمكّنها من الاقتراض ومن تسديد ديونها للبنوك الكبيرة، الامر الذي يهدد الجهاز المصرفي العالمي برمته.

ان رد فعل البنوك الكبيرة هو اشتراط المساعدات المالية للدول بانتهاج سياسة تقشفية مثل فصل موظفين في القطاع العام، رفع الضرائب، رفع سن التقاعد، واجراء تقليصات في كل مرافق القطاع الخدماتي مثل الصحة، التعليم، السكن، وغيره من المساعدات التي تضمن رفاهية المواطن. وتؤدي هذه السياسة الى تحركات جماهيرية وعمالية ضخمة في دول مثل اليونان واسبانيا حيث ترفع شعارات تشبه شعار الثورة المصرية "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية". فما يقوله المواطن في هذه الدول هو ان الحكومة تخضع لنفوذ رأس المال، وان السياسيين اصبحوا رهينة للشركات الكبرى مما أفرغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي وهو سيادة الشعب.

بعد 40 سنة من تصفية دولة الرفاه والانتقال الى اقتصاد السوق الحرة وتطبيق النهج الليبرالي الجديد، وصلت الرأسمالية الجديدة الى طريق مسدود. ان غياب دور الدولة، الاعفاءات الضريبية للأغنياء، الفساد، تقليص القطاع العام والخصخصة، كلها ادت الى افقار الدولة والمواطن والى فجوات اجتماعية تهدد استقرار النظام السياسي برمته. ان ما حدث في مصر، تونس وسورية ليس سوى احد اشكال هذه الازمة، ولكنها وصلت الى درجة الثورة بسبب طبيعة النظام العربي الاستبدادي الذي قمع كل اشكال التعبير عن الرأي. ولكن هذا لا يعني ان دولا اخرى مثل اليونان واسبانيا باتت في منأى عن سيناريو شبيه، حيث الطبقة العاملة مطالبة اليوم بان تدفع ثمن السياسة المغامرة التي اتبعتها الانظمة والتي افادت رؤوس الاموال على حساب العمال.

سورية: الثورة تغير المفاهيم

اندلاع الثورة السورية كان مثابة "مفاجأة" تامة، وذلك بسبب التعتيم التام على ما كان يجري في سورية من حراك سياسي معارض للنظام. وبعد اندلاع الثورة في كل من مصر وتونس كان الاعتقاد السائد بان مثل هذه الثورات لا يمكن ان يحدث في سورية لأكثر من سبب. السبب الاول حدده بشار الاسد نفسه في المقابلة الشهيرة لصحيفة "وول ستريت جورنال" من تاريخ 31 يناير 2011 (بعد اندلاع الثورة المصرية) قال فيها ان النظام المصري والتونسي سقطا بسبب دعمهما لأمريكا ولإسرائيل ولكن الشعب السوري يدعم موقف حكومته المعادي للاستعمار والصهيونية. اما المعارضون للنظام فقد فسروا استحالة الثورة بسبب القمع المفرط للمعارضة، التركيبة الطائفية للمجتمع السوري والخوف من ان اسقاط النظام سيؤدي الى فتنة طائفية، اضافة الى التحالف بين الطغمة العلوية الحاكمة والتجار السنة الكبار في كل من دمشق وحلب.

وقد استند النظام السوري على دوره الاقليمي كمحور رئيسي لدول الممانعة التي ارتكزت على محور طهران – دمشق. وقد حظي هذا المحور بتعاطف الجماهير العربية التي سئمت من سلوك الانظمة التابعة لأمريكا تجاه الغزو الامريكي للعراق ووحشية الاحتلال الاسرائيلي خاصة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000. وقد انجر اليسار العربي برمته وراء هذه السياسة اعتمادا على الموقف التقليدي الذي يدعم الدول المعادية للامبريالية في حربها ضد اسرائيل وامريكا، بغض النظر عن السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تنتهجها هذه الدول تجاه شعوبها.

وقد ادى هذا الفصل الغريب بين السياسة الخارجية والداخلية الى انهيار المعسكر الاشتراكي. واذا كان اليسار دعم الاتحاد السوفييتي رغم انعدام الديمقراطية، فكان المبرر حينها الدفاع عن مكتسبات الثورة الروسية التي ضمنت الرفاه الاساسي بمكان عمل، صحة، تعليم مجاني وتحريم الملك الخاص الذي منع نمو شريحة ضيقة من اصحاب الرساميل. اما عندما نتحدث عن سورية او ايران فهنا الوضع مختلف تماما. فسورية دولة رأسمالية فيها فجوات اجتماعية واسعة، وهي محكومة من قبل زمرة رأسمالية تابعة لعائلة واحدة استولت على الحكم وعلى الدولة.

اما بكل ما يتعلق بايران، حزب الله وحماس الذين حظوا بتعاطف واجماع من قبل كل التيارات العلمانية، الليبرالية واليسارية فوجه الغرابة اكبر كون هذه القوى الاسلامية تعتمد على مذهب ديني، عنصري، طائفي وقمعي لا يعترف بالديمقراطية، او ارادة الشعب وما يميزه هو موقفه المتخلف من مكانة المرأة في المجتمع. مقاومة ايران وحلفائها لامريكا وإسرائيل كانت بهدف بسط سيطرتها على العراق، لبنان وشرق الجزيرة العربية، وليس تحرير الطبقة العاملة والفقراء من النظام الرأسمالي الظالم وتحرير المجتمع من الفقر والتخلف.

ان المعيار الحقيقي لتحديد الموقف من أي نظام ليس موقفه من امريكا او اسرائيل بل موقفه من شعبه. فلا يمكن لنظام ان يقمع شعبه بهذه الشراسة ويستغل موارد البلد لصالح العائلة الحاكمة، ويفضل طائفة على طائفة اخرى، ويحرم كل انواع التعبير السياسي - ان يكون صادقا في دعم حرية شعب آخر. ان الموقف من امريكا واسرائيل لم يكن ابدا موقفا مبدئيا بل سياسة مدروسة من اجل ادامة النظام وخلق الانطباع بان اسرائيل وامريكا هما المصدر لكل مصائب الشعوب وهذا الى حد ما صحيح ولكن هذه ليست كل الحقيقة، فالنظام هو المسؤول المباشر امام الشعب وما اثبته النظام السوري هو عدم اكتراثه بحياة المواطن السوري ولا بحقوق الشعب الفلسطيني، وكل ما يهمه هو الارباح، الامتيازات والسلطة المطلقة التي يتمتع بها.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والتغيير العام في الساحة العالمية واستنادا للتجربة النضالية للشعب الفلسطيني، كان علينا كحزب ان نفحص البرنامج السياسي والاقتصادي للقوى التي تواجه امريكا وإسرائيل قبل ان نحدد موقفنا منها. ان برنامج فتح "التحرري" انتهى بخيبة امل كبيرة بعد ان تبين ان هدفه ليس سوى اقامة نظام رأسمالي فاسد، كذلك فعلت حماس في غزة حيث بنت لنفسها إمارة اسلامية تتنافى مع مبادئ الديمقراطية، ومشروع حزب الله ليس مناهضا للرأسمالية بل طائفيا رأسماليا مستعدا للتحالف مع كل القوى البرجوازية الفاسدة ما دامت تخدم اهدافه الفئوية الضيقة.

ان ثورة الجماهير ضد النظام السوري هي تطور طبيعي يتماشى مع سيرة تاريخ الشعوب العربية والشعوب في شتى انحاء العالم، التي تناضل من اجل تحقيق مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ان امكانية التدخل الامريكي موجودة دائما ولكن هذا ليس سببا للامتناع عن دعم الجماهير الثائرة التي لا تحبذ امريكا بل تسعى لإسقاط النظام الرأسمالي السوري الظالم الذي احتكر الموارد القومية لصالحه، وجرّد الشعب من حقوقه الاساسية ومن خيرات بلده.

صراع الطبقات في مصر

ثورة مصر هي دون شك من اعمق الثورات التي شهدتها المنطقة العربية من ناحية المشاركة الجماهيرية الكبيرة، وضوح شعاراتها وهدفها الاساسي إسقاط النظام الذي حكم مصر بأشكاله المختلفة منذ ثورة الضباط في سنة 1952. ولكن قيادة الثورة ليست متجانسة، ولا حزب قيادي لها، فقد استخدمت شبكة التواصل الاجتماعي لتنظيم نفسها والميزة الاساسية لها انها ثورة "الشباب". فإذا تميزت "الثورات" العربية حتى الآن بقيادة ضباط الجيش، الامر الذي منع قيام نظام ديمقراطي قائم على التعددية الحزبية، فهذه المرة لم يكن للثورة عنوان سياسي واضح سوى ائتلاف فضفاض من عشرات المنظمات المختلفة، مما اضطر الثوار للقبول بالجيش مجددا كسلطة انتقالية لتحل محل الرئيس المخلوع.

في أول مقال لنا عن الثورة المصرية اخترنا العنوان "من سيقطف ثمار الثورة"، فقد كان واضحا ان شبكة التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" لا يمكن ان تحل محل حزب سياسي. وكان واضحا بان امامنا ثلاثة لاعبين رئيسيين: الجيش بحكم دوره السياسي الجديد، الاخوان المسلمون بحكم تنظيمهم المنتشر على طول البلاد، وبقايا النظام البائد. وقد حظي الجيش بالإجماع بعد ان اتضح ان تدخله وحده القادر على حقن الدماء ومنع مصر من بلوغ المشهد السوري الدموي. وإذا كان الشعار "الشعب والجيش يد واحدة" وسيلة لتجنب الصدام الدموي إلا انه لم يعبر عن الواقع بشكل دقيق، فالجيش هو جزء مهم من النظام القديم.

ورغم المكاسب الكبيرة التي انجزتها الثورة وعلى رأسها الانفتاح الديمقراطي بكل ما يعنيه من حرية التعبير، حق التظاهر، حق تشكيل احزاب وحق التنظيم النقابي، الا انه بعد ان فرغ الميدان اتضح ان الجيش والإخوان ورموز الحزب الوطني المنحل قد توحدوا ضد الثوار. اتضح ذلك من خلال الجدل حول الدستور والانتخابات الذي اعقب استعجال الجيش لتعديل الدستور لتسيير الانتخابات دون تحديد حريات اساسية، طبيعة النظام السياسي سواء برلماني او رئاسي، ومضمون النظام الجديد مدني او ديني ودور الجيش فيه.

وجاء الاستفتاء على الدستور ليؤكد ما كان معروفا مسبقا، وهو ان الثوار لا يتمتعون بالأغلبية فالشعب صوّت بنسبة 78% لصالح الاخوان المسلمين وحلفائهم. ان هذه الحالة ليست جديدة بل سبقتها حالات تاريخية مشابهة وعلى رأسها تجربة ثورة اكتوبر الاشتراكية عندما قام العمال بقيادة حزب لينين بالاطاحة بالنظام القديم، ولكنهم هزموا في الانتخابات للجمعية التأسيسية في يناير 1918، كون الفلاحين هم الاغلبية الساحقة من المجتمع. وكان رد فعل لينين حل البرلمان وعدم الاعتراف بالنتائج خوفا من ان تخسر الطبقة العاملة ثورتها. وكانت النتيجة حربا اهلية، انهيار الاقتصاد، وفاة العديد من كوادر الحزب في الحرب وانتهى الامر اخيرا بوصول ستالين للحكم.

من الواضح اذن ان مصر تمر بحالة شبيهة، ائتلاف شباب الثورة والعمال والطبقة الوسطى المتنورة هم من قام بالثورة وضحى من اجلها، الا انهم لا يتعدون ال22% من المجتمع، وهو ما تؤكده نتيجة الاستفتاء على الدستور. فاذا كانت الاغلبية في روسيا 90% من الفلاحين الاميين ففي مصر يعمل 30% من السكان في الزراعة، ونسبة كبيرة جدا ربما 20% هم عاطلون عن العمل اضافة الى ما يسمى "الفقراء" وسكان "العشوائيات" وهؤلاء لا صلة لهم بالعمال والطبقة الوسطى. ومن هنا يبقى واضحا بان من سيستفيد من الانفتاح الديمقراطي هي حركة الاخوان المسلمين رغم انها لم تبادر للثورة بل كانت في البداية ضدها ثم اضطرت للانضمام اليها ثم خرجت عن صفوفها، ولها اليوم الاحتمال الاكبر في الفوز بالانتخابات القادمة.

اما المعسكر الثوري فهو مكوّن من الائتلاف بين ثلاث طبقات، الطبقة العاملة التي كان لها مساهمة اساسية في اسقاط النظام من خلال نضالاتها المطلبية على مدى سنوات ما قبل اندلاع الثورة ومساهمة حاسمة بعد اندلاع الثورة في 25 يناير. الجناح الثاني مؤلَّف من البرجوازية الليبرالية من نمط الملياردير نجيب سويرس، محمد البرادعي، وحتى عمرو موسى الذي يمثل جناحا من النظام القديم. والجناح الثالث يتمثل بالشباب والطبقة الوسطى من اصحاب المهن الحرة التي تريد مصر ديمقراطية على نمط دولة الرفاه.

ان التناقض الأولي داخل المعسكر الثوري هو بين العمال من جهة وبين "الشباب" والبرجوازية الليبرالية من الجهة الاخرى. ففي حين يواصل العمال مسيرتهم النضالية من اجل تحقيق مطالبهم الاساسية برفع الاجور وتطهير القطاع العام من المدراء الفاسدين، يركز الشباب عملهم على الاحتجاج وعلى المطالبة بتأجيل موعد الانتخابات لمنع الاخوان من الاستيلاء على البرلمان، اضافة لمطلبهم بتطهير النظام من بقايا النظام البائد. يصف الشباب الحراك العمالي "بالفئوي" باعتباره في نظرهم انحرافا عن مطالب الثورة الاساسية وهي نظام ديمقراطي ليبرالي ودستور عصري يكرّس المدنية على حساب الدين.

الشباب الذين عادوا للاعتصام في ميدان التحرير مطالبين الجيش بالقيام بإصلاحات فورية احتراما لرغبة وشرعية الثورة، يواجهون مشكلة حقيقية وهي ان الديمقراطية مؤسسة على سيادة الشعب وإرادته الحرة، ولا يمكن معرفة ارادة الشعب سوى من خلال الاستفتاء، والطريقة الانسب لاستفتاء الشعب هي الانتخابات البرلمانية الحرة النزيهة، ومن يعارض الانتخابات خوفا من نتائجها فهو لا يريد الديمقراطية. مع الفارق الكبير بين الحالتين، الا انه يمكن القول ان ثوار مصر يقفون في نفس الموقع الذي وقف فيه لينين، وقد ذكرنا كيف قام هو بحل المشكلة. ولكننا استفادةًً من التجربة السوفيتية نرى المخاطر الكامنة في استبدال الديمقراطية بالاعتصام الدائم حتى "تتحقق كل المطالب".

ان الاختلاف الاساسي بين الحالة السوفييتية والحالة المصرية هو ان على رأس السلطة يقف الجيش الذي يمثل الثورة المضادة وليس الحزب العمالي الثوري، مما يعني ان المطالبة بتأجيل الانتخابات هو بالفعل مطالبة الجيش بالاستمرار بالحكم ولكن حسب شروط الثوار وهذا بحد ذاته شيء غير معقول، فالجيش لا يمكن ان يقوم بعملية ثورية في حين انه يعارض الثورة بشدة. ان التغلب على الاخوان المسلمين ونفوذهم ليس عملية قصيرة المدى بل مهمة تستوجب فترة تاريخية كاملة، وعمل دؤوب في صفوف الجماهير والعمال، وطرح برنامج سياسي واجتماعي واضح يلبي طموح الناس ويوضح الطبيعة البرجوازية والرجعية للإخوان المسلمين.

لا بد لمصر من اجتياز تجربة الاخوان المسلمين، فإذا فاز الاخوان في الانتخابات واستولوا على الحكم فعليهم ان يديروا البلد وان يكشفوا اوراقهم وبرامجهم. ان الميادين، البرلمان، التحرك النقابي، الصحافة الحرة، هم لا شك وسيلة للدفاع عن الثورة، وفضح كل محاولة من قبل الاخوان لكبح جماح الحركة الثورية. ولا يمكن للشباب ان يعوضوا عن ضعفهم التنظيمي والسياسي من خلال بضعة شهور فقط، انها عملية طويلة المدى وعليهم ان يستخدموا هيبتهم الثورية لكسب ثقة الجماهير.

اما الطبقة العاملة المصرية فلها كل الامكانيات للعب دور اساسي في الثورة، ان العمال المستمرين في نضالهم معنيون بتوسيع رقعة الديمقراطية وعلى الحركة الثورية ان تلتحق بالحركة العمالية بدل اخضاعها لمصالح الطبقة الوسطى والبرجوازية الليبرالية. بامكان العمال شل الاقتصاد، وقيادة سائر شرائح المجتمع في النضال من اجل تحقيق الديمقراطية. ان الاضراب العمالي هو اكثر فاعلية من الاعتصام في الميدان، فهو يضرب بصميم البرجوازية الحاكمة ويعبر عن مصالح عامة الناس وليس عن فئة ضيقة منها.

الانقسام الفلسطيني قائم

اثرت الثورات العربية على الساحة الفلسطينية حيث نشأت حركة شبابية مثقفة استبدلت شعار "اسقاط النظام" بشعار "الشعب يريد انهاء الانقسام"، ولكن كما تبين كان من الاسهل اسقاط نظام عربي من تحقيق المطلب إنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس. كان هذا الشعار مثابة تطلع اكثر من برنامج واضح قابل للتحقيق. ان "انهاء الانقسام" يتطلب الوصول الى اتفاق مسبق بين حركتين لا قاسم مشترك بينهما. ففتح تمضي في طريق المفاوضات مع اسرائيل تحت الرعاية الامريكية بينما تعارض حماس بشدة هذا النهج.

وقد تبين صعوبة تحقيق الهدف، رغم الاتفاق الذي توصل اليه الطرفان برعاية مصرية وجدول العمل الذي كان من المفروض ان يؤدي الى تشكيل حكومة مؤقتة لتسيير الاعمال الى ان يتم اجراء الانتخابات التشريعية خلال سنة. إلا ان امريكا وإسرائيل عارضتا بشدة هذه المصالحة، مما عرقل المفاوضات لتشكيل الحكومة بعد ان هدد الامريكان بوقف المساعدات المالية للسلطة. ان الشرط الامريكي لتمرير هذه المساعدات هو ان يتولى سلام فياض رئاسة الحكومة الامر الذي تعارضه حماس بشدة. وأمام الخيار بين الحصول على المساعدات المالية من ناحية وبني الوحدة مع حماس، تختار فتح حياة السلطة عوضا عن إنهاء الانقسام.

الحقيقة ان الطرفين امام طريق مسدود، فحماس وافقت على المصالحة ليس بسبب الضغط الجماهيري فقط بل بسبب زعزعة وضعها الاقليمي اثر الثورة السورية التي تهدد نظام بشار الاسد، اضافة الى وضع الاخوان المسلمين في مصر الذي تغير وأصبح حليفا للجيش ضد الثورة والتزاماته الجديدة لا تسمح بمواصلة دعم "المقاومة" في غزة. ابو مازن هو الآخر فقد اهم حليف له في العالم العربي وهو مبارك، وكان لا بد له ان يغير موقفه بعد ان اتضح ان المفاوضات مع الحكومة الاسرائيلية وصلت الى طريق مسدود منذ زمن طويل.

ان الحالة الفلسطينية الحالية هي لا مفاوضات ولا مقاومة في نفس الوقت، والشعب الفلسطيني منقسم سياسيا وإقليميا بين حكومتين منفصلتين، اقتصادين منفصلين مما يؤدي الى تعميق الضعف الذاتي ويقوي من موقف الاحتلال. ان المحاولة الفلسطينية للحصول على اعتراف بالدولة اصطدمت بالاعتراض الامريكي مما قلص امكانية تحقيق الهدف، زيادة الى ذلك ليس من شأن هذا الاعتراف ان يغير الوضع على ارض الواقع.

ومن هنا، فأمام الحركة الشبابية الفلسطينية خيارات صعبة للغاية بعد ان اتضح عدم جدوى شعار "انهاء الانقسام"، لأن الحركتين منشغلتان بمصالحها "الفئوية". ان من يعيق حياة الشعب الفلسطيني ليس الانقسام بل النظام الذي يتم التصارع عليه بين فتح وحماس. وهذا النظام هو السلطة الفلسطينية التي ادت الى كارثة حقيقية، فهي سهلت الاستيطان من ناحية وأبقت الاحتلال والحصار وأدت الى حرب اهلية وانقسام دموي كل هدفه السيطرة على هذه السلطة الهزيلة التي اقيمت من خلال اتفاق اوسلو. ان السلطة نفسها هي مصدر كل المعاناة، فهي تسمح لاسرائيل بإدامة الاحتلال دون تحمل المسؤولية المدنية عن السكان، وهي تسمح بوجود سلطة فاسدة متعلقة بمنح مالية وتسمح ايضا بوجود سلطة دينية في غزة تعتمد على اقتصاد الأنفاق. لا طريق للشعب الفلسطيني للتخلص من الاحتلال سوى بإسقاط النظام.

نتانياهو ينافس اليمين المتطرف

كانت سياسة نتنياهو وما زالت العمل على استقرار ائتلافه دون اغضاب شركائه من اليمين، فحتى الآن امتنع عن اتخاذ أية خطوة تجاه الفلسطينيين. وبعد سنة من الجدل مع الامريكان الذي احتد بعد خطاب اوباما الذي اكد فيه ان حل النزاع سيتم على اساس حدود 1967، دخلت المفاوضات الى شلل تام. فإذا كان تفسير اوباما بان الثورة العربية خلطت الاوراق السياسية والزمت امريكا ان تتماشى مع الواقع الجديد، فنتنياهو يرى في الثورات تهديدا استراتيجيا على إسرائيل وفرصة للإخوان المسلمين للسيطرة على الحكم ونشر المزيد من الفوضى في المنطقة.

وقد جلب موقف نتنياهو موجة من الاستنكار والشجب لإسرائيل بسبب استمرار الحصار على غزة والاحتلال في الضفة الغربية. المجتمع الاسرائيلي نفسه منقسم بين معارضين للاحتلال واستمرار السياسة الاستيطانية التي كلفت المجتمع الاسرائيلي التورط في الحروب، ووضع امني مقلق؛ وبين المستوطنين المتطرفين الذين لا يتوقفون عن استفزاز الفلسطينيين بشكل يومي تارة من خلال الدخول لقبر يوسف في نابلس في الليل، او حرق كروم الزيتون او الاعتداء على المواطنين العزل. ان العزلة الدولية التي دخلتها اسرائيل والاحتجاج من قبل المعارضة داخل اسرائيل نفسها، ادت باليمين الى تشريع قوانين ضد الاحتجاج ضد الاستيطان مثل مقاطعة البضائع من المستوطنات.

وإذا كانت بداية التشريع العنصري في الكنيست الذي بادر اليه حزب "اسرائيل بيتنا" موجه ضد العرب بمشاريع قوانين مثل "قانون النكبة"، قانون "لجان القبول" الذي يمنع قبول عرب لبلدات يهودية، قانون لطالبي المواطنة الذي يجبرهم على اعلان الولاء ليهودية الدولة، فاليوم تفرّغ اليمين لتوجيه ضرباته الى عدوه الاخطر وهو ما يسمى اليسار الاسرائيلي نفسه. فاليهود المعارضون للاحتلال والمتعاونون مع الحركة الاحتجاجية في الخارج هم اخطر على اليمين من العرب انفسهم، لانهم يمنحون مصداقية لهذه الحركات التي كان يحلو لاسرائيل ان تصفها دائما باللاسامية.

وما يمنح نتنياهو امكانية الاستمرار في سياسة الجمود والاعتراض على أي اقتراح لاستئناف المفاوضات، هو الاستقرار الامني والاقتصادي التي تتمتع به اسرائيل. لقد استطاع الاقتصاد الاسرائيلي حتى الآن ان يتجنب الازمة الاقتصادية الخانقة التي تصيب اوروبا والولايات المتحدة. ان نسبة النمو الاقتصادي في اسرائيل مرتفعة، نسبة البطالة منخفضة، مؤشر البورصة يعلو يوميا، مما يسمح للطبقة الوسطى المثقفة ان تتمتع بمستوى معيشة مرتفع جدا. وما دامت هذه الشريحة نفسها لا تبالي بالقوانين العنصرية او غير الديمقراطية ومستوى معيشتها محفوظ، يبقى لنتنياهو هامشا سياسيا كبيرا للعب كما يريد.

ولكن وراء هذا الاستقرار والازدهار هناك واقع مختلف تماما، فالقضية الفلسطينية لا يمكن ان تستمر دون نهاية والفلسطينيون يمكن ان ينفجروا من جديد بسبب تدني مستوى حياتهم، السلطة الفاسدة، الحصار المفروض والاحتلال المستمر. الى جانب ذلك فالأزمة الاقتصادية العالمية ستصل عاجلا ام آجلا الى اسرائيل، فاقتصادها مبني على التصدير كون السوق المحلي ضيق جدا. اضافة لذلك فالبحبوحة الاقتصادية لم تصل الى كل شرائح المجتمع فنسبة كبيرة جدا تعيش في ضائقة اقتصادية. ان الاحتجاج الاخير ضد احتكارات الالبان ومقاطعة بعض منتجاتها بسبب اسعارها المرتفعة اثارت ضجة اعلامية كبيرة وأجبرت الحكومة على ادخال الرقابة على اسعار السلع الاساسية.

ان تذمر الطبقة العاملة الاسرائيلية من النظام كبير جدا، فالعامل الاسرائيلي يعمل ساعات كثيرة ولكن المعاشات متدنية مقارنة مع مثيله في اوروبا. ان الفجوة بين الغني والفقير تتسع باستمرار والمرافق الاقتصادية الاساسية تبقى في ايدي الاحتكارات التابعة للعائلات الغنية مما يؤدي لرفع الاسعار في كل مجالات الحياة وإفقار عدد متزايد ممن كانوا سابقا منتمين الى الطبقة الوسطى. من هنا فالشلل الحكومي على الصعيد السياسي، والاعتماد على سياسة اقتصادية تفضل الاغنياء على حساب سائر العمال، سيقودان للانفجار وهي مسألة وقت.

حزب دعم يكرس دوره في صفوف العمال

اكدنا في الدورة السابقة دور وتأثير الثورة العربية على الساحة الاسرائيلية والفلسطينية. لا شك ان الحراك الشعبي الديمقراطي قد اسقط الكثير من المعتقدات السابقة التي قسمت الساحة السياسية بين معسكرين لا ثالث لهما، الموالي لأمريكا ومعسكر الممانعة. وكانت "المقاومة" قد احتلت عقول الجماهير وتحديدا الشباب منها، مما عزل حزبنا الذي اعتمد على الخيار الثالث، خيار الطبقة العاملة، وهو البرنامج الاجتماعي كوسيلة لتغيير الانظمة بلا استثناء من اجل مواجهة امريكا واسرائيل.

اليوم وبعد عقد من الزمن بدأنا نتلاقى مع تيارات يسارية غيرت نهجها القديم كما تبين من زيارتنا الى مصر، وتبنت نفس الفكرة التي تبنيناها في مؤتمرنا الرابع وهي ان الطريق للتحرر من الاستعمار يمر من خلال تغيير داخلي ثوري للمجتمع. وإذ تشكل هذه القاعدة سببا اساسيا لفتح حوار وتعاون مع قوى اليسار العربي، فما زال دور اليسار في تنظيم الطبقة العاملة سياسيا هو الامتحان الحقيقي له. ان السؤال الجوهري المطروح اليوم في مصر وفي كل مكان هو - هل ينحاز اليسار للطبقة الوسطى ويكتفي بدور ثانوي للعمال او انه سيسعى لاحتلال الساحة السياسية من اجل نظام ديمقراطي وعادل اجتماعيا بقيادة الطبقة العاملة؟

اما على الساحتين الفلسطينية والاسرائيلية، فالطبقة الوسطى تجد نفسها بعيدة جدا عن الطبقة العاملة، ولا فكرة لها عن حيوية بل ودور التنظيم النقابي والحزب العمالي في التغيير الاجتماعي. ان سقوط معسكر الممانعة واندلاع الثورة في سورية والتحولات الثورية في مصر لم تؤثر حتى الآن على الجماهير العربية في اسرائيل. ورغم كل الشكاوى والاحتجاج فالطبقة الوسطى العربية في اسرائيل تعيش في وضع اقتصادي جيد ومنهم المقاولون، اصحاب المهن الحرة، المعلمون، اصحاب المشاريع الصغيرة، او الموظفون الحكوميون، كلهم يتمتعون بشبكة الضمان الاجتماعي الاسرائيلية ويستفيدون من البحبوحة الاقتصادية.

حزب دعم قرر منذ انشائه توجيه كل جهوده السياسية والتنظيمية نحو الطبقة العاملة. ومن هنا فمهمتنا الاساسية هي تنظيم العمال من ناحية وتجنيد الشباب المثقف الثوري ليساهم في بناء الحركة العمالية. ان الثورة العربية واضطلاع العمال بدور هام فيها من الممكن ان يفتحا آفاق جديدة امام العمال والمثقفين العرب الذي يريدون الخروج من الوضع المزري الذي آل اليه المجتمع العربي. ان العنف في صفوف الشباب، الاقتتال العائلي، وضع المرأة، المستوى الخدماتي المتدني، وضع المجالس المحلية، وضع التعليم وفقدان كل نشاط ثقافي – جميعها تتطلب تغييرا جذريا من خلال بناء اطر نقابية، شبابية وحزبية تعتمد على النشاط في صفوف العمال.

وقد جاء اضراب عمال كسارة سلعيت في الضفة الغربية، والمنظمين في نقابة معا العمالية، ليضع النقاط على الحروف. فهذا العمل التنظيمي الذي استغرق أكثر من اربع سنوات يشكل سابقة تاريخية في 40 سنة من الاحتلال. انه يبرز دور الطبقة العاملة، حيوية وروح العطاء لدى العمال، استعدادهم للمواجهة، قدرتهم على جذب تعاطف المجتمع الفلسطيني والإسرائيلي والدولي، ويشكل بديلا عن العمل الاحتجاجي الذي يفتقد البرنامج السياسي ويصب في خدمة سلطة رام الله حينا وسلطة غزة حينا آخر.

اما في صفوف اليسار الاسرائيلي فنطرح اليوم خيارا جديدا ينظم العمال اليهود والعرب والنشيطين اليساريين، ويفتح امام المجتمع الاسرائيلي أفقا جديدا اساسه بناء مجتمع ديمقراطي خالٍ من العنصرية والتمييز على اساس الدين او القومية. اننا نقدم نموذجا لمجتمع جديد، وهذا ما يجلب اهتمام وإعجاب نشيطين ومثقفين اسرائيليين يبحثون عن طريق جديد لمواجهة العنصرية واليمين والاحتلال. اننا نضع امام من يعتبر نفسه يساريا طريقا جديدا بعيدا عن "القبلية الصهيونية" التي تسيطر للأسف الشديد على جزء كبير مما يسمى اليسار الاسرائيلي.

ان ما نراه من ازمة على نطاق عالمي، وما يحدث حولنا من تغييرات ثورية، يفتح المجال واسعا امام تنشيط الطبقة العالمة من جديد كما كان الحال قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. هذا ما توقعناه وتأملناه، هذا ما استعددنا له، واليوم بدأ هذا الطموح يتحقق ولا بد ان يؤثر على المجتمع الاسرائيلي والعربي على حد سواء. حان الوقت لمزيد من النشاط، مزيد من التنظيم، مزيد من نشر موقفنا السياسي وتكاتف الجهود لإنجاح اضراب عمال سلعيت الذين يستحقون كل الدعم ويفتحون الطريق امام الطبقة العاملة كلها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__415/الثورة_العربية_وتحدياتها_السياسية
15.12.2017, 15:12