حزب دعم

الثورة الديمقراطية العربية تفتح آفاقا جديدة

وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم من شهر نيسان (ابريل) 2011، تناقش طبيعة الثورات العربية وخاصة الثورة المصرية، ومدلولاتها السياسية وانعكاساتها على الصراع العربي الاسرائيلي، وخاصة على احتمالات حل القضية الفلسطينية.

ثورة الياسمين التي انطلقت في تونس وأطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، هزت المنطقة العربية كلها من الغرب الى الشرق حتى لم يبق طاغية واحد من الطغاة العرب الا وارتعدت فرائصه ازاء الزلزال الشعبي العظيم. انها ثورة عميقة لأن صانعيها هم الناس، كل الناس على اختلاف انتماءاتهم الطبقية، العرقية، الدينية وحتى المذهبية. انها ثورة لا تفرق بين نظام "وطني مقاوم" ونظام "عميل"، فهي تشمل مصر وليبيا وسورية ايضا، ولم يعد هناك نظام يتمتع بالحصانة ازاء غضب الجماهير. فالقاسم المشترك الذي يجمع بين كل الانظمة سواء كانت في معسكر "الممانعة" الحليفة لإيران او الصديقة لأمريكا هو استبدادها، واعتمادها على القمع والأحكام العرفية ضد شعوبها، وخدمتها لمصالح قلة قليلة من الاغنياء الفاسدين وابقاء الملايين العظيمة من الشعب في فقر وبلا مستقبل. لقد انهت هذه الثورة الجبارة الانقسام العربي ووحّدت الشعوب حول شعار "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية".

دكتاتورية رأس المال

ما يميز الانظمة العربية التي تعرضت لهذه الانتفاضة الشعبية العارمة، انها قائمة على الجمع بين نظام اقتصادي رأسمالي مفرط وبين حكم استبدادي تنفرد فيه العائلة الحاكمة بكل مقاليد السياسة والاقتصاد وتمتص الموارد القومية لصالحها ولصالح زمرة رؤوس المال المقربين منها. انه نظام مبني على انشاء الاحتكارات القومية الكبرى في مجالات مثل النسيج، الاسمنت، الحديد، الطاقة الى جانب الاحتكارات الحديثة مثل الاتصالات، البنوك، توكيل استيراد البضائع والسيارات والسياحة. هذه هي الموارد الأساسية التي منها تتكوّن الثروة الوطنية ومنها كان المفروض ان ينمو البلد لفائدة المجتمع ككل.

ان الطريقة التي من خلالها تستطيع الدولة ان تنمو هو جذب الاستثمارات من الخارج. ومن اجل الحصول على هذه الاستثمارات على الدولة المعنية ان تتمتع ب"علامات عالية" من قبل البنوك الدولية التي تراقب الاداء الاقتصادي لكل دولة ودولة، مثل صندوق النقد الدولي. وما يهم هؤلاء المستثمرين هو وجود سلطة قوية تستطيع ان تضمن لهم سلامة استثماراتهم من ناحية ورفع ربحية هذه الاستثمارات لدرجات خيالية من خلال تسهيلات ضريبية ومنع المنافسة. كون هذا الاستثمار مثمر للغاية ومغرٍ، يسعى المستثمر لضمان موافقة الحكومة من خلال رشوة مسؤوليها.

الى جانب هذه الاستثمارات يتم "تحرير" الاقتصاد من خلال خصخصة المنشآت العامة. مصر التي اعتمدت على القطاع العام الضخم، الوظائفي والصناعي، الذي تم تطويره في فترة حكم عبد الناصر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي لاستيعاب الايدي العاملة، قامت بنقل العديد من المشاريع الصناعية الضخمة بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية لصالح مجموعة من المنتفعين الاعضاء في الحزب الحاكم والمقربين من العائلة الحاكمة.

الى جانب هذه الظاهرة كان يتم تحويل اراضي الدولة الباهظة الثمن الى جهات خاصة من "ملوك" العقارات بهدف بناء احياء سكنية فاخرة للأغنياء الجدد او لتطوير مناطق سياحية. بهذه الطريقة تحولت مصر، ومثلها الدول العربية الاخرى، الى دولة تفتقد المعنى الحقيقي للمواطنة، وبدل ان توظف الدولة لحماية المصلحة العامة تقوم بحماية النخبة المنتفعة الفاسدة.

في حين تتكدس الثروة بأيدي النخبة الحاكمة، تزداد الدولة فقرا بسبب تراجع مدخولاتها من المشاريع الاقتصادية بعد ان تم تخصيصها واعفاء رأس المال من الضرائب، او لمجرد عدم جباية الضرائب بسبب نمو الاقتصاد غير الرسمي وانتشار الفساد والرشاوى للقائمين على جهاز الجباية. النتيجة المباشرة هو تدهور تلقائي في الخدمات الحيوية مثل التعليم، الصحة، مياه الشرب، خدمات بلدية من النظافة العامة ومراكز رعاية الاطفال. مشكلة السكن تتحول الى كارثة حقيقية وظاهرة "العشوائيات" هي اكبر دليل على الكارثة الانسانية التي يعاني منها الشعب.

الى هذه الطريقة المشوهة التي يتم من خلالها ادارة البلد، يضاف نظام الرواتب غير المعقول والفجوات الهائلة في هذا الصدد. ففي المشاريع الحكومية يتم التشغيل من خلال "التعيينات" على اساس القربى والولاء للنظام الحاكم وليس بحسب الكفاءات. ونجد مدراء بنوك، رؤساء اقسام في الجامعات، مدراء مصانع، مدراء مستشفيات، مدراء صحف، وموظفين كبار يتقاضون رواتب عالية تبدأ بخمسة آلاف جنيه لتصل الى مئات آلاف الجنيهات شهريا، بينما يفرض على الموظفين والعمال العاديين الاكتفاء براتب يتراوح بين 200 جنيه الى الف جنيه شهريا. ان النتيجة لنظام "التعيينات" هو نوع من الشلل التام في كافة المرافق العامة نتيجة سوء الادارة بالإضافة الى الاهدار الكبير للمال العام.

رغم كل ذلك، تمتع الاقتصاد المصري بعلامات عالية من قبل صندوق النقد الدولي. فإهدار المال العام لم يمنع النمو الاقتصادي، اذ ان المجال العقاري تطور باستمرار، وكذلك القطاع السياحي والكثير من قطاعات الخدمات من بنوك وشركات الهواتف النقالة. غير ان هذا النمو الذي كان مصدر فخر لمن كان معد ان يكون "الوريث"، جمال مبارك، تكدس في ايدي النخبة في حين ادى إلى ازدياد الفقر والبطالة. هذه الفجوة الكبيرة بين شريحة واسعة جدا من العاطلين عن العمل الذين لا يمكنهم الزواج، شراء بيت او ايجاد مكان عمل محترم، وبين الاغنياء والفاسدين، تحول الى مصدر رئيسي للغضب الشعبي العارم.

نظام من هذا النوع، فقد القدرة والرغبة في خدمة المواطن، لا يمكن ان يحظى برضاه وولائه، لذا يبقى القمع والارهاب وسيلة وحيدة لإدامة النظام. فإلى جانب المعاناة اليومية كان على المواطن المصري، الليبي او السوري ان يواجه نظاما قمعيا يظهر جبروته في كل لحظة ليرهب الناس ويقمع كل رغبة في التغيير أو حتى الشكوى. واقتصر دور الاعلام على ان يطلي الواقع بألوان وردية ويمجد الحاكم، اما الشرطي فانحصر دوره في إذلال الناس والتنكيل بهم في كل مناسبة وإن كانت تافهة مثل خلاف بين الجيران او مخالفة تعليمات المرور.

سياسة الثورة

لم تكن لهذه الثورات العربية، وتحديدا ثورة 25 يناير في مصر، اية قيادة حزبية، ومن هنا فهي لم تطرح بديلا سياسيا واضحا للنظام. ان الحركة الشعبية في مصر خطت خطواتها الاولى في سنة 2000 في مظاهرات مؤيدة للانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتبنت برنامجا مطلبيا يجمع بين الحريات السياسية وبين المطالب الاقتصادية والاجتماعية. في تلك الفترة كان للشباب والطلاب الجامعيين دور ريادي في الخروج الى الشوارع للتعبير عن معارضتهم لسياسة النظام المصري تجاه فلسطين وتجاه العراق وعلاقته الحميمة باسرائيل والولايات المتحدة. ولكن مع تشكيل حركة "كفاية" وما رافقها من ترشيح ايمن نور للرئاسة، بدأ التحدي السافر للنظام والمطلب السياسي بالتعددية الحزبية، يتحول الى محور التحرك للحركة الثورية.

في الوقت الذي بدأت تنمو فيه الحركة الثورية، سيطر على المشهد السياسي العربي الصراع بين الانظمة الحاكمة وحركة الاخوان المسلمين وذلك على مدار 30 عاما. "المعارضة" الوحيدة المطروحة كانت "المعارضة الاسلامية"، وبمساعدة قناة الجزيرة التي احتضنت الشيخ القرضاوي ومذيعين مهمين مثل احمد منصور وحتى المدير العام الجديد للقناة وضاح خنفر، تلقى الاسلام السياسي منبرا لنشر ثقافته في ربوع العالم العربي. كما احتلت ثقافة "المقاومة" عقول الشعوب على اختلاف فئاتهم. واتسعت رقعة "المقاومة" من افغانستان الى العراق ومن لبنان الى المناطق محتلة. واستخدمت "المواجهة" المباشرة مع اسرائيل وأمريكا، لفضح الانظمة العميلة من كرزاي لمبارك للحريري وحتى أبو مازن.

لم يصمد امام نفوذ المقاومة الاسلامية أي حزب او تيار سياسي قومي كان او يساري، لأن الشعوب التي عانت من قمع الانظمة رأت في استعداد المجاهدين الاسلاميين للاستشهاد تحديا لحكامهم المتواطئين مع الغرب والقامعين لهم، وأرادوا ان يروا فعلا لا قولا فقط. ان هذا الدعم غير المشروط للمقاومة تغاضى عن عنصرين اساسيين لا بد من التدقيق فيهما: الاول، هو برنامج المقاومة الاسلامية، هل هو ديمقراطي ويخدم الطبقة العاملة ام انه يخدم بناء مجتمع ديني رأسمالي قمعي بدل النظام "الكافر" الموجود؛ والثاني هو أسلوب المقاومة الاستشهادي، هل بوسعها ان تحقق مكاسب حقيقية ام ان سلاحها يعطي الذريعة للقوى العظمى من اسرائيل وامريكا لاستخدام القوة المفرطة ضد الشعوب وبث الدمار في صفوفها؟

المشكلة الاساسية التي اتضحت بمرور الوقت امام الجمهور، هي ان المقاومة الاسلامية لم تهدف ابدا هزم امريكا وإسرائيل، نظرا للاختلال الكبير في موازين القوى، بل تم توظيف "الانتصارات" سواء في لبنان او فلسطين بهدف الاستيلاء على السلطة. بمعنى آخر، السعي للسلطة كان هدفا اساسيا للمقاومة، وكانت نتيجتها المباشرة انقسام سياسي عميق داخلي وصل الى حرب اهلية في فلسطين ولبنان والعراق.

اما في مصر فقد لجأت حركة الاخوان المسلمين الى نوع من التقاسم الوظيفي مع السلطة. وكان هدف الحركة، الذي نجحت في تحقيقه، هو بسط نفوذها على المجتمع وهو ما نراه من مجتمعات محافظة، تعاني فيها المرأة من القمع، ويخضع فيها العلم والثقافة للرقابة مما قيّد على حد كبير حرية الابداع والتطور العلمي.

في ظل هذا الوضع السياسي والاجتماعي، وقعت الطبقة العاملة، الشباب، النساء والعاطلين عن العمل، بين فكي الكماشة، وتم تهميش همومهم ومعاناتهم الحياتية، حتى ان الكثير من الشباب تجند للجهاد بعد ان اصبح الفقر وانعدام الافق ارضية خصبة لنمو الدعوة والاحتلال الديني.

ولا بد من الاشارة الى ان الحركة الشعبية المعارضة للنظام الايراني، كانت الشرارة الاولى التي بشرت برياح التغيير وبفشل المشروع الاسلامي. وكان الشباب الايرانيون والطبقة الوسطى المتمركزة في المدن، وتحديدا طهران، اول من اطلق شعار "الشعب يريد اسقاط النظام". فإذا كانت ثورة الخميني الشرارة التي بدأت الصحوة الاسلامية، فقد كانت المظاهرات الاخيرة في طهران دليلا على ان الثورة الاسلامية لم تقدم للشعب شيئا سوى البطالة، الفقر، الفساد والقمع باسم محاربة امريكا وإسرائيل.

في نفس الفترة بدأت للمرة الاولى الطبقة العاملة تجتاح الساحة السياسية، وفي طليعتها الطبقة العاملة المصرية. ان ما حدث في مصنع النسيج في المحلة الكبرى في سنة 2008 كان علامة واضحة بان العد التنازلي لسقوط النظام قد بدأ. ان الدمج بين الحركة العمالية وبين الحركة الشبابية شكّل قوة سياسية ضخمة استطاعت ان تجنّد كل الشعب، وتقلب المعادلة السياسية المبنية على الصراع بين الاسلام والنظام رأسا على عقب. وقد برزت قوى سياسية جديدة علمانية وعمالية في آن، يجمعها شعار واحد هو "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية". وقد استندت حركة الشباب "6 ابريل" على الحركة العمالية في المحلة الكبرى لطرح مطالبها علنا من خلال ندائها عبر شبكة التواصل الاجتماعي الى التظاهر والإضراب.

من خلال الحركة الشبابية والعمالية الجديدة بدأت الطاقات الشعبية تُوجَّه نحو مكافحة العدو المباشر للشعب بعيدا عن الشعارات القومية والإسلامية التي ميزت الفترة السابقة، وتركزت في مهمة رئيسية هي رحيل النظام. وقد عارضت قيادة الاخوان المسلمين هذه الحركة العمالية وامتنعت عن الانضمام للحركة الشبابية المخالفة لنهجهم كونها علمانية وتتبنى قيما "غربية" وتسعى لبناء مجتمع ديمقراطي حر من كل اشكال التفرقة الدينية، وتنادي بحرية المرأة وتدعم مطالب العمال بتشكيل نقابات حرة مستقلة وبشروط عمل عادلة. ومع ذلك، فإن نقطة الضعف الاساسية التي ستؤثر على الثورة مستقبلا هي عدم وجود حزب له برنامج ثوري وتصور مستقبلي لشكل ومضمون المجتمع المصري ما بعد سقوط النظام.

الصراع السياسي يحتد

كل الانظار متجهة نحو مصر، لأن ما ستنتجه من نظام جديد سيكون له تأثير كبير على العالم العربي برمته. وإذا كانت الثورة قد تميزت حتى الآن بعدم وجود احزاب وقيادة "الشباب" للأحداث، فان مرحلة ما بعد سقوط النظام ستتميز بالمرحلة الحزبية لان ممارسة الديمقراطية لن تكون ممكنة دون التنافس بين البرامج السياسية المختلفة وإنشاء اطر سياسية تتنافس على الدعم الشعبي. ان عدم وجود حزب قيادي فتح الباب على مصراعيه للتيارات السياسية الموجودة اصلا على الساحة وهذه تتنافس فيما بينها سعيا لجني ثمار الثورة.

ان عدم وجود حزب قيادي للثورة يستبدل النظام الذي نجح الشعب في اسقاطه، خلق واقعا فريدا من نوعه، وهو الالتفاف حول الجيش الذي تمتع بسمعة طيبة لعدم مشاركته في جهاز القمع السلطوي، ولاحتفاظه بمجد "العبور". شعار "الشعب والجيش يد واحدة" حيّد الجيش ومنح النظام مخرجا آمنا وطمأن الأمريكان وإسرائيل بان السلطة ستبقى بأيد آمنة، ومنع بالتالي حمام الدم. ولكن هنا ايضا تنبع اشكالية الثورة، ففي الوقت الذي تستمر بمطلبها الاساسي إسقاط كل رموز النظام، فهي تعتمد على احد اهم اركان هذا النظام بالذات، وهو الجيش، ليقوم هو بتنفيذ هذا المطلب. لقد كان الجيش جزءا مهما من صفقة كامب ديفيد بين نظام السادات وبين اسرائيل، وتلقى مقابل موافقته على هذه الصفقة تمويلا امريكيا، اضافة لحصوله على جزء لا بأس به من الاقتصاد المصري.

وإذا سلّم الجيش بضرورة بناء نظام ديمقراطي على أساس التعددية الحزبية، الا انه يعمل من اللحظة الاولى لضمان بقاء السلطة الفعلية في ايدي العناصر التي ستضمن استمرار النظام الاقتصادي والاجتماعي القديم، ولكن هذه المرة دون الاستبداد والفساد الذي ميز نظام مبارك.

ان الطريقة الوحيدة التي يمكن ان تسمح للجيش بالاحتفاظ بامتيازاته وضمان تحالفه مع امريكا هو العثور على حلفاء داخل الحزبين اللذين كانا حتى الأمس القريب خصمين تقليديين: الاخوان المسلمين والحزب الوطني الحاكم. وما يجمع بين الجيش وجماعة الاخوان وبقايا الحزب الوطني، هو خشيتهم وعداؤهم لشباب الثورة والطبقة العاملة المصرية. فهذا الثالوث غير المقدس، الجيش الإخوان وفلول النظام، لم يشاركوا في الثورة بل يسعون للانقلاب والسيطرة عليها منذ يومها الاول.

الاستفتاء على التعديلات على الدستور ادى الى تحديد المواقف السياسية ورسم الخطوط الفاصلة بين الثورة من ناحية والثورة المضادة من ناحية اخرى. وفي حين نادى الجيش والإخوان والسلفيون للتصويت بنعم باسم الاسلام، كان موقف الائتلاف العريض الذي صنع الثورة معارضا وطالب بالغاء الدستور القديم الذي رسّخ النظام الاستبدادي ووضع دستور جديد على أساس مبادئ الثورة. وسرعان ما تبين ان من صنع الثورة الشعبية، فشل في تجنيد الجماهير لصالح الثورة، كونه لا يمتلك حزبا ولا كوادر مجربة تقوم بعملية التجنيد. ان الثورة لن تمحو الفقر والتخلف مرةً واحدة، ويبقى الجهل السياسي أرضا خصبة تتغذى منها الأطر المعادية للديمقراطية ولمبادئ الثورة.

ازاء محاولات الانقلاب على الثورة لا يبقى امام الشباب الثوار والأحزاب التي انضمت للثورة إلا الاستمرار في التظاهر في الميدان. ان خطر إجهاض الثورة وارد، ما دام الائتلاف بين الجيش والاخوان وفلول النظام القديم يمسك بزمام الامور. وقد كان واضحا ان كل التغييرات والمكتسبات التي تمت كانت على اساس الضغط المستمر من الحركة الثورية التي تتجمع بالمظاهرات المليونية كل يوم جمعة في الميادين، لترفع مطالبها باسقاط ما تبقى من النظام، الافراج عن المعتقلين، تطهير وسائل الاعلام من رموز النظام القديم، محاكمة من اجرم في حق الشعب واسترداد الاموال المسروقة.

ولكن الجيش وحلفاؤه يريدون ان يعود الشباب الى المقاهي، والعمال الى اماكن عملهم. ويصدر الجيش اوامره بمنع الاعتصام والإضراب ويصف الاعتصامات العمالية "بالفئوية" ملمّحا الى انها تخدم قطاعا محدودا منقطعا عن المصلحة العامة. غير ان السبب الرئيسي للثورة لم يكن فقط الفساد والقمع السلطوي بل الاستغلال البشع للعمال وحرمانهم من التنظيم النقابي. العمال كانوا بين صناع الثورة، واليوم يواصلون النضال ويُكسِبون بذلك شعار "العدالة الاجتماعية" معناه الحقيقي، وذلك من خلال مطالبتهم برفع الاجور، فصل مدراء الشركات الفاسدين، الحد من تشغيل العمال الاجانب على حسابهم وتطهير النقابات من رموز النظام القديم.

يتمحور الجدل السياسي حول التصور المستقبلي لمصر. لقد دخلت مصر سجل التاريخ كأكبر واهم ثورة عربية معاصرة، وساهمت بثورة سلمية، حضارية أخرجت الشعوب العربية من ركودها الطويل وهي تطالب بالحرية، الديمقراطية العدالة الاجتماعية. الثورة تريد نظاما ديمقراطيا، علمانيا، تعدديا مفتوحا على الثقافة العالمية، مربوطا بكل ما يتعلق بالحداثة في شتى مجالات الحياة، الصناعية، العلمية، الفنية، الثقافية، مجتمعا مفتوحا تتمتع فيه المرأة بالمساواة والحرية، ويجد فيه كل شاب فرصته للتقدم والتعبير عن قدراته الانتاجية والإبداعية. ان ما تريده الثورة اليوم ليس نظاما اشتراكيا بل دولة رفاه، تضمن توزيع الثروة القومية بشكل عادل، دون ان تلغي دور رأس المال كمحرك حيوي للاقتصاد، يحقق لنفسه الارباح ولكنه يتقاسم بجزء منه مع العمال والمجتمع ككل.

هذا ما تريده الثورة، ولكن على الضفة الاخرى من يرفض هذا الطرح، وهو الائتلاف بين رأس المال النيوليبرالي الذي يسيطر على مقاليد الاقتصاد المصري بشراكة مع رأس المال الاجنبي، والإخوان المسلمين والجيش. هذا الائتلاف يريد من الديمقراطية ان تخدم رأس المال وان تمكّنه من الاستمرار في مسيرة النمو الذي افاد الاغنياء فقط، وقد يقبل على نفسه بعض القيود مثل التعددية السياسية والتنافس على السلطة.

ان ما يتبلور من نظام في مصر هو التعايش بين مجتمع محافظ يسيطر عليه الاخوان المسلمون الذين سيتمتعون بنوع من حكم ذاتي اجتماعي، مقابل اطلاق العنان لرأس المال الحاكم للاستمرار في السياسة الحالية واساسها خصخصة المرافق العامة ومحاربة دولة الرفاه.

ماذا سيكون مصير الثورة؟

لقد اندلعت الثورة المصرية بعد 32 عاما من سقوط الشاه الايراني، ذلك الحدث التاريخي الذي قلب كل المعادلات السياسية في الشرق الاوسط، وقاد الى حرب الخليج المدمرة، وقسم الدول العربية بين مؤيدة ومعارضة للنظام الايراني الاسلامي. وقد سعى النظام الايراني الى تصدير الثورة الى الخارج متبنيا خطاب المقاومة الاستشهادية والتحدي للدول الصديقة لأمريكا وإسرائيل.

الا ان الثورة الاسلامية انتهت بفشل كبير لسببين اساسيين: الاول كونها تعبر عن برنامج طائفي "شيعي" يسعى الى فرض ولاية الفقيه كنظام حكم يسيطر على كافة مرافق الحياة؛ والسبب الثاني يتعلق بفشل هذا البرنامج في اخراج الشعب الايراني من حال الفقر والتخلف، هذا علاوة على انه كبت بشكل صارم أبسط الحريات الشخصية. وقد عبرت الحركة "الخضراء" عن استياء الشعب الايراني من الدكتاتورية الدينية واشارت الى تصدعات في النظام قد تقود الى انهياره.

اما الثورة المصرية فقد أوضحت من اول لحظة أنها لا تقصد ان تكون ايران جديدة، وان الدولة الدينية مرفوضة من اساسها ولا تعايش معها. ان كل ما تعبر عنه الثورة المصرية من قيم ومبادئ يتناقض مع ما تمثله ايران اليوم. ان التعددية الدينية، والسياسية والتسامح، الاعتماد على الدستور والإرادة السيادية للشعب تتناقض مع نظام ولاية الفقيه. ان ما تريده الثورة هي دولة عادلة تعمل لصالح الشعب وليس لنخبة من المنتفعين او مؤسسة دينية تحكم من خلال ميليشيات "البلطجية" وترهب الناس.

من ناحية ثانية، تدرك جماعة الاخوان المسلمين تماما بان كل محاولة لفرض نظام اسلامي ستؤدي الى حرب اهلية وصدام مباشر مع الجيش، والتجربة الجزائرية هي اكبر دليل على ذلك. من هنا، فان شبح "سيطرة الاخوان" على الحكم امر مبالغ فيه، ليس بسبب موقف الجيش والمجتمع الدولي بل لأن شباب الثورة والاطر الحزبية والنقابية يقظة وواعية وتقف لذلك بالمرصاد.

صحيح ان الاستفتاء الاخير الذي حصد تأييد اكثر من 70% من المصوتين للدستور، يدل على القوة التنظيمية الكبيرة للإخوان وإمكانيتهم استغلال الوضع لصالحهم، علما ان المنظمات الثورية غير منظمة وجاهزة بعد لخوض المعركة الانتخابية المقبلة لمجلسي الشعب والشورى؛ غير ان كبر الحدث الثوري ادى الى هزات داخل كل التيارات السياسية دون استثناء وبينها الاخوان المسلمين.

لقد انشق عن الاخوان المسلمين قيادي بارز اعلن نيته تأسيس حزب جديد بعيد عن النهج الديني. ويسعى الاخوان لتأسيس حزب "الحرية والعدالة"، وهو نموذج يشبه حزب "التنمية والعدالة" التركي الذي تبنى نهجا يتلاءم مع السياسة الرأسمالية النيوليبرالية الخاضعة لتعليمات صندوق النقد الدولي، ويحافظ على الشراكة في حلف الناتو، ويحترم بشكل او آخر النظام الديمقراطي التعددي. وقد عمل الاخوان من اول لحظة بعد سقوط نظام مبارك، على التوضيح بأنهم سيحترمون الاتفاقيات مع اسرائيل، وانهم لن يترشحوا لمنصب الرئاسة ولن يؤسسوا حزبا دينيا بل مدنيا.

ومن هنا فالتحول الديمقراطي في مصر هو ثابت، وانهيار النظام الاستبدادي ادى بكل الاطراف الى قبول قوانين اللعبة الديمقراطية واقرار دستور جديد. ولكن سؤال- ماذا سيكون المضمون الاجتماعي لهذا النظام، لا يزال مفتوحا لانه متعلق بقدرة القوى الثورية والطبقة العاملة على تنظيم نفسها والنفوذ الى صفوف الشعب في كل انحاء البلاد.

ان الثورة لن تتحقق بضربة واحدة بل ستستغرق حقبة تاريخية كاملة الى ان يستقر النظام. ان الصراع الطبقي سيستمر بين العمال الذين يسعون للتأثير على القرار السياسي لضمان مصالحهم الحياتية، وبين رأس المال الذي يسعى لزيادة ارباحه على حساب الطبقة العاملة.

ان سقف التطور الثوري في مصر محكوم بظروف البلد الموضوعية. فظاهرة الاخوان وتأثير الدين على المجتمع نابع من وضع الفقر والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، من هنا فالخروج من هذا الوضع لا يمكن ان يتحقق بالإمكانيات الذاتية لمصر والقوى الاجتماعية والسياسية فيها، بل هو مرهون بتحول ثوري ضد النظام الرأسمالي النيوليبرالي في كافة الدول وخاصة الصناعية منها، علما انها تعاني منذ مدة طويلة ازمة اقتصادية عميقة لا افق لحلها.

ان ما يمكن ان تنجزه الثورة المصرية هو تقوية الاحزاب العمالية ونقاباتها، توسيع رقعة الديمقراطية، تحسين الظروف المعيشية للعمال والفلاحين، تحرير المرأة من القمع، تحرير العلم والثقافة من الرقابة سواء الحكومية او الدينية، وبناء اسس متينة للانتقال الى مرحلة ما بعد الرأسمالية. انه مجهود دولي اممي، وما حدث في مصر والدول العربية الاخرى، يبشر بمزيد من التحولات في شتى انحاء العالم الذي يعاني من نفس النظام الاقتصادي الذي ألقى بالعمال الى البطالة والفقر بغض النظر عن قومياتهم.

القضية الفلسطينية تدخل عهدا جديدا

ان مصير الشعب الفلسطيني كان ولا يزال مربوطا بمصير العالم العربي برمته، وعلى رأسه مصر. فقد كانت حرب اكتوبر عام 1973، ونجاح الجيش المصري في كسر هيبة الجيش الاسرائيلي حافزا كبيرا في صعود نجم الثورة الفلسطينية التي انتقل ثقلها الاساسي الى الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، نتيجة للاختلال في موازين القوى في المنطقة وتقوية مكانة الاتحاد السوفييتي في العالم بعد هزيمة الجيش الامريكي في فيتنام. وبالمقابل، تراجعت القضية الفلسطينية على خلفية توقيع مصر على اتفاقية كامب ديفيد وإعلان الرئيس المصري انور السادات امام مجلس الشعب بحضور ياسر عرفات عن استعداده زيارة الكنيست الاسرائيلي وإبرام اتفاق سلام منفرد مع اسرائيل.

منذ ذلك الحين تحولت مصر من عدو استراتيجي لإسرائيل وأمريكا، الى حليف وركن اساسي في السياسة الاسرائيلية والأمريكية تجاه الشرق الاوسط. وكان اول ثمرة لاتفاقية السلام بين مصر واسرائيل، العدوان الذي شنته اسرائيل على المقاومة الفلسطينية في لبنان عام 1982، والذي انتهى برحيل منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس واقتراف مجزرة صبرا وشتيلا.

لقد فشلت الانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1987، في تحقيق هدفها إنهاء الاحتلال ليس بسبب الجمود العربي فحسب بل بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي، ذلك الانهيار الذي افتتح عهد القطب الواحد، عهد السيطرة المطلقة للولايات المتحدة على الساحة العالمية وبسط العولمة الاقتصادية على العالم. وانتهت الانتفاضة الاولى بتوقيع ياسر عرفات على اتفاقية اوسلو، بعد ان اعلن ان مرحلة المقاومة الاستشهادية انتهت وان موازين القوى تفرض الصلح مع اسرائيل، واكتفى بسلطة فلسطينية ضعيفة وتابعة لإسرائيل دون ان يضمن اقامة دولة فلسطينية وتفكيك الاستيطان.

وقد تم التوقيع على الاتفاق بالقاهرة بحضور وتشجيع الرئيس حسني مبارك. وكان اتفاق اوسلو مثابة كارثة على الشعب الفلسطيني، اذ انه فرض الطوق الامني على المناطق المحتلة وحرم العمال من مصدر الرزق بعد ان منعوا من دخول اسرائيل لمزاولة اعمالهم فيها، بالمقابل تم انشاء سلطة فاسدة استبدادية لم تتمكن من التعاطي مع القضايا الحياتية للمواطنين ناهيك عن حل الازمة السياسية. وكانت النتيجة ان تحولت حياة الناس الى جحيم، الى ان انفجرت الاوضاع في الانتفاضة الثانية عام 2000.

لقد اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية بسبب الاستياء الشعبي العارم من السلطة الفاسدة وضد الفقر والبطالة، ومن هذه الناحية عبرت الانتفاضة عن غضب الشارع في كل انحاء العالم العربي ضد الانظمة الفاسدة والاحتجاج المتصاعد ضد الفقر والبطالة. وقد استغل الاسلام السياسي هذا الوضع ليطرح "البديل" لسياسة مهادنة امريكا وإسرائيل، وهو الجهاد كوسيلة للكفاح والشهادة كثقافة ثورية.

وكانت هجمات "القاعدة" على واشنطن ونيويورك في سبتمبر 2001 محاولة للسيطرة على العالم العربي، واستغلال الغضب العارم على السياسة الامريكية في الشرق الاوسط وسياسة اسرائيل في المناطق المحتلة. إلا ان هذه الهجمات التي حظيت بدعم الرأي العام العربي والفضائيات العربية، فتحت الباب على مصراعيه لحرب الحضارات، ومنحت الذرائع لإدارة الامريكية برئاسة جورج بوش لاحتلال كل من أفغانستان والعراق. وادت هذه الحروب الى انقسام كبير في العالم العربي، ومنحت الفرصة لايران لزيادة نفوذها في المنطقة وهي تشهد عن بعد كيف يسقط عدوها الاكبر صدام حسين.

عدوى الانقسام العربي الذي ادى الى حروب اهلية في العراق ولبنان، انتقلت ايضا الى الساحة الفلسطينية. حماس لعبت دورا انتهازيا، فمن جهة استغلت الغضب الجماهيري والرأي العام العربي الذي دعم المقاومة الاستشهادية دون اعتبار الثمن الوخيم التي جلبته على الشعوب العربية والشعب الفلسطيني خاصة، ولكنها من جهة اخرى دخلت اللعبة "الديمقراطية" التي انبثقت عن اتفاق اوسلو الذي عارضته، وفازت في الانتخابات التشريعية عام 2006. منذ ذلك الحين، تفاقم الانقسام الفلسطيني حتى وصل الى حرب اهلية في غزة بعد ان استولت حماس على الحكم وطردت السلطة الفلسطينية من غزة في سنة 2007.

وقد تغذى هذا الانقسام الفلسطيني الداخلي من الانقسام في العالم العربي بين مؤيدي ايران، سورية وحزب الله من جهة، وبين مؤدي السعودية، الاردن ومصر مبارك من جهة اخرى. وقد جاءت الثورة التونسية والمصرية لوضع حد لهذا الانقسامات وقلبت كل المعادلات السياسية رأسا على عقب.

لقد اثبتت تجربة العقد الاخير بان نهج المقاومة الذي تبتنه حماس، سواء بالعمليات الانتحارية في العمق الاسرائيلي ثم حرب الصواريخ من غزة، لم يحقق وعده بهزم الكيان الصهيوني. منذ الحرب الاخيرة على غزة توقفت حماس عن المقاومة، وتلتزم التهدئة دون ان تفلح في فك الحصار او تحرير الارض.

من جهة اخرى، فشل ايضا نهج المفاوضات العبثية والارتكان على امريكا الذي اتبعته السلطة بقيادة حركة فتح، وتحول الى غطاء لمواصلة الاستيطان، ولم يستطع ان يزحزح اسرائيل قيد شبر عن موقفها الرافض للانسحاب من المناطق المحتلة والاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة.

كانت نتيجة هذا الانقسام قيام سلطتين منفصلتين، واحدة فحماس في غزة والثانية لفتح في الضفة الغربية، وبينهما وقع الشعب الفلسطيني محتلا، محاصرا، فقيرا، عاطلا عن العمل، محروما من حرية التنقل والحركة والخدمات الأساسية.

ان النظام في غزة هو نظام ديني يقمع الحريات، ولا يختلف كثيرا عن كل الانظمة الاستبدادية في العالم العربي. والنظام في الضفة الغربية لا يقل استبدادا، وهو يطبق سياسة رأسمالية نيوليبرالية لفائدة رأس المال، ويعتمد على مساعدات الدول المانحة التي يُصرف قسم منها كرواتب لموظفي السلطة التي تحولت الى اكبر مشغَّل، مما يحول الشعب الى رهينة لهذه المساعدات التي تهدف الى الحفاظ على الاستقرار وعلى الاتفاقيات مع اسرائيل.

ان النتيجة السياسية المباشرة للتغيير الثوري في العالم العربي، هو فقدان كل من فتح وحماس حلفائهما في العالم العربي. ان رحيل مبارك كان مثابة ضربة قاضية لأبي مازن، كما تزعزع الثورة في سورية النظام الحليف لحركة حماس. وقد أوضحت حماس موقفها من الثورة العربية عندما عبرت عن دعمها للنظام السوري الاستبدادي الذي يذبح شعبه المطالب بالحرية.

مصر اليوم بدأت تنتهج سياسة اكثر استقلالا عن امريكا، وأوقفت انحيازها الكلي لإسرائيل. والشعب المصري، وتحديدا الطبقة العاملة، منشغل في الاصلاح الداخلي وتطهير بقايا النظام السابق، وهو لا يوجه جل طاقاته للاحتجاج على الاحتلال الاسرائيلي كما كان يفعل في سنوات سابقة.

اما الاخوان المسلمون في مصر الذين استغلوا القضية الفلسطينية والدعم لحماس كأداة لمحاربة نظام مبارك وكسب عاطفة الرأي العام، فيسعون اليوم للتحول الى حزب سلطة، الامر الذي سيجبرهم على احترام الاتفاقات المبرمة مع اسرائيل. من هنا نلاحظ الفرق في النهج بين حماس والاخوان في مصر، فبينما استغلت حماس فوزها بالسلطة لمواصلة المقاومة ضد اسرائيل، ادرك الإخوان المسلمون ان مناخ الشعب المصري ليس مع الحرب بل مع تغيير النظام الداخلي وتحسين ظروف حياته.

من الآن فصاعدا سيكون على فتح وحماس ان تأخذا بالحسبان ان المشهد السياسي قد تغير جذريا، وان الامور لا تتجه نحو المهادنة مع اسرائيل والتعايش مع الاحتلال، ولا مع قبول السياسة المغامرة التي تتبناها حماس وايران والتي تهدد بالحرب على كل الجبهات.

ان ما تريده الشعوب في مصر وتونس وسورية هو دخول التاريخ من خلال خلق نظام ديمقراطي عصري وتحقيق العدالة الاجتماعية، وليس الانغلاق وفرض نظام ظالم، طائفي واستبدادي. ومن شأن هذه السياسة المتوازنة بين عدم الانزلاق الى الحرب وبين عدم تأييد المفاوضات العبثية، ان تؤدي الى خلط الاوراق السياسية على الساحة الفلسطينية.

في هذا الصدد يمكننا فهم ظاهرة الحراك الشبابي الفلسطيني من اجل انهاء الانقسام. فهو يتحدى فتح وحماس على السواء، ويحمّلهما المسؤولية عن الوضع الذي آل اليه الشعب الفلسطيني. خلافا للشعوب العربية، لا يطالب الشباب الفلسطيني باسقاط النظام، لانه يأخذ في الاعتبار وجود الاحتلال الاسرائيلي كنظام يجب توجيه كل الطاقات لإسقاطه. ومع هذا، فالدعوة لإنهاء الانقسام لا تكتفي بتذنيب الاحتلال بالمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، بل تحمّل كلا من فتح وحماس مسؤولية كبيرة عن الصراع الداخلي وتأزيم الاوضاع.

وفي حين يبدو شعار "اسقاط النظام" هدفا واضحا يمكن تحقيقه بفعل التحرك الجماهيري والثوري العربي، يفتقد شعار "انهاء الانقسام" الآلية الواضحة للتنفيذ، لأن الطريقة الوحيدة لإنهاء الانقسام هي بوحدة كل التيارات الفلسطينية تحت سقف سياسي واحد، كما كان الحال قبل الانتفاضة الاولى، عندما تمتعت منظمة التحرير بكونها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. ولكن الوحدة لا يمكن ان تتم الا على اساس تقارب سياسي بين الطرفين، ويحتم هذا على فتح ان تتخلى عن برنامج المفاوضات العبثية والتعاون الامني مع اسرائيل، وعلى حماس ان تتخلى عن نهج المقاومة "الاستشهادية" والرفض المطلق لأي تعامل مع اسرائيل. ولكن هذا التصور مستحيل، لانه يعني تغييرا كاملا او بالاحرى انقلابا على برنامج كلا الحزبين، وبالتالي فقدانهما سبب وجودهما.

اتفاق المصالحة الذي تم التوقيع عليه في القاهرة في 4 ايار، بين حركتي فتح وحماس يعكس بلا شك التحولات الثورية التي تشهدها المنطقة، الا انه لا يحل المشكلة الاساسية النابعة من غياب البرنامج السياسي الواضح الذي يحظى بإجماع وطني، يسمح بترسيخ الوحدة وإنهاء الانقسام. الاتفاق نابع من اعتبارات سياسية ضيقة جدا، تتيح للحركتين تقاسم السلطة فيما بينهما، وقطع الطريق امام امكانية نشوء قوة سياسية بديلة تطرح برنامجا ديمقراطيا، علمانيا، اجتماعيا وتنتهج سياسة بعيدة عن التبعية لأمريكا من ناحية ولايران من ناحية اخرى، على شاكلة ما يحدث اليوم من نشوء لحركات سياسية في مصر وبقية الدول العربية. المصالحة هي خطوة لتثبيت نظام فتح وحماس، وليس لإسقاطه واستبداله.

ان العبرة الاساسية من ثورة مصر هي ضرورة بناء تيار سياسي ثالث بعيد عن نهج النظام التابع لأمريكا من ناحية، وبعيد ايضا عن المعارضة الاسلامية التي تريد السلطة والبقاء على ملامح النظام القديم الرجعي. ان الثورة لم تصنعها "المقاومة" بل شباب الفيسبوك، وهؤلاء مثل شباب الحراك الفلسطيني تعرضوا لمعارضة النظام والإخوان المسلمين في آن.

بدل إهدار الطاقات في محاولة فرض الوحدة بين الزيت والماء، من الحري بالشباب الفلسطيني طرح برنامج جديد لمواجهة الاحتلال، مع دراسة العبر من التجارب السابقة سواء المقاومة او المفاوضات العبثية. والأمر الاهم هو طرح برنامج للإصلاح الداخلي بعنوان "العدالة الاجتماعية"، يخدم كل فئات الشعب ويراعي مصالح الطبقة العاملة الفلسطينية، يبني نقابات مستقلة حرة نزيهة، ويهتم بما تعاني منه الناس من نقص في كل مستلزمات الحياة. ان التغيير الداخلي الجذري كان ولا يزال الطريق الوحيد لمواجهة الاحتلال، فلا يمكن تجزيء النضال الداخلي والخارجي، ولا تناقض بين المهمتين.

لقد فشل اتفاق اوسلو بعد ان كرّس الاستيطان بدل إزالته، وأفرز سلطة فلسطينية تلخّص دورها في تحرير اسرائيل من المسؤولية المباشرة عن ادارة الاحتلال وتكاليفه، دون تحرير الارض من الاحتلال. ان سلطة فتح في الضفة وسلطة حماس في غزة تدير اليوم حياة الناس اليومية، ولكن السيادة كانت ولا تزال لاسرائيل. من هنا، فإنهاء الانقسام يفترض انهاء المنافسة على السلطة، اذ دون الصراع على السلطة يفتقد الانقسام اهم ذرائعه. اذا تم حل السلطة الفلسطينية يمكن ان يُفتح الطريق مجددا للمواجهة المباشرة مع الاحتلال، من خلال حراك جماهيري عارم يضع الاساس للوحدة بين التيارات الثورية.

موقف الاحتلال الاسرائيلي إزاء التحول الديمقراطي العربي

كانت الثورة التونسية مفاجأة كبرى بالنسبة لإسرائيل ومؤسساتها الامنية، ولكن الثورة التي اندلعت في مصر وأدت لسقوط نظام مبارك كانت مثابة كارثة لا يدري الاسرائيليون كيف يستوعبونها بعد.

في بداية الاحداث في مصر، كان امل المؤسسة الاسرائيلية ان يتمكن مبارك من قمع المظاهرات، ولكن عندما اعلن الرئيس الامريكي، براك أوباما، بأن على مبارك ان يتنحى استشاط غضب الاسرائيليين، واستمرت حكومة نتانياهو بدعمها العلني للنظام حتى بعد ان فقد كل شرعيته ومقومات صموده ازاء الملايين من شعبه التي طالبته بالتنحي. بعد رحيل مبارك استفسرت السلطات الاسرائيلية لدى المجلس العسكري المصري عن موقفه من اسرائيل، وحصلت على تطمينات بان الوضع مستقر وانه لا خطر على امن اسرائيل لأن الجيش المصري ملتزم بالاتفاقات المبرمة معها.

لقد اعتمدت اسرائيل على تواطؤ نظام مبارك معها بكل ما يتعلق بسياستها الرافضة للتفاوض مع الفلسطينيين واستمرارها بتوسيع الاستيطان. ان مواجهة ايران والحد من تغلغل نفوذها في المنطقة، كان اهم بالنسبة للنظام المصري والسعودي من حل القضية الفلسطينية، وقد لعبت اسرائيل دورا محوريا في ردع طموح النظام الايراني التوسعي في المنطقة. اعتمادا على هذا الموقف، استطاعت الحكومة الاسرائيلية اليمينية ان تحبط كل مبادرات وضغوط الادارة الامريكية التي ارادت التوصل حتى سبتمبر 2011 الى حل للقضية الفلسطينية على اساس دولتين لشعبين.

لقد شهدت العلاقات بين حكومة نتنياهو والبيت الابيض ازمات عديدة بسبب الموقف الاسرائيلي الرافض للخوض في مفاوضات جدية مع الفلسطينيين، ترسم الحدود وتضع حدا للنزاع المتفاقم. فقد رأت امريكا مصلحة حيوية لها في حل القضية الفلسطينية بسبب غرقها في الوحل الافغاني والعراقي، وادركت ان انحيازها السافر لاسرائيل منح الإسلام السياسي الفرصة لتوجيه الغضب الجماهيري ضدها وزعزعة الانظمة العربية الحليفة لها في المنطقة. ولكن الانقسام العربي وصمت الانظمة العربية ازاء ما يحدث في المناطق المحتلة وضعف اوباما امام الحزب الجمهوري الذي استولى على الكونغرس في الانتخابات الاخيرة، مكّن نتانياهو من احباط كل محاولة للوصول الى حل ينهي النزاع الدموي مع الفلسطينيين.

تغير الوضع بعد الاحداث الثورية الاخيرة، ولم يعد الوقت يلعب لصالح نتانياهو وحلفائه في الحكومة، بل بالعكس. فاليوم يتبين ان تعنت الحكومة الاسرائيلية ساهم في إفقاد الانظمة الصديقة لها في مصر وتونس ما تبقى من مصداقيتها، وادى التغيير الثوري في العالم العربي الى بروز الرأي العام العربي كعنصر مؤثر على الحياة السياسية وعامل ضغط فعّال في الشرق الاوسط لا يمكن تجاهله في أية سياسة سيتم اتباعها من الآن فصاعدا.

وقد اصبحت مهمة الحكومة اليمينية في اسرائيل البقاء السياسي، واعتباراتها كانت ولا تزال انتخابية، بمعنى ان وظيفتها تنحصر في سد الطريق امام حزب كديما ومنعه من الوصول الى الحكم. ومن هنا جاء تحالف حزب الليكود مع احزاب يمينية متطرفة لا تقبل بمبدأ دولتين لشعبين ولا بتفكيك المستوطنات.

في ظل فقدان اية استراتيجية سياسية، انبرى كل حزب في الائتلاف اليميني يخدم مصالحه الفئوية. فقد انتهج وزير الخارجية ليبرمان سياسة عنيفة تجاه الولايات المتحدة وأوروبا حتى لم يعد قادرا على اداء مهامه السياسية كوزير للخارجية، وجذب انتقادات متزايدة من السفراء المعتمدين في اوروبا. وكان شعار ليبرمان "انا أقول الحقيقة" بمعنى انه يعبر عن موقف الشارع الاسرائيلي، وعلى هذا الاساس نفسه بادر لسن قوانين عنصرية ضد المواطنين العرب مثل قانون النكبة، الولاء ليهودية الدولة، وإقامة لجنة برلمانية للتحقيق في تمويل المنظمات غير الحكومية التي تعاونت مع لجنة جولدستون للتحقيق في حرب غزة.

اما وزير الدفاع، ايهود براك، فقد انشق عن حزب العمل، بعد ان هدد زملاؤه في الحزب بالانسحاب من الحكومة بسبب رفضها المطلق لكل المبادرات في شأن المفاوضات مع الفلسطينيين، وعدم التزامها بوقف الاستيطان كبادرة حسن نية.

نتنياهو نفسه لم يكتف برفض كل المبادرات السياسية، بل انشغل في تحسين الاداء الاقتصادي تحديدا بعد العاصفة الاقتصادية التي سببت الانهيارات الاقتصادية في العديد من دول العالم، والتي كانت من اهم العوامل التي أنضجت الثورات العربية وقادت لسقوط الانظمة في مصر وتونس. وقد باشرت الحكومة الاسرائيلية بسياستها الاقتصادية التقشفية، وعمّقت بالتالي الفجوات الاجتماعية داخل المجتمع الاسرائيلي، ومكّنت رأس المال الاسرائيلي والأجنبي من الاستمرار في جني الارباح من خلال المضاربة في البورصة، والاستثمار في المجال العقاري، وتفضيل صناعات التكنولوجيا المتطورة على الصناعات التقليدية. وساهمت هذه السياسات في تهميش اضافي للطبقة العاملة في اسرائيل، وادت الى تراجع ملحوظ في مستوى معيشة الطبقات الوسطى ايضا.

لقد اندلعت الثورة المصرية في وضع تواجه فيه اسرائيل جمودا في العلاقات مع الفلسطينيين، وتفتقد اي برنامج للحل، وتتعرض لانتقادات الحكومات الاوروبية من كل حدب وصوب، وتفقد مصداقيتها كدولة تسعى للسلام. وعلى الصعيد الداخلي، تراجعت ثقة الجمهور بالنخبة الحاكمة خاصة بعد حبس وزراء بتهم الفساد، وادانة رئيس الدولة بتهمة الاغتصاب، وازداد التذمر بسبب الفجوات الاجتماعية كما تبين في اضراب العاملين الاجتماعيين، وتعمق الانقسام بين اليمين واليسار، بين من يريد مواصلة الاستيطان والتنكيل بالفلسطينيين والتحريض العنصري ضد المواطنين العرب من جهة، وبين من لا يطيق الطابع العنصري للدولة.

لقد عجّلت الثورة المصرية عقارب الساعة، ووضعت حكومة نتانياهو في صدام مباشر مع واقع عربي وعالمي جديد. ان سقوط نظام مبارك يعني سقوط السياسة الاسرائيلية التي اعتمدت على الانقسام العربي بين محور الشر ومحور "الاعتدال". هناك محور جديد هو محور "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية" وهو يشمل مصر، تونس، سورية، ليبيا واليمن، وهذا المحور الجديد يُسقط كل مبرر للاستمرار في السياسة العدوانية تجاه العرب بشكل عام وتجاه الفلسطينيين بشكل خاص.

وإذا كان البيت الابيض قد طالب اسرائيل بوقف الاستيطان بهدف مساعدته في الخروج من الورطة في العراق وأفغانستان، فان الثورة المصرية قد وضعت الامريكان والمجتمع الدولي كله امام معادلة جديدة: إما الانحياز للاحتلال والعنصرية والقمع الذي تمارسه اسرائيل، واما دعم التحولات الديمقراطية التي تعم العالم العربي. وسيكون على العالم الاختيار، لان الديمقراطية والاحتلال لا يتعايشان.

ما تواجهه اسرائيل اليوم ليس دولا استبدادية، تابعة او معارضة لها، بل دولا تتبنى مبادئ الديمقراطية، احترام حقوق الانسان، مراعاة مصالح المواطن، انتهاج سياسة خارجية تتضامن مع مطالب الشعوب في الاستقلال، الرفض لكل انواع القمع على اساس ديني، جنسي، قومي او طائفي. وإسرائيل لا تعرف كيف تواجه مثل هذه الظاهرة الثورية الجديدة، وهي لا تستطيع ان تنعتها باللاسامية.

ولا تستطيع اسرائيل ايضا مواصلة الادعاء الواهي بانها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. فالاحتلال المستمر منذ اكثر من 40 عاما والاستيطان والقوانين العنصرية وحتى سياستها الداخلية الرأسمالية، تفضح طبيعتها التي تفرق على اساس طائفي، ديني، قومي، ولن يعود بإمكانها بعد اليوم تبرير سياستها العنصرية بأنها محاطة بأعداء يريدون إبادتها.

لا شك ان العزلة التي دخلتها اسرائيل ستتوسع بسبب الثورات العربية، ولكن هذا الامر متعلق ايضا بما ستطرحه القوى الثورية التي تبني هذا المستقبل الجديد، وبامكانية قيام قوى فلسطينية جديدة قادرة على استيعاب ما حدث من تحولات جذرية في المنطقة وقادرة على استغلالها لصالح النضال الفلسطيني ضد الاحتلال. انها فرصة ثمينة لحشر اسرائيل والاحتلال في الزاوية الدولية، ونزع الشرعية عن سياستها وكسب تعاطف الرأي العام العربي والدولي لصالح النضال الفلسطيني المشروع لانهاء الاحتلال، والمبني على نفس المبادئ التي قامت عليها الثورة المصرية.

الجمهور الاسرائيلي الذي فقد الثقة في القيادة السياسية، سيقف أمام تحدٍّ كبير جدا، وهو انتهاز الفرصة لفتح حوار صريح مع الثوار في العالم العربي بحثا عن مستقبل مشترك خالٍ من الحروب والاحتلال والعنصرية. ان الترسانة العسكرية الضخمة لا تستطيع تغيير الواقع وقلب الانظمة وفرض انظمة بديلة، كما كان الحال في السابق، وكما اراد الرئيس بوش فعله عندما احتل العراق. وليس امام اسرائيل سوى طريق واحد اذا ارادت ان تحافظ على وجودها وانتمائها للمجتمع الدولي، وهو انهاء الاحتلال وإحداث تغيير سياسي جذري تجاه مواطنيها العرب لكي تصبح دولة لكل مواطنيها وليس لليهود فقط.

برنامج حزب دعم يتماثل مع الثورة العربية

لم تكن الثورة العربية الديمقراطية مفاجأة بالنسبة لحزب دعم، بل كانت تأكيدا على نهجنا السياسي. فقد تأسس حزب دعم بعد ان ايدت الاحزاب اليسارية الفلسطينية سلطة اوسلو، وتخلت على المبادئ الثورية وقبلت بالظروف الدولية التي تأتت عن سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار الرأسمالية العالمية. وقد حددنا خطنا السياسي على اساس الرفض القاطع لسياسة التوافق مع العولمة والتماشي مع سياسة امريكا في المنطقة، كما رفضنا من منطلق مبدئي موقف المقاومة العسكرية ليس بسبب الخلل الكبير في موازين القوى، بل بسبب الطبيعة الدينية الطائفية والعنصرية لبرنامج المقاومة الاسلامية.

لقد وضعنا آمالنا في نشوء قوى جديدة عمالية وأممية بعيدة عن التعصب القومي والإسلام السياسي، تكون نتيجة للواقع الذي سيخلقه النظام الرأسمالي الفاسد، وفشل المقاومة الاسلامية في طرح برنامج بديل يتعامل مع مشاكل الناس الحقيقية.

وفي كل ما يتعلق بمصر كتبنا في وثيقة المؤتمر الرابع لحزب دعم "القضية الفلسطينية والبديل الاشتراكي" الصادرة في اواخر عام 1999: "ان اللعبة الراهنة بين النظام المصري والنقابات والمعارضة الشكلية، يمكن ان تستمر ما دام المواطن المصري يجد الخبز وال20 دولار في الشهر التي تمكنه من البقاء على قيد الحياة. ولكن اذا تحرر الاقتصاد حسب متطلبات المؤسسات الرأسمالية الجديدة، فلن يكون بمقدور احد ان يضمن مستقبل النظام الذي لن يكون عليه مواجهة شعب فقير فحسب، بل جائع ايضا.

"وقد يصبح تصورنا للازمة الاقتصادية اقرب الى الحقيقة اذا تنبهنا الى ان الطريق المسدود الذي دخله النظام المصري، تقف عنده سائر الانظمة العربية التي تسعى للاندماج في نظام التجارة الحرة تحت الهيمنة الامريكية ومن خلال اقامة علاقات حميمة مع اسرائيل، وتبدي استعدادا كبيرا لتخطي كل الخطوط الحمراء على حساب شعوبها" (ص 95-96)

كانت هذه التوقعات ناتجة عن تحليلنا للنظام الرأسمالي وتأثيره على الانظمة العربية، ولكن كان علينا ان ننتظر 11 سنة حتى تحققت آمالنا وتوقعاتنا. وفي كل هذه السنوات انتقلت الجماهير من الدعم لاتفاق اوسلو الى دعم المقاومة الاستشهادية، وبقي حزب دعم صوتا وحيدا يدعو لبناء بديل اشتراكي جديد، بعيد عن نهج اوسلو والنهج القومي الاسلامي. ولكن في سنة 2008 رأينا اول شرارة لما كان متوقعا منذ زمن طويل وهو اضراب عمال النسيج في المحلة الكبرى بمصر، والذي وضع لأول مرة اجندة سياسية جديدة، ليست مقاومة امريكا وإسرائيل بل اسقاط النظام وإرساء العدالة الاجتماعية لكل شعب وعمال مصر.

وقد بعث حزب دعم وفدا لتقصي حقائق هذا الاضراب والحركة العمالية في مصر، وكان واضحا بان سلسلة المعارك النقابية التي قام بها عمال مصر قبل الاضراب في المحلة الكبرى والتي تم توثيقها في كتاب صادر عن "مركز هشام مبارك"، تحمل كل المواصفات الثورية. ولا شك ان نشوء حركة "شباب 6 ابريل" التي تبنت مطالب العمال، ساهم في بث الروح الثورية على أوسع نطاق مما مهد الطريق الى ثورة 25 يناير وإسقاط النظام.

وقد مر على حزب دعم سنين طويلة من العمل ضد التيار. فنحن لم نقف على الحياد في انتظار نهضة الحركة العمالية العربية، بل بادرنا الى تأطير الطبقة العاملة من خلال تأسيس اول نقابة مستقلة عن الهستدروت على اساس اممي، تجمع بين العمال العرب واليهود على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية.

طوال فترة نشاطنا رأينا كيف يخدم البرنامج الديني والقومي مصالح البرجوازية العربية بمختلف اطيافها، وكيف ينظر الى العمال باستهتار، ويتجاهل الدور الحيوي الذي يقوم به حزب دعم في الدفاع عن الطبقة العاملة من رجال ونساء وشباب امام القوى ظلامية التي، باسم العادات والتقاليد، همّشت الشعب وحوّلته الى رهينة للتخلف والعنف والفقر وأفقدته أي امل بالمستقبل.

وفي الموقف السياسي أكدنا في الوثيقة المذكورة اعلاه من عام 1999، ان اتفاق اوسلو احبط كل امكانية للوصول الى حل عادل على اساس دولتين للشعبين، ما دامت امريكا تسيطر على العالم. ومع ذلك، رأينا امكانية لسقوط اوسلو اذا تزعزع النظام الرأسمالي العالمي والعالم العربي، وفي هذا تقول الوثيقة:

"يعكس وضع الشعب الفلسطيني ما يحدث في العالم العربي. فازدياد رقعة الفقر والبطالة، وفقدان مصداقية الانظمة بسبب تبعيتها المطلقة لأمريكا والفساد المستشري في اجهزتها الحاكمة، ونشاط الحركة الشعبية المناهضة للتطبيع مع اسرائيل، كلها مؤشرات على ان الوضع قابل للتغيير. ان اتفاق اوسلو ساري المفعول بسبب الجمود العربي، لذا فسوف تهتز دعائمه مع اول تغيير جذري في البنية السياسية الاجتماعية للعالم العربي." (ص105)

لا شك اننا اليوم امام هذا "التغيير الجذري"، وعلينا ان ندقق في البرنامج السياسي ليلائم الظرف الراهن والتحولات على الساحة الفلسطينية وحتى الاسرائيلية. ان احد نتائج الهبة الجماهيرية ضد امريكا وإسرائيل في العالم العربي، كان التحول في موقف المجتمع الدولي من الاستيطان والاحتلال. وأصبح مطلب اقامة دولة فلسطينية موقفا دوليا تتبناه الادارة الامريكية التي أجبرت اسرائيل على القبول به.

ولكن هذا المطلب لا ينفَّذ لسببين: الاول عدم وجود طرف فلسطيني موحد قادر على اثبات سيطرته على المناطق المحتلة، الامر الذي تستغله اسرائيل لصالحها؛ والثاني وهو الاهم، عدم وجود طرف اسرائيلي يمتلك القدرة او النية لتفكيك المستوطنات المتفق على إخلائها والدخول في مواجهة مع 60 الف مستوطن يشكّلون النواة الصلبة والمتنفذة في المجتمع والجيش الاسرائيليين.

وإذا كانت معارضتنا لاتفاق اوسلو ناتجة عن تملّصه من معالجة القضايا الجوهرية مثل الاستيطان، القدس واللاجئين، فما تقترحه اليوم الادارة الامريكية نفسها هو معالجة القضايا الجوهرية وعلى رأسها رسم الحدود بين الدولتين وهو ما ترفضه اسرائيل بشدة. ولكن الادارة الامريكية لا تتطرق لاسئلة لا تقل تعقيدا وهي مثلا: هل ستبقى الكتل الاستيطانية الكبيرة كتلك المحيطة بالقدس او اريئل، ضمن السيادة الاسرائيلية؟ من سيضبط الحدود والأمن في الدولة الفلسطينية؟ ماذا سيكون مصير الجدار الفاصل؟ ماذا ستكون الموارد الاقتصادية والمقومات اللازمة لاقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ام ان الدولة الجديدة ستواصل الاعتماد على الدول المانحة؟

اننا كحزب دعم لا نزال على يقين بان حلا جذريا للقضية الفلسطينية غير ممكن ضمن النظام الرأسمالي الظالم القائم، ولكننا نرى فيما يحدث من ثورات في العالم العربي وتعزيز للاتجاه الديمقراطي فيه، بداية لتغيير حقيقي في موازين القوى في المنطقة. هذا التغيير يسمح بطرح شعار انهاء الاحتلال وازالة الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ذات سيادة كاملة على الارض واستقلالية اقتصادية. ان هذا الطرح ضروري لعزل وهزم اليمين الاسرائيلي المتطرف من جهة، ومواجهة السلطة الفلسطينية التابعة من جهة اخرى، وحكومة حماس في غزة الرافضة لكل حل ولا تقترح بديلا ينهي الحصار والانقسام الفلسطيني الداخلي.

ولكن هذا الطرح يحتاج موقفا حازما من السلطة الفلسطينية التي تعمل كوكيل للاحتلال، من خلال التنسيق الامني والتبعية الاقتصادية. ان وجود السلطة الفلسطينية يمنح اسرائيل السيطرة الفعلية دون تحمل المسؤولية المدنية عن سكان المناطق المحتلة، وفي نفس الوقت تواصل بناء المستوطنات وتسجن الفلسطينيين وراء جدار وحصار، ومن هنا، تتوجب مقاومة الاحتلال العمل على إسقاط وحل السلطة الفلسطينية.

عندها سيكون على اسرائيل ان تختار بين الاستيطان وبالتالي تحمل المسؤولية المباشرة المدنية ايضا عن المناطق المحتلة والتحول بذلك الى ابارتهايد وفقدانها الشرعية الدولية؛ وبين الانسحاب الكامل وافساح المجال امام قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

اما بالنسبة لحزب دعم وعملنا الميداني فعلينا ان نستمر في طريقنا في بناء حزب عمالي ثوري، وهذه المرة لن نضطر للسباحة ضد التيار كما كان الحال قبل الثورة، بل سيكون امامنا الاندماج والتماهي مع الثورة العربية والطبقة العاملة المصرية والتونسية التي تلعب دورا رياديا وطليعيا في التحول الديمقراطي.

لا شك ان العناصر التقدمية في الطبقة العاملة داخل اسرائيل وفي العالم اجمع ستتأثر بهذا التيار الجديد الذي يطرح نفسه بديلا للتيار الاسلامي من ناحية وما تبقى من النظام القومي القديم. اننا امام واقع جديد وعلينا البحث عن حلفاء للفكر، والنشاط لبناء قوة سياسية جديدة بعيدة عن فكر وممارسة الأحزاب القائمة، قوة تطرح برنامجا واقعيا يراعي هموم الناس ويضع الأسس للوصول الى سلام عادل وإنهاء عهد الحروب.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__404/الثورة_الديمقراطية_العربية_تفتح_آفاقا_جديدة
20.11.2017, 15:11