تاريخ النشر ١٨/٠٦/٢٠١١

شؤون عربية

جذور الثورة السورية

يعقوب بن افرات

تعود جذور "ربيع الشعوب العربية" الى عام 2000، ذلك العام الذي شهد أحداثًا كبرى وشكّل منعطفا تاريخيا. الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في حزيران 2000 كان دون أدنى شكّ، علامة فارقة. 25 سنة من الاحتلال الإسرائيلي ومحاولة لتقرير مصير لبنان، وصلت إلى نهايتها. في تلك الفترة بالضبط، في حزيران 2000، توفّي الدكتاتور السوريّ المستبدّ حافظ الأسد. وبعد أربعة أشهر، في تشرين الأوّل، نشبت الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي دقت آخر مسمار في نعش اتّفاقية أوسلو، وغيرت في الوقت ذاته العلاقات بين الدولة ومواطنيها العرب بعد ان قتلت 13 منهم أثناء مشاركتهم في مظاهرات تضامنية مع إخوانهم الفلسطينيين.

في حينه، اعتُبر الانسحاب الإسرائيلي من لبنان انتصارًا لحزب الله. بالنسبة للمحللين العرب اضطرت اسرئيل للانسحاب تحت ضغط الرأي العام الذي لم يعد يحتمل الخسائر الفادحة التي تكبدها في حرب العصابات. صناع الرأي العامّ الإسرائيلي نسبوا نشوب الانتفاضة الثانية لانتصار حزب الله، الذي ألهم حماس والمنظّمات الفلسطينية المسلحة وأشعرهم بقدرتهم على تحقيق انتصار مماثل.

إلاّ أنّ هذه القراءة للأحداث كانت أحادية الجانب، والحقيقة ان سورية الأسد كانت اكبر الخاسرين من انسحاب اسرائيل. نذكّر بأنه عندما اجتاحت حكومة رابين جنوب لبنان عام 1976، كوّنت الشريط الأمني بالتنسيق مع نظام حافظ الأسد، الذي دخل لبنان لقمع منظّمة التحرير الفلسطينية ومنعها من السيطرة على لبنان. بهذه الطريقة وضع الأسد حدًّا للحرب الأهلية التي دارت هناك منذ سنة 1975، وفرض نفوذه.

بعد الانسحاب وبعد وفاة حافظ الأسد في حزيران 2000، طرأت في كل من لبنان وسورية تطورات موازية: في لبنان علت أصوات تطالب بوضع حدّ للوجود السوريّ في ارضه، وفي سورية نمت توقّعات بأنّ موت الدكتاتور سيجلب معه تغييرًا سياسيًا واجتماعيًا داخل سورية نفسها باتجاه الديمقراطية. ضعف المعارضة السورية يفسر توهم الكثيرين بأنّ تسلّم بشّار الأسد مقاليد السلطة يبشّر بالخير، لكونه شابًّا في الرابعة والثلاثين من عمره وخرّيج جامعة غربية ولم يأتِ من صفوف الجيش. غير ان توريث الحكم لبشّار، كما لو كانت سورية مملكة لا جمهورية، أثار من البداية شكوكًا بشأن قدرته واستعداده لإصلاح النظام.

كان عام 2000 إذن عام التغييرات والتوقّعات. رغم التباينات الأيديولوجية التي تحكم الدول العربية، إلاّ أن المشترك لشعوبها انها جميعا تعبت من الأيديولوجيات، وانهارت تحت طائلة الفقر والتخلّف والفساد والقمع. تحدّثوا في مصر عن "الانفتاح" على الغرب والسلام مع إسرائيل وتبنّي النموذج الرأسمالي النيوليبرالي كمفتاح لرفاهية الشعب المصري. في سورية بخلاف ذلك، كانوا على قناعة بأنّ القومية العربية والنفور من الغرب ومن إسرائيل والتحالف مع إيران وعدم الانفتاح على اقتصاد السوق الحرة، ستنقذ الأمّة العربية من الاستغلال الاستعماري وستعيد لها مجدها القومي. لكنّ النتيجة كانت مشابهة في البلدين: فقر وفساد واستبداد أجهزة الأمن، وكلّ هذه جعلت حياة المواطنين في البلدين غير محتملة.

في نفس العام (2000)، انتفض سكّان الضفّة الغربية وقطاع غزّة ضدّ السلطة الفلسطينية، التي وعدتهم ان اتّفاقيات أوسلو ستكفل لهم الحرية من الاحتلال وارتفاع مستوى المعيشة، إلاّ أنّ الواقع كان مغايرًا. فقد أدّت هذه الاتّفاقيات إلى توسيع المستوطنات وإلى فرض الطوق الأمني في المناطق المحتلّة وإلى تفاقم البطالة، بالإضافة إلى فساد السلطة. غير ان حماس وتنظيم فتح سارعا الى احتواء الاحتجاج الشعبي وعسكرته، من خلال العمليات الانتحارية الموجهة ضدّ إسرائيل، والتي انتهت بفشل ذريع ومنحت اسرائيل الحجة لتكثيف حصارها للشعب الفلسطيني.

الانتفاضة الفلسطينية أتاحت الفرصة لتنظيم مظاهرات تضامنية في القاهرة، تم في مرحلة معينة توجيهها ضدّ حكم مبارك. في سورية، في نفس الوقت بالضبط، بدأت جهات المعارضة برفع صوتها والمطالبة بإصلاحات حقيقية في النظام. في لبنان، رئيس الحكومة رفيق الحريري غيّر موقفه وبدأ بالعمل على التحرّر من حبال سورية.

إعلان دمشق

تعتبر سنة 2005 علامة فارقة في تطوّر "ربيع الشعوب العربية". في هذه السنة تمّ اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، في أعقاب ضغط دولي هائل على سورية للانسحاب من لبنان. على اثر الاغتيال خرجت حركة شعبية إلى الشوارع تطالب بخروج سورية من لبنان فورا، وفي نيسان 2005 غادر آخر جندي سوريّ أرض لبنان.

في نفس الوقت ظهرت في مصر بكلّ قوّتها حركة "كفاية"، احتجاجًا على محاولة مبارك تكرار التجربة السورية، وتعيين ابنه جمال "وريثًا" له في السلطة. ونعلم الآن أنّ عناد مبارك على توريث الحكم لابنه كان القشة التي قصمت ظهر البعير وقادت إلى سقوطه. أما في سورية فقد ظهرت لأوّل مرّة حركة معارضة طالبت علنًا في "إعلان دمشق" بتغيير النظام.

كلتا المبادرتين "كفاية" و"إعلان دمشق"، صبّتا جلّ اهتمامهما على النظام الداخلي وعلى المشاكل الاجتماعية، وغيّرتا بذلك الخطاب الجماهيري التقليدي الذي ميّز الشارع العربي حتّى تلك اللحظة، والذي اقتصر إما على تأييد أو معارضة أمريكا وإسرائيل. نوايا "إعلان دمشق" كانت واضحة المعالم، كما جاء في افتتاحيتها:

"سورية اليوم على مفترق طرق بحاجة... احتكار السلطة لكل شيء، خلال أكثر من ثلاثين عاماً، أسس نظاماً تسلطياً شمولياً فئوياً، أدى إلى انعدام السياسة في المجتمع، وخروج الناس من دائرة الاهتمام بالشأن العام، مما أورث البلاد هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني والانهيار الاقتصادي والأزمات المتفاقمة من كل نوع. إلى جانب العزلة الخانقة التي وضع النظام البلاد فيها، نتيجة سياساته المدمرة والمغامرة وقصيرة النظر على المستوى العربي والإقليمي وخاصة في لبنان، التي بنيت على أسس استنسابية وليس على هدى المصالح الوطنية العليا".

بعد ذلك يحدّد الإعلان أسس الإصلاح اللازم: يعترف الإعلان بحقيقة أنّ الإصلاح ينبغي أن يكون تدريجيًا وأن يعبّر عن حوار بين النظام والمعارضة. المطالب هي أيضًا واضحة، وعلى رأسها التحديد بأنّه ليس لأيّ حزب الحقّ في الحكم بمفرده. وإلى جانب هذا المطلب هناك مطالبة بتبنّي نظام ديمقراطي وانتهاج انتخابات حرّة ووضع دستور جديد يضمن المساواة أمام القانون وحرّية التعبير وإلغاء قوانين الطوارئ والاعتقالات السياسية والسماح بحرّية التنظيم النقابي.

المنظّمات والشخصيات التي وقّعت الإعلان هي شخصيات معروفة في سورية وفي العالم العربي. منهم الكاتب ميشيل كيلو وعضو البرلمان السابق رياض سيف والقاضي السابق هيثم المالح. تنبع أهمّية الإعلان من كونه سوريّ أصليّ. لم يعمل الموقّعون بدعم أو بتشجيع من الولايات المتّحدة، وإنّما هي شخصيات اعتبارية سورية خرجت ضدّ إرادة الدكتاتور ودفعت الثمن. وبالفعل كان الردّ سريعًا. تم اعتقال ميشيل كيلو عام 2006 بتهمة إضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة، وتهم واهية أخرى، وتمّ الزّج به في السجن لعدّة سنوات. اما رياض سيف فتح في أيار مايو 2001 ملف الهاتف الخليوي في مجلس الشعب وقال بأن الصفقة تضيع على الدولة قرابة 346 مليار ليرة سورية وهو ما يعادل 7 مليارات دولار تقريباً، ثم قدم دراسة مفصلة تحت عنوان "صفقة عقود الخليوي". واعتقل على خلفية ذلك بعد أن رفعت عنه الحصانة الدبلوماسية وحكمت عليه محكمة الجنايات بالسجن لخمس سنوات.

المطالب التي طرحها إعلان دمشق سنة 2005 أصبحت اليوم البرنامج السياسي للثورة السورية. كما حدث في مصر، القلائل الذين كسروا حاجز الخوف، تحوّلوا خلال خمس سنوات إلى ملايين هزّوا أركان النظام وطالبوا بإسقاطه. رفض النظام وعدم استعداده للقيام بتغييرات بسيطة أدّيا إلى تفاقم الوضع في سورية، كما حدث في مصر وتونس. وخلال وقت قصير، أشعلت درعا- بلدة سورية نائية- نار الثورة التي امتدّت إلى كلّ أنحاء البلاد.

طبيعة النظام الذي يحكم سورية

القول إنّه لم تحدث تغييرات في سورية ليس دقيقًا، بل حدثت تغييرات ولكن من النوع الذي ادى الى تفاقم الوضع وإلى الانفجار. مع تسلّم بشّار الأسد السلطة جرى التخلّص من الشخصيات القديمة التي رافقت والده خلال ثلاثين سنة. نائب الرئيس السابق، عبد الحليم خدّام، الذي حكم لبنان، وجمع ثروته من خلال تحالفاته مع رفيق الحريري والسعوديين، انضمّ إلى المعارضة، ومكانه قلّد بشّار أفراد عائلته وظائف مركزية في الدوائر السياسية والأمنية. التغيير الثاني الذي أحدثه بشّار كان خصخصة السوق السورية لصالح ابناء عائلته وعلى رأسهم ابن خاله رامي مخلوف الذي أنشأ شركة الهواتف الخلوية "سيريا تيل" والتي على هذه خلفية تم محاكمة رياض سيف.

بهذه الطريقة تحوّلت الجمهورية العربية السورية إلى شركة خاصّة تابعة لعائلة الأسد. رامي مخلوف يملك شركات كثيرة. ابن عمّه، ذو الهمّة شاليش، يملك شركة مقاولات ضخمة تبني مشاريع للبنية التحتية بعد ان تحصل عليها بمناقصات مفبركة. وحول الاثنين رجال أعمال يحصلون على وكالات مختلفة، في حين يحرص النظام على انعدام المنافسة وعدم بروز مراكز قوى اقتصادية منافسة من شأنها تحدي احتكاراته. نعم، "الاشتراكية" البعثية السورية تحمي سورية من الرأسمالية، ولكنّها تفعل ذلك ليس حماية للمصلحة القومية او للطبقة العاملة، بل رعايةً لأرباح عائلة الأسد ومقرّبيها.

ليس بالقوّة الاقتصادية وحدها انفرد بشار. بل لقد ورث من والده جهازًا أمنيًا تابعًا هو أيضًا للعائلة. شقيقه، ماهر الأسد، يتحكّم بالفرقة العسكرية الرابعة المسؤولة عن أمن النظام، ويعيث دمارًا وموتًا في أنحاء سورية، في درعا والرستن وحمص وجسر الشغور ومعرّة النعمان وتلكلخ وغيرها. أجهزة أمن متعددة وُضعت تحت تصرف أبناء العمّ والمقرّبين، الذين هم أيضًا من عائلة مخلوف وشاليش.

العائلة لا تحكم بمفردها. رغم خطاباتها عن القومية والعروبة وتحذيرها من الطائفية، إلاّ أنّها تعتمد على الطائفة العلوية التي تشكّل 10% من السكّان، وتتركّز في منطقة اللاذقية في شمال غرب سورية. يشغل العلويون معظم الوظائف القيادية في الجيش والقيادات الأمنية، حيث يأتي الولاء الطائفي قبل الولاء القومي. وهكذا تتم المعادلة: العائلة تسيطر على الطائفة، والطائفة تسيطر على الدولة. الولاء هو لنظام حزب البعث الذي يترأسه بشّار الأسد وعائلته. وبما ان الدستور يمنح حزب البعث دور القيادة، فان النظام يضمن بذلك لنفسه الحكم إلى الأبد. سورية لا تحتاج للديمقراطية، لأنّ حكّامها يعرفون جيّدًا ما هي مصلحة الشعب.

ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ. تشكّل الحكومة أكبر مشغّل في سورية، وتدفع 200- 300 دولار شهريا لحوالي مليونَي مواطن. للحصول على الوظيفة يتوجّب على المواطن أن يكون عضوًا في حزب البعث، وبما أنّ الموظّفين لا يستطيعون العيش من رواتب متدنّية إلى هذا الحدّ، صار "البخشيش" نوعًا من تكملة المعاش. تحتلّ سورية مكانًا عاليًا في سلّم الدول الأكثر فسادًا في العالم، بل انها تتجاوز مصر مبارك. طبيعة النظام تحوّل موظّفي الدولة رغمًا عنهم إلى شركاء لعائلة الأسد في ظلم الشعب الذي يضطرّ لدفع رشوة للحصول على أيّة رخصة أو مستند رسمي أو لدى أي توجّه للسلطات.

إلى جانب هؤلاء، هناك ائتلاف من الأحزاب الحاكمة، وبضمنها الحزب الشيوعي السوريّ واتّحاد الكتّاب العرب والمحطّات الإذاعية والتلفزيونية والفنّانون والصحفيون، وهؤلاء مهمّتهم نشر الأيديولوجية الرسمية وكيل المديح والثناء لبشّار في كلّ فرصة، وإقناع الشعب السوريّ بأنّه يعيش في نعيم، وبأنّ كلّ مصائبه تنبع من الإمبريالية ومن إسرائيل، وبأنّ كلّ تغيير في النظام سيؤدّي إلى تفكّك سورية إلى طوائف.

الحقيقة يعرفها اهل سورية. فقد اضطرّ الملايين من القرويين للهجرة من أماكن سكناهم بسبب القحط الذي أصاب المناطق الزراعية. وهم يتجمّعون في ضواحي المدن في عشوائيات وبيوت بُنيت بدون رخصة، وتبلغ نسبتهم من السكان 50%. خدمات كالماء والكهرباء والتعليم والصحّة أمور صعبة المنال، الأمر الذي حوّل سورية الى قنبلة اجتماعية موقوتة. وكما هو الحال في جميع الدول العربية، تحوّلت البطالة، وخاصّة في صفوف الشباب المتعلّمين، إلى أزمة متفجرة. هكذا بدأ الأمر في تونس حينما أشعل محمّد بوعزيري الطالب الجامعيّ العاطل عن العمل، النار في نفسه وأشعل بذلك فتيل الثورة، وعبر بذلك عن يأس المجتمع العربي من أنظمته الاستبدادية ورغبته بالتغيير.

ثورة أصلية محلّية، لا مؤامرة

لم تكن أمريكا سبب سقوط بن علي في تونس، ولم تكن إسرائيل سبب سقوط مبارك. المسؤول الوحيد عن الثورة السورية هو بشّار الأسد، ولا احد غيره. نظام الأسد هو الذي أوجد الفقر وأثرى عائلته على حساب الشعب السوريّ، ويرفض القيام بأيّ إصلاح يمكن ان يخفف من معاناة مواطنيه. كوالده من قبله، بشّار الأسد لا يرحم أحدا. الثورة السورية هي جزء من الثورة العربية. ظهرت في نفس الجوّ، ومطالبها واحدة وتستخدم نفس الوسائل- نضالاً مدنيًا سلميًا، سيؤّدي إلى إسقاط النظام عاجلاً أم آجلاً.

يرفض بشّار الأسد الاعتراف بالواقع. يرسم لنفسه سيناريو وهميا حسبه ما يحدث في سورية ليس ثورة وإنّما فوضى عارمة، يقوم بها آلاف المندسّين الذين يعملون باسم السعودية ولبنان وإسرائيل. على حدّ ادّعاء الأسد، يعترف النظام بوجود مظالم وفساد، ويعمل على تصحيحها. أعلن عن إلغاء قوانين الطوارئ وعن إطلاق سراح السجناء وعن الحاجة للحوار وعن إصلاحات سياسية، وقام باستبدال رئيس الحكومة، وبذلك على حدّ ادّعائه، يكون قد استجاب لمطالب المتظاهرين، ولا سبب يدعو لاستمرار المظاهرات. يستطيع الشعب العودة إلى البيت والاعتماد على "شركة الأسد م. ض" بأنها سترعى مصالح أبنائها. حسب رأيه، أربعون سنة من الحكم تُثبت أنّ النظام يعد ويفي بالوعد، حتّى لو استغرق ذلك أربعين سنة أخرى، يرث من بعدها ابن بشّار والده في الحكم، بعد ان يرحل الى الدنيا الآخرة!

لفقد النظام زمام الأمور ويقوم بذبح الأبرياء. هناك من يشبّهون الوضع الحالي بما جرى في مذبحة حماة عام 1982، إلاّ أنّ الوضع مغاير تمامًا. المعارضة لا تتركّز في مدينة واحدة، بل تشمل كلّ البلاد، وماهر الأسد ينتقل من مدينة إلى أخرى يفجّر ويحرق الحقول ويهدم البيوت ويُطلق الرصاص على الناس ويحوّل المدارس والملاعب إلى مراكز اعتقال ضخمة، ويحفر قبورًا جماعية يدفن فيها عائلات كاملة. هناك اختلاف آخر، وهو أنّ هذه المذابح موثّقة ومصوّرة. رغم الحظر الذي يفرضه النظام على دخول الصحافة المستقلّة، إلاّ أنّنا نرى الصور ونسمع التقارير عن هذه المذابح، وهي تكشف فظاعة الحقيقة وبشاعتها.

وهناك اختلاف ثالث كبير بين حماة عام 1982 وما يحدث اليوم. آنذاك كان اولئك الإخوان المسلمون الذين أشعلوا فتيل التمرّد، أما اليوم فمن يقوم بذلك هم شباب شبكات التواصل الاجتماعي في الإنترنت. حينها، رفع الإخوان المسلمون شعار "الإسلام هو الحلّ"، والشعار اليوم هو "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية"، الشعار الذي وحّد أبناء مصر وتونس وأسقط النظامين فيهما. ليس لدى المواطنين السوريين اليوم ما يخسرونه. الإرهاب الذي يُمارَس ضدّهم والإذلال وانعدام الأمل والمستقبل تحثّهم على الثورة. ليس لدى النظام ما يقدّمه. معاداة الإمبريالية أصبحت شعارًا أجوف في خدمة الأقلّية الحاكمة. سورية منهارة والاقتصاد في جمود، والنظام تحوّل إلى عدوّ الشعب.

هذا النظام زائل لا محالة. كلّما استمرّ في قمع مواطنيه، كلما فقد شرعيته في نظر الطبقات الوسطى التي تعيش في دمشق وحلب، هذه تخوّفت من خسارة القليل الذي قدّمه لها النظام، وهي تواصل شراء شعاره "إما انا او الفوضى"، ولكن هذا الشعار عمره قصير. فالشعب السوريّ اليوم يريد الخلاص، والنظام يقف عاريًا ومكشوفًا يرفض الاستجابة لمطالب الشعب.

"إعلان دمشق" تعمم وصار ملكًا للجميع، لأنّ السنوات الخمس التي مرّت منذ انطلاقه وأشهر التمرّد الأخيرة، أقنعت الشعب بأنّ الطريق إلى الديمقراطية ليست من خلال الحوار مع بشّار، وإنّما من خلال إسقاطه. "الشعب يريد إسقاط النظام" هو شعار الثورة، ويدور النضال في الوقت الراهن حول السؤال- الشعب أو بشّار، ولا خيار ثالث بينهما.

النموذج المصريّ هو الذي يضمن انتصار الثورة السورية. نجح المصريون في إسقاط مبارك، وهم في طريقهم الوعر والشاق نحو الديمقراطية. هناك صراعات سياسية صعبة ومظاهرات عمّالية ومحاولات لإسكاتها، الديمقراطيون يتظاهرون ضدّ الجيش والإخوان المسلمين، والسلفيون يهاجمون الأقباط، لكنّ عجلة التاريخ تواصل تقدمها إلى الأمام، ولن تعود مصر إلى ما قبل 25 يناير.

الإمكانيات مفتوحة أمام الشعب السوريّ أيضا. لم يتوقّع أحد أن يثور الشعب المصريّ ضدّ فرعون، لكنّه فعل ذلك ويحثّ الشعوب العربية على المضي في أعقابه. الشعب السوريّ بدأ مسيرته، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه ولن تنجح أعتى الدبّابات في اعتراض طريقه.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__412
24.11.2017, 05:11