شؤون اسرائيلية

كلّ شيء يتغيّر ونتنياهو على حاله

يعقوب بن افرات

مساء يوم الأربعاء، 27 نيسان، تم بث تصريح مسجّل لبنيامين نتنياهو، توجّه فيه بلغة تنطوي على تهديد إلى رئيس السلطة الفلسطينية ابو مازن، وطالبه بالاختيار بين "السلام مع حماس أو السلام مع إسرائيل". تم بث تصريح نتنياهو بعد ساعات قليلة من إعلان مصر عن التوصّل إلى اتّفاق مصالحة بين فتح وحماس، يتضمّن اتّفاقًا بين الطرفين على تشكيل حكومة غير سياسية وظيفتها التحضير للانتخابات الرئاسية للسلطة الفلسطينية وللمجلس التشريعي خلال سنة. فاجأت هذه الاتّفاقية الجميع، وربّما الموقّعين عليها أيضًا، بينما ردّ الفعل الاستنكاري الذي أصدره نتنياهو كان متوقّعًا بدون أدنى شكّ، وكسائر تصريحاته السابقة، لم يكن في نيّته إقناع الطرف الفلسطيني بنوايا إسرائيل السلمية، لسبب بسيط وهو أنّ هذه النوايا، على ما يبدو، لم تكن قائمة أصلاً.

تتلخّص سياسة الحكومة الحالية منذ تشكيلها في كلمة واحدة- إحباط. لهذا الغرض تمّ تعيين ليبرمان وزيرًا للخارجية وإيهود براك وزيرًا للدفاع. تغلق إسرائيل الأبواب على نفسها، وتتلخّص وظيفتها في إحباط كلّ محاولة من جانب الخصم للاقتراب من أيّة تسوية. الخصوم كثيرون. بالإضافة إلى أعدائها التقليديين، وعلى رأسهم إيران، أصبح كلّ العالم في الوقت الراهن خصمًا، كلّ الطرق مشروعة للتغلّب عليه. أحد الخصوم البارزين هو بالطبع الرئيس أوباما الذي تجرّأ على تحديد إطار زمني للتوصّل إلى اتّفاقية، وطلب تمهيدًا لذلك، وقف الاستيطان. كما ويبرز في قائمة خصوم إسرائيل رئيس حكومة تركيا ورؤساء الاتّحاد الأوروبي ودول أمريكا اللاتينية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية. بالنسبة لنتانياهو، إيران هي الذريعة المثالية، وأحمدي نجاد يجد نفسه يساعده في ذلك، من أجل الهدف الأساسي وهو الحفاظ على ائتلافه الحكومي.

نجحت سياسة الإحباط التي ينتهجها نتنياهو نجاحًا لا بأس به حتّى مطلع السنة الحالية، واستخدم لذلك أعمال تمويه مثل خطاب "بار إيلان" والتجميد المؤقّت لبناء المستوطنات وحتّى التحدّث مع قادة العالم عن استعداد إسرائيل للقيام بتنازلات مؤلمة لولا عدم وجود شريك جدّي للاتّفاق معه. إلاّ أنّ صبر محمّد بوعزيري قد نفد، وبدون علاقة بنتنياهو وحكومته، قرّر الانتحار في إحدى البلدات النائية في بلده وأحرق نفسه وبذلك أشعل حريقًا كبيرًا ما زال متأجّجًا منذ شهور في الشرق الأوسط بأكمله. ينظر نتنياهو حوله ويحاول العثور على حوافز للاستمرار في تسويق روايته عن الطبيعة غير المستقرة للمنطقة وبأنّه ليس بالامكان الاعتماد على العرب، وإلى أيّ مدى يعتبر هو وحكومته غير الفعّالة ولكن المستقرّة كنزًا قيّمًا للغرب المتحضّر.

لكنّ العالم يرفض الاقتناع هذه المرّة ويرى الأمور بصورة مغايرة، مما يثير خيبة أمل نتنياهو. بالنسبة للغرب كانت لنتنياهو مساهمة كبيرة في خلق "عدم الاستقرار" هذا. كان ذلك نتنياهو الذي خيّب أمل جميع أصدقائه في العالم العربي الذين تعرضوا لانتقادات لاذعة من شعوبهم على أثر تجاهلهم للمشاهد الرهيبة في حرب غزّة، أو مثلاً على أثر تجاهلهم ممارسات الجيش الإسرائيلي في المظاهرات الأسبوعية التي تجري احتجاجًا على بناء الجدار العازل. كان ذلك نتنياهو بعينه الذي دفع بأبو مازن إلى أحضان حماس. كان أبو مازن خلال أشهر يطالب نتنياهو بالدخول في المفاوضات للتوصّل إلى اتّفاقية سلام، ولكن لا حياة لمن تنادي. وهكذا بعد أن سقط مبارك، الحليف لابو مازن الأساسي، لم يبقَ امام الرئيس الفلسطيني أيّ خيار سوى ملاءَمة نفسه للواقع الجديد.

الاتّفاق بين فتح وحماس لم يتمّ بدافع المحبّة لفلسطين، وإنّما لأنّه لم يكن هناك خيار آخر. عندما سقط مبارك، احتفلت حماس وإيران في الوقت الذي تعرض فيه أبو مازن لصدمة شديدة. لكنّ العبرة من سقوط مبارك استوعبت جيّدًا في سورية. الموقف تجاه إسرائيل لا يحمي الأنظمة الدكتاتورية، وفي الوقت الذي يهتزّ فيه نظام الأسد، تدرك حماس أنّ الزمن قد تغيّر ولا يمكنها الاعتماد بعد الآن على سورية، الداعمة الأساسية لها. يئست شعوب المنطقة من أمريكا، وبنفس المدى يئست من إيران أيضًا. في الأراضي المحتلّة أيضًا، في الضفّة الغربية وفي قطاع غزّة، عبّر الشباب عن سخطهم من الطرفين- فتح وحماس على حدّ سواء- وطالبوا بإنهاء الانقسام الداخلي الذي بلغ حدّ الحرب الأهلية.
نتائج المصالحة بين فتح وحماس غير واضحة المعالم، فمواقف الطرفين متناقضة في جوهرها. تعتمد السلطة الفلسطينية على المساعدات الاقتصادية والأمنية الأمريكية المكثّفة، التي تتيح لها العيش والبقاء، بينما تعتمد حماس على إيران. لدينا هنا تصوّران مختلفان، حتّى أنّه من الصعب تخيّل تعايشهما معًا. ورغم ذلك، التحوّلات التي تشهدها المنطقة حادّة وجذرية، والرأي العامّ العربي والفلسطيني حاسم إلى حدّ يعلم فيه كلا الطرفان أنّهما إذا لم يتقاسما السلطة فيما بينهما، سيخسرانها لطرف ثالث آخذ في التبلور كاستمرارية لما يحدث في العالم العربي.

تقوم مصر بدور ريادي في الحلبة الفلسطينية. في حين عملت مصر برئاسة مبارك كلّ ما بوسعها لإحباط المصالحة ودعمت وشاركت في الحصار على غزّة وطالبت عمليًا باستسلام حماس بدون شروط، تقود مصر الجديدة عملية تتلاءم مع التحوّلات الداخلية التي تمرّ بها منذ الثورة. لا ينبع تنازل حماس فقط من تضعضع حليفها السوري، وإنّما أيضًا من التغيّر الذي يمرّ به حزبها الأصلي- الإخوان المسلمون في مصر.
عندما قررت إدارة أوباما اضفاء الشرعية على الإخوان المسلمين وقبلت بهم تيّارا مركزيا وحليفا للمجلس العسكري الحاكم في مصر، ظهر واقع سياسي جديد يشير إلى تغيّر ممكن في حماس. كبطاقة دخول إلى الحياة السياسية، التزم الإخوان المسلمون باحترام اتّفاقية السلام مع إسرائيل، فهم لن يعرّضوا مكانتهم للخطر فقط لأجل إرضاء حماس ودعما للإمارة الإسلامية في غزّة. مع كلّ الاحترام لحماس ولحركة المقاومة ضدّ إسرائيل، مصر ومكانة الإخوان المسلمين فيها أهمّ في نظرهم من ضمان مصالح حماس.

في الوقت الذي دأب فيه على التوصّل إلى المصالحة مع حماس، صرّح وزير الخارجية المصري، نبيل العربي، عن نيّته زيارة إسرائيل. لهذا التصريح أكثر من تفسير: أوّلاً، الاعتراف بإسرائيل والالتزام باتّفاقية كامب ديڤيد؛ ثانيًا، جاء التصريح للتوضيح أنّ اتّفاقية المصالحة بين فتح وحماس ليست موجّهة ضدّ إسرائيل؛ لكن أكثر ما يرغب فيه وزير الخارجية المصري الجديد هو التحدّث مع نتنياهو عن الشرق الأوسط المتغيّر. يرغب في التحدّث معه عن نظرية الثورة العربية ودلالاتها. يرغب في القول لنتنياهو إنّ كلّ شيء منوط به، وأنّ "عدم الاستقرار" يتيح فرصة لا تعوَّض لإحداث تغيير واسع في المنطقة وعزل إيران وتقريب التيّار الإسلامي. باختصار، يرغب نبيل العربي في تمرير الكرة إلى ملعب نتنياهو، ليقرّر هو بدوره إذا كان يريد أن يكون جزءًا من المنطقة أو أنّه يريد المواجهة والانعزال.
إذا وافق نتنياهو، فبإمكانه "المساهمة" في تشكيل نظام سياسي جديد تشارك فيه كافّة التيّارات الفاعلة في المنطقة وبقايا الأنظمة التي سقطت والقوى الليبرالية الجديدة التي تقود الثورة والمعارضة الإسلامية. إذا رفض نتنياهو، فلا يمكنه أن يتوقّع أن تتصرّف الأنظمة الجديدة بنفس الغباء كما تصرّفت الأنظمة التي سقطت. لن تتمكّن الأنظمة الجديدة من الموافقة على الاحتلال والحصار والجدار العازل والمستوطنات. ثمّة احتمال بأن تقوم الديمقراطيات الجديدة بإقناع أوروبا وحتّى أمريكا بإجبار إسرائيل على ملاءمة نفسها للتحوّلات في المنطقة.

لسنوات كثيرة أهدرت إسرائيل الوقت، والوقت كما نعلم، مورد قيّم، خاصّة أنّه لا يمكن العودة به إلى الوراء ولا يمكن استرجاع ما كان. رابين لن يعود، وكذلك عرفات ومبارك وحتّى الأسد ذاهب في نفس الطريق. الواقع يتغيّر حتّى إذا رفض الدكتاتوريون أو سياسيون كمثال نتنياهو الاعتراف بذلك. سياسة إسرائيل منذ اتّفاقيات أوسلو، كانت تأجيل النهاية، والامتناع عن اتّخاذ قرار في مسألتين أساسيتين- المستوطنات والقدس.

إلاّ أنّ النهاية أتت، والسؤال مطروح بملء أهمّيته- مصر تغيّرت وسورية تتغيّر وإيران في طريقها إلى التغيير. بقي فقط نظام واحد يأبى التغيّر، ويرغب في إقامة فصل عنصري بين اليهود والعرب والحواجز والشوارع المنفصلة والمستوطنات في لبّ الأرض المحتلّة. نظام فصل بائد، لا سبب لوجوده. لذلك نوصي نتنياهو بالإصغاء جيّدًا لما سيقول وزير الخارجية المصري، لكي لا يحدث للإسرائيليين ما يقولونه دائمًا عن الفلسطينيين- بأنّهم لا يفوّتون فرصة لتفويت الفرصة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__403/كلّ_شيء_يتغيّر_ونتنياهو_على_حاله
22.10.2017, 17:10