تاريخ النشر ١٦/٠٥/٢٠١١

شؤون فلسطينية

لماذا يبالغ مشعل في تبرير المصالحة؟

يعقوب بن افرات

منذ انتهاء حفل التوقيع على اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس في القاهرة، وخالد مشعل لا يتوقف عن استغلال كل منبر إعلامي لتفسير موقفه من المصالحة. تسعة ايام كاملة مكث مشعل في القاهرة وهو يجرب ان يفسر لنا جميعا موقف حماس الجديد. في العادة يسهل على من يحترف السياسة والاعلام تفسير امور معقدة بكلمات بسيطة، مثل "الاسلام هو الحل" او "لن نعترف باسرائيل" و"الشهادة في سبيل الوطن". ولكن يبدو ان هذه المصالحة عصيّة على البيان بالنسبة لمشعل، فهو يحتاج الكثير من الكلام والمقابلات والتصريحات لتفسير التغيير الذي سمح بإنهاء الانقسام.

استطاع مشعل القول ببساطة أن فتح غيّرت موقفها بعد ان أدركت ان خيار المفاوضات وصل إلى طريق مسدود، ولكن مشعل لا يقول ذلك بل بالعكس. في مقابلة معه نشرتها صحيفة القدس قال: "هدفنا إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس على حدود 1967 واختبرنا إسرائيل عشرات المرات منذ أوسلو ومدريد، لكن من أجل عيون الثورة المصرية، والمصالحة، وحتى لا نعطي إسرائيل أي ذريعة لإفساد المصالحة فإننا مستعدون لأن نعطيها مهلة سنة إضافية لاختبار النوايا". واستدرك: "ولكن ليس معنى ذلك أننا سنعلن الحرب بعد انتهاء هذه السنة، ولكننا سنضيف أوراقاً جديدة للمقاومة".

حسب هذا التصريح الهام تعلن حماس على الملأ ولأول مرة التزامها بالعملية السلمية، وليس هذا فحسب، بل هي تتهرب من الالتزام بالمقاومة إذا فشلت المفاوضات. شيئا فشيئا تتضح النوايا، ليس النوايا الاسرائيلية فهذه واضحة وقاطعة، بل نوايا حماس. العامل الأساسي الذي ادى لتغيير موقف حماس اذن هي "عيون الثورة المصرية"، ومن أجلها مستعد مشعل ان يمنح عملية السلام مهلة سنة كاملة. والسؤال كيف نجحت الثورة المصرية في التأثير على موقف حماس؟

حماس والثورة المصرية

لقد كان سقوط حسني مبارك ضربة قاصمة لأبو مازن، فبسقوطه انهار أهم حليف له في العالم العربي. وكان المفروض والحال كهذه أن تمنح الثورة المصرية لحماس الفرصة لإسقاط ابو مازن واستئناف المقاومة ضد اسرائيل حتى دحر الاحتلال، ولكن حدث العكس. فسقوط أهم حليف استراتيجي لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، دفع حماس لقبول المصالحة مع الطرف الذي فشل بكل المقاييس في تحقيق اي انجاز يذكر بعد 17 سنة من المفاوضات العبثية.

ولكن لم يكن ابو مازن الوحيد الذي فقد حليفه. فقد حطمت الثورة المصرية الأسطورة التي روّجت لها الفضائيات العربية بأن الرأي العام العربي مع المقاومة المسلحة، وانه يدعم معسكر الممانعة المتمثل بإيران، سورية حزب الله وحماس. فالثورة المصرية طرحت خيارا شعبيا ثالثا خارج معادلة معسكر الممانعة ومعسكر الاعتدال، يطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وإذا كان هناك شك في ان هذا هو الموقف وراء الثورات الشعبية العربية، فقد جاء اندلاع الثورة في سوريا ليغلق الحلقة، ويثبت ان الناس تريد الحياة وتريد لهمومها اليومية ان تعالَج. الأمر الطريف ان بشار الأسد كان قد "فسر" لصحيفة "وول ستريت جورنال" في 31 يناير 2011، لماذا لن ينتقل سيناريو مصر الى سوريا، بالقول أنه رغم المشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها سوريا فحسب رأيه "القضية ليست حاجات الناس والاصلاح، بل الايديولوجية". والآن يرى العالم ويسمع بالبث المباشر كيف يذبح "نظام ايديولوجية المقاومة" شعبه بوحشية.

لا شك ان الثورة العربية من دمشق الى القاهرة قد علّمت زعماء المنطقة درسا وهو ان "القضية" هي دون شك حاجات الناس والإصلاح وليست ايديولوجية المقاومة التي استخدمت من قبل النظام لتبرير الاستبداد، القمع، الفساد، البطالة والفقر.

وفيما يبالغ مشعل في تبريراته للمصالحة، يصر ابو مازن في كل فرصة على نفس الموقف المعهود، وهو التزامه بالمفاوضات مع اسرائيل وبأن المصالحة مع حماس هي شأن داخلي لا يؤثر بتاتا على التزامات السلطة الفلسطينية او على استعدادها لخوض المفاوضات. ويشير هذا بوضوح الى ان الذي ذهب المسافة الأطول لإتمام المصالحة كان مشعل.

الشعب الفلسطيني فقد الثقة بفتح وحماس

ومع ذلك، ورغم كل جهود مشعل "التفسيرية"، وتأثير الثورة المصرية وعيونها عليه، فمشكلة الشعب الفلسطيني لم تحل بمجرد المصالحة، والشارع الفلسطيني يترقب المستقبل بقلق شديد ويؤجل الاحتفالات، استنادا لتجارب الصلح السابقة التي انتهت بفتنة داخلية.

والواقع، ان الشعب الفلسطيني فقد الثقة بفتح وحماس على ضوء فشلهما في تحقيق أي مكسب ملموس للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال. ان المصالحة ناتجة عن سقوط كلا البرنامجين: برنامج المفاوضات العبثية والارتكان على مبارك وأمريكا من ناحية، وبرنامج المقاومة والارتكان على ايران ودول الممانعة من جهة اخرى.

لقد عانى الشعب الفلسطيني الأمرّين من نظام فتح في الضفة الغربية الذي يدير سلطة رأسمالية تابعة للدول المانحة في ظل الاستيطان الاسرائيلي، ومن نظام حماس في غزة الذي يقمع الشعب ويمنح كل الذرائع لإسرائيل لفرض حصارها الهمجي وتدمير غزة.

ان هذه المصالحة هي محاولة بائسة من الحركتين لإنقاذ نفسيهما من المسؤولية عما وصل اليه الشعب الفلسطيني. لقد احتاجت فتح وحماس سنوات طويلة ودماء كثيرة لاكتشاف الأمر البديهي وهو ان الانقسام أضعف السلطة الفلسطينية في المفاوضات مع اسرائيل، وعزل المقاومة في غزة وعرّضها للحرب والكارثة الانسانية.

اليوم، يأتي خالد مشعل ليقول - لنمشي معا اما للتفاوض او للمقاومة. وهو بحد ذاته تفكير صائب ولكنه صعب التطبيق على الارض، لسبب اساسي وهو عدم وجود قاسم مشترك سياسي يجمع الحركتين. فالسلطة مكبّلة بقيود الدول المانحة وعلى رأسها امريكا التي تشترط أية مساعدة مالية للسلطة بإبقاء سلام فياض رئيسا للوزراء في الحكومة الانتقالية الجديدة، كما انها لن تدعم المصالحة اذا لم تتراجع حماس عن مواقفها الأساسية المتعلقة بعدم الاعتراف بإسرائيل وانتهاج المقاومة المسلحة.

المصالحة الفلسطينية لا تعبر عن معسكر الثورة في مصر، بل تعكس مصالحة أخرى تمت بين الثالوث المضاد للثورة والذي يجمع الجيش والإخوان المسلمين وفلول الحزب الوطني القديم. أما القوى التي صنعت ثورة 25 يناير فقد تبنت برنامجا بعيدا جدا عن برنامج المعسكر الذي يحكم مصر اليوم، وقد تجلى هذا التفاوت بين المعسكرين في الاستفتاء الاخير على الدستور والذي وضع الثورة في واد والاخوان المسلمين والجيش في واد آخر. وفتح وحماس هما اقرب الى القوى السياسية السائدة في مصر، بينما لا يزال معسكر الثوار دون قوة سياسية منظمة قادرة على حماية الثورة وتطبيق كامل مطالبها، وهي نكسة معروفة لم تحل بعد.

ضرورة بناء قوى ثورية جديدة

من هنا، فالعبرة الحقيقية من الثورة المصرية ليست الوحدة بين من قادوا الشعب الفلسطيني الى طريق مسدود، بل الضرورة الملحة لبناء قوى ثورية جديدة تحت شعار "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية"، تنأى عن النظام الرأسمالي المتوحش الذي يمثله ابو مازن وعن النظام الديني الاستبدادي الذي يمثله حماس.

ان التحدي الكبير امام الثورة المصرية هو دون شك بناء حزب ديمقراطي ثوري ونقابات عمالية مستقلة تكون قادرة على قيادة الشعب المصري نحو التنمية والعدالة الاجتماعية وبناء مجتمع عصري ديمقراطي. وهو نفس التحدي الماثل امام الشعب الفلسطيني بعماله ومثقفيه، ولا شك ان كل تقدم على الساحة المصرية سيكون له انعكاس ايجابي على الساحة الفلسطينية. وبغض النظر عن إمكانيات نجاح المصالحة بين فتح وحماس، تبقى المهمة العاجلة اليوم إنهاء الحالة الراهنة التي حوّلت الشعب الفلسطيني الى رهينة بأيدي طرفين متناحرين على السلطة.

ان التغيير الداخلي هو الضمان لان تكون هناك مواجهة حقيقية وفعالة للاحتلال الاسرائيلي.
فقد عرفت اسرائيل كيف تستفيد من الخلافات بين فتح وحماس، وسخّرت لدعايتها ضعف الموقف الفلسطيني التابع من جهة، وتطرف الموقف الأصولي من جهة اخرى. من هنا، فالحل لا يكون بالوحدة بين من فشلوا في القيام بدورهم، بل بنهوض قوة سياسية جديدة تستفيد من دروس الماضي وتجمع بين القوى الحية من العمال، الفلاحين والمثقفين على اساس برنامج ديمقراطي يعزل الاحتلال ليس على نطاق عربي وعالمي فحسب، بل حتى داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه. ان ثورة مصر والثورات العربية تشكل ضربة قاصمة لإسرائيل، ولا بد ان تستجيب القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية لهذا التحدي الكبير، وقد أثبت شعب مصر الكبير ان لا شيء مستحيل اذا توفرت الإرادة والبرنامج الصحيح.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__407
20.11.2017, 17:11