تاريخ النشر ٠٦/٠٧/٢٠١١

ثقافة

تخطّي حدود السجّادة

داني بن سمحون

معرض فاطمة شنان، "أرجوان"، يُعرض في هذه الأيّام في دار عرض الفنون في مركز التخليد في كريات طڤعون، إلى جانب فنّانتين شابّتين أخريين، يعيل يوهاس وعلما سنيئور. قيّمة المعرض: تالي كوهين چاربوز.

فاطمة شنان، أنهت سنة 2010 بامتياز دراستها للّقب الأوّل في معهد الفنون في كلّية أورنيم. وكجائزة على تحصيلاتها التعليمية، حازت على فرصة لمعرض فردي أوّل في دار عرض الفنون في مركز التخليد في كريات طڤعون.

رغم سنّها الصغيرة (25 سنة)، نجحت شنان في عرض أعمالها في عدّة معارض جماعية، منها "وجهًا لوجه" ومعرض مشترك لخرّيجي تعليم الفنون في بتسيلئيل وأورنيم وجامعة حيفا. كان المعرض في الكنيسة المورمونية في القدس. عُرضت أعمال شنان أيضًا في المعرض السنوي "خبز وسوسن" في معرض منشار في تل أبيب وفي صالون يافا للفنّ الفلسطيني وفي "أحمر وحلو وقابل للكسر" في مركز الثقافة والفنون في الناصرة، وفي معرض چابو وفي معرض دنئيل في تل أبيب.

تحوي رسومات فاطمة شنان عنصرين مركزيين في الثقافة الشرق أوسطية: السجّاد والمسابح. في ورقة المعلومات التي ترافق المعرض تقول قيّمة المعرض، كوهين چاربوز: "كيف نتحدّث عن أدوار النساء في المجتمع التقليدي الأبوي. ريشة الفنّان ليست سلاحًا ولا حتّى نول نسيج. لا يوجد لهذه الريشة دور أو فائدة سوى تلبية الاحتياجات الروحية لدى الرسّام والمشاهد. أعمال الرسم التي تنتجها فاطمة شنان هي عمل يدوي متآمر، يكشف الجمال إلى جانب الأسف، بطريقة تتيح الحديث عن كليهما".

في معرض أرجوان الذي في دار العرض في طڤعون، تعرض فاطمة 15 رسمة زيتية على قماش، التي رسمتها بتقنية تصويرية رمزية للرسم من خلال التأمّل. وكأنّ أعمالها تصطحب المشاهدين في جولة في يوم شمسي في أزقّة القرية التي ولدت فيها، جولس في الجليل الأعلى، التي تسكن فيها حتّى اليوم.

في معظم الرسومات تظهر سجاجيد ملوّنة تقليدية. قسم منها موضوع في مكانه الطبيعي، داخل البيت، وسجاجيد أخرى معلّقة في الشرفة لتهويتها، تزيّن بيوت الحيّ. لأوّل وهلة، تبدو رسومات شنان شاذجة ومستساغة للعين. رسومات زيتية غنيّة بالألوان والضوء، السجاجيد مرسومة بتفاصيلها، وأحيانًا بطريقة مبالغ فيها، وكأنّها تنسجها من جديد بواسطة ريشتها. لكن عندئذ، وكأنّها تضع تحدّيًا أمام المشاهد، نرى طفلة ترسم مربّعات لعبة كلاس على سطح السجّادة الغالية الثمن، أو نلاحظ الصورة الذاتية للفنّانة تقف معرّضة للشمس إلى جانب سجّادة حمراء، مكشوفة الشعر بدون غطاء ومطأطئة الرأس.

بشجاعة نادرة، توجّه شنان تأمّلاتها، كسكّين الجرّاحين، إلى داخل المجتمع الذي تعيش فيه. تستعمل شنان "حفل" تهوية السجاجيد ككناية لتسليط الضوء على المسائل الموجودة في طيّ الكبت وعدم الوعي. تجلب شنان إلى مركز الحلبة أنماط العلاقات المسيطرة للرجل على المرأة والتدخّل السافر للمجتمع في حياة الفرد.

الطفلة التي تلعب الكلاس على السجّادة تتحدّى المكان الطبيعي الذي حدّده الكبار لها. تعترض على الحيّز الحياتي الذي خصّصه لها المجتمع كطفلة وكإمرأة. تتمرّد على الدور الذي رصده لها المجتمع التقليدي والأبوي، وترغب في تحديد الأهداف والحدود لننفسها. شنان لا تتنازل وتواصل الهجوم على نظرة المجتمع المبالغ فيها إلى الجمال الخارجي وإلى رموز المركز الواهية. تعليق السجّادة لتهويتها لا يتمّ إذًا، من أجل تلميعها وإنّما كجزء من مراسم وحوار طبقي داخل المجتمع.

الجانب الآخر من النقد الذي تعبّر عنه أعمال شنان، هو الألم الذي يظهر بهدوء وسكينة، في صورة المرأة التي تقوم بدورها بصمت، يومًا تلو الآخر، وتدفع ثمن محو شخصيتها وفقدان طفولتها وشبابها في مجتمع يواصل ممارسة علاقات القمع الداخلية.

اختيارات شنان هي مميّزة ودقيقة، سواء في المضامين أو في التقنية- اختيار الرسم من خلال التأمّل. الرسم التصويري الرمزي والألوان الحادّة والمنظر البحر متوسّطي، جميعها بمثابة إغراء يجذب المشاهد، حتّى ذلك المشاهد الذي لم يتعلّم الفنّ، إلى عالم الفنّانة. من خلال التأمّل، يكتشف المشاهد التناقض الذي تتحدّث عنه، ويشعر من خلال طبقات الألوان والزخرفة، مصادر الألم ومشاهد التمرّد.

الشباب العرب في إسرائيل يعيشون في صراع دائم، ويراوحون بين الحرّية والاستقلالية التي تتيحها لهم شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وبين الثوابت الداخلية المحبطة التي يؤمن بها المجتمع التقليدي والتضامن الحمائلي والعائلي. من جهة ينبغي عليهم الانصياع للوالدين والكبار المحافظين، ومن جهة أخرى، مثلهم مثل شباب العالم، يبحثون عن تحقيق ذاتهم واستقلاليتهم. ربيع الشعوب العربية، الذي أبرز دور الشباب في تشكيل المجتمع، يُثبت أنّنا في خضمّ عملية التغيير، التي ستنال منها فاطمة شنان ورفاقها بطبيعة الحال.

س: ما هي دلالة اسم المعرض، أرجوان؟

شنان: "عملت على هذا المعرض منذ إنهاء دراستي في شهر تموز 2010 وحتّى قبيل افتتاح المعرض في شهر أيّار 2011. يعتمد المعرض على سلسلة أعمال رسمتها خلال السنتين الدراسيتين الثالثة والرابعة في أورنيم. بفضل الجائزة التشجيعية التي حزت عليها استطعت أن أختار المرشد الذي أريده، وفضّلت الفنّان فريد أبو شقرة، الذي ساعدني في بلورة أسلوب أعمالي.

يشير اسم المعرض إلى اللون السائد الذي يظهر في السجاجيد التي رسمتها. الأرجوان هو نوع من اللون الأحمر، الذي يحوي تناقضًا داخليًا. من جهة هو لون شارات التحذير والإنذار، ومن جهة أخرى هو لون المحبّة والحياة. هذا التناقض يسير جنبًا إلى جنب مع التناقض التي تنطوي عليه الرسومات. لون وجمال السجّادة يظهران كمضلّلين عندما نقترب ونرى ما الذي يحدث هناك فعلاً. يتحوّل إدراكنا عندما ندرك أنّ خلف جمال السجاجيد وزخرفتها شيئًا مغايرًا".

س: ما الذي تمثّله السجاجيد بالنسبة لك؟

شنان: "رسومات السجاجيد هي تطوير لموضوع بدأت الاشتغال فيه في السنة الثالثة من دراستي. بدأ ذلك من طفلة ترسم الكلاس على شارع الإسفلت، ثمّ انتقل إلى طفلة ترسم بالطبشورة على السجّادة. في المجتمع الدرزي الذي ترعرعت فيه هذا الأمر محظور. السجّادة هي غرض غالي الثمن والقيمة، والنظرة إليها مبالغ فيها، يُمنَع الدوس عليها وتوسيخها، والنساء يعتنين بها باستحواذ، ينظّفن وينفضن ويفركن. لدينا عادةٌ تقضي بأنّ على النساء إخراج كلّ السجاجيد أسبوعيًا إلى خارج البيت وتهويتها، لتبدو أفضل وتلمع. المسّ بالسجادة يمكن أن يعتبر تمرّدًا، تمرّد طفلة لا يسمحون لها باللعب خارج البيت، وهذا بالنسبة لي أمر طبيعي وأساسي في تطوّر الطفل وجزء من حاجاته."

في الحديث الذي سبق افتتاح المعرض، قالت إحدى الحاضرات من قرية شنان: "تحوي سجاجيدنا كمّية ڤيتامين دي أكبر ممّا في أجسام النساء الدرزيات، لأنّ السجاجيد تتعرّض للشمس ولعلاج أفضل ممّا نتلقّى نحن". "إنّني أتّفق معها تمامًا"، تقول شنان. "تتطرّق أعمالي إلى قمع الفرد، وخاصّة المرأة في المجتمع الأبوي العربي والدرزي الذي نعيش فيه، وفي الشرق الأوسط عامّةً. يربّوننا لمواصلة التقاليد، ولنكون عند حسن ظنّ المجتمع. هذا صحيح بالنسبة لكلّ الشباب لكنّ النساء يعانين من ذلك بشكل خاصّ. يتحكّم المجتمع بالمرأة من خلال ممارسة الضغوط الاجتماعية والتقاليد، ولا يتعامل معها كإنسانة ذات أهمّية لها حقّ الاختيار."

"الرسمة الزيتية هي تقنية غربية، لكنّ السجّادة هي رمز للشرق، كالزخرفة والألوان. يمثّل هذا الدمج عمليًا الحوار الذي أجريه بين الشرق والغرب. هذا ليس حوارًا جغرافيًا فحسب، وإنّما حوار بين تناقضات. أنا أسكن في جولس (الشرق) وحصلت على تعليمي في أورنيم (الغرب)، هذا الدمج قائم في داخلي. يظهر في اللقاء مع الأشخاص وفي الإعلام وفي الثقافة واللغة، كلّ شيء لديّ متداخل ومختلط، ولن يكون نقيًّا صافيًا أبدًا. للإعلام الإلكتروني دور ناجع، وكذلك للّقاء بين أشخاص من ثقافات مختلفة، يهود ومسيحيين وأوروبيين وعرب. أتحدّث عبر شبكات التواصل الاجتماعي مع مبدعين وأشخاص من كلّ أنحاء العالم، وهذا يوسّع مداركي ويثير حبّ استطلاعي. أتعلّم كلّ الوقت أشياء جديدة وأتبنّاها في فنّي."

س: يخرج الكثير من الشباب في هذه الأيّام مطالبين بالتغيير. ما رأيك في الثورات الاجتماعية في العالم العربي من حولنا؟

شنان: "ما حدث في تونس وفي مصر فاجأني كثيرًا. شباب ونساء وأطفال، جميعهم خرجوا وقالوا الحقيقة بدون خوف. أخيرًا حدث ما كان يجب أن يحدث منذ زمن، تغلّب الناس، خاصّة الشباب على حاجز الخوف وقالوا ما يرغبون في قوله. هذا ما أريده أن يحدث هنا، في مجتمعنا، أن يكون باستطاعة الناس أن يقولوا ما يفكّرون به بلا خوف."

س: كيف بدأت العمل في الفنّ؟

شنان: "شعرت دائمًا بانجذاب نحو الفنّ ورأيت نفسي رسّامة. والدتي فنّانة ترسم على الزجاج وعلى الأثاث، ولديها دار للعرض تعرض فيها أعمالها. أخي رسّام كاريكاتير. والدي مقاول أعمال ترابية، لكنّه دعم دائمًا طموحاتي الفنّية. سمعت على الدوام حولي الادّعاء: ما هو الفنّ أصلاً؟ إنّه ليس مهنة يمكن كسب الرزق منها. لكنّ ما يهمّني ما دامت عائلتي منحتني دعمها ومساندتها الكاملة.

يتعلّم الأطفال في قريتي الفنّ فقط في المدرسة الابتدائية. عندما بدأت دراستي في المدرسة الثانوية واصلت التعلّم بشكل فردي، لدى المعلّمة التي علّمتني في المدرسة الابتدائية. نظّمت مجموعة من البنات وكنّا نذهب إليها معًا بعد المدرسة. أنهيت دراستي في المدرسة الثانوية الشاملة في جولس، في فرع الإعلام. كان ذلك الفرع الأقرب من الفنّ. تعلّمت القليل عن الڤيديو وتصوير الستيلس. عندما أنهيت الدراسة سجّلت للتعلّم في كلّية الجليل الأعلى في عكّا، وتعلّمت أيضًا سنة واحدة في فرع تصميم الأزياء في ڤيتسو في حيفا. في النهاية، توصّلت إلى استنتاج بأنّ ما أبحث عنه هو الفنّ التشكيلي، وبهذه الطريقة وصلت إلى أورنيم."

والآن، بعد أن أنهيت الدراسة وعدت إلى البيت، كيف ستكسبين رزقك؟

شنان: "هذا سؤال صعب، خاصّة لمن عادت إلى القرية بعد عدّة سنوات من العمل المكثّف في الفنّ. لا توجد في جولس دار للعرض، وليس هناك اهتمام بالفنّ، وكذلك الجانب التجاري غير متطوّر. بشكل عامّ، بيع الأعمال الفنّية يتمّ، إذا تمّ أصلاً، بمحض الصدفة، بحيث لا يمكن الاعتماد على ذلك. في الآونة الأخيرة بدأت بإعطاء دروس خاصّة في الفنّ. لديّ رغبة كبيرة في نقل ما تعلّمته للآخرين. في القرية المجاورة، يركا، افتتحت مؤخّرًا دار للعرض، في بناية المجلس المحلّي. قيّمة دار العرض هي روتي معدّي، وقد عُرضت هناك حتّى الآن ثلاثة معارض لفنّانين من يركا. وفي الوقت الحاضر يُعرض هناك معرض مشترك لرسّامين يهود وعرب، أشارك فيه أنا أيضًا.

يهمّني كثيرًا نجاح دار العرض في يركا، في الأساس بسبب عدم وجود دور كثيرة للعرض في البلدات العربية، ولا يوجد جمهور كبير يزور المعارض. في المنطقة التي أعيش فيها يحتلّ الفنّ أسفل درجات سلّم الأولويات. أؤمن بأنّه يجب البدء في تعليم الفنّ منذ سنّ مبكّرة. هذا جزء من إتاحة الفرصة للأطفال للاطّلاع على أنواع مختلفة من الثقافات. هذا يربّيهم على استهلاك الثقافة بصورة نقدية.

يشكّل الفنّ وسيلة في أيدينا لتخطّي الحدود. إذا تعلّم الفرد التحرّر والإبداع، فإنّ ذلك سيتغلغل إلى المجتمع. الأطفال الصغار سيكبرون، وسيصبح لدينا جيل يمكنه المساهمة في بناء مجتمع أكثر عافية. إنّني أؤمن أنّ تعليم الثقافة والفنّ يمكنه أن يساهم كثيرًا للناس كأفراد وكمجتمع."

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__414/تخطّي_حدود_السجّادة
18.11.2017, 15:11