تاريخ النشر ٢٥/٠٢/٢٠١١

شؤون عربية

العمال هم الضمان لنجاح الثورة المصرية

اسماء اغبارية-زحالقة

ما كاد الرئيس المخلوع حسني مبارك يرحل عن عرشه، حتى تسابقت الأيدي لتقطف ثمار الثورة وتدعي انها صاحبتها وصانعتها، والثورة لم تكتمل بعد. وحدهم يقفون صامتين، صامدين، يواصلون النضال، بتواضع، بإصرار، باستعداد أثبتته دماؤهم التي سُكبت للاستشهاد في سبيل الحق والحقيقة. انهم عمال مصر. القوة النابضة والروح المسيِّرة لهذه الثورة العظيمة التي رفعت رؤوس العرب في العالم اجمع وردّت اعتبارهم، وألهمت العمال حتى في الولايات المتحدة نفسها بان زمن الثورات قد افتتح من جديد.

في مواقع عديدة من منشآت مصر الاقتصادية، تتواصل الاحتجاجات والاضرابات العمالية بمعدل 40-60 اضرابا يوميا، دون كلل او ملل، يتحدون مرسوم الجيش الاخير الذي حمل نبرة تهديد ووعيد لإجبارهم على العودة لأعمالهم.

مؤسف ومحزن، وربما متوقع، ان نرى الكل يتهافت على العمال، من جيش الى ليبراليين الى اسلاميين الى بعض "شباب الثورة" أنفسهم، يطالبونهم بوقف الاحتجاج والاضراب، ويصبون عليهم الاتهامات بتهديد اركان الاقتصاد المصري، بينما يعرف الجميع الحقيقة، بان النظام هو من سرق البلاد، هو من دمر الاقتصاد، وهو من يحاول اليوم ايضا سرقة الثورة. كل هذا ضمن محاولة واضحة لتحجيم دور العمال في استنهاض الثورة.

حول هذا الموضوع تحدثنا مع المحامي العمالي خالد علي من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو الذي حقق السابقة القانونية برفع الحد الأدنى للأجور الى 1200 جنيه (قرار لم يطبق بعد). يقول علي: "لا احد يمكنه ان ينكر دور الشباب في إشعال فتيل الثورة عندما دعوا الى التظاهر في 25 يناير، ولكن من الخطأ والسطحية بمكان الادعاء بأن الشباب هم أصحاب الثورة وقادتها. صحيح انهم من أشعلها، ولكن العمال كانوا هم من مهّد الطريق لها وحافظ على جذوتها. لقد كان لهذه الثورة ككل ثورة اسباب وجذور، ومطالب سياسية واقتصادية واجتماعية جعلتنا نصمد 18 يوما في الميدان تحت كل الظروف".

واضاف علي: "لقد قاد العمال أعظم وأطول موجة نضالية عمالية مستمرة منذ عام 2004 وحتى عام 2011، جمعت بين المطالب النقابية والسياسية، هزت اركان النظام، وحركت عشرات الآلاف من الجماهير العمالية في اضرابات واعتصامات، وتعرض الكثيرون للقمع والاعتقال والفصل من العمل".

وأشار علي الى نقطة ضعف رئيسية في تحركات العمال وهي "تنازلهم عن قيادة الثورة، مع انهم شاركوا في الثورة من يومها الأول ككتل عمالية ونقابات مستقلة ولجان عمالية، ولكنهم سرعان ما انجرفوا وراء الموجة الاعلامية التي اعطت الشباب الصفة القيادية للثورة".

ويضيف: "إن بعض القوى السياسية تخلت عن العمال، ومن هذه القوى الاخوان المسلمون مثلا، وهو وضع عهده العمال، ولكنهم لا يقيمون وزنا للهجمة عليهم، بل يستمرون في الاحتجاجات حتى تحقيق مطالبهم".

واكد النقابي اليساري حمدي حسين، مدير مركز آفاق اشتراكية بالمحلة، انه يعارض بشدة موقف القرضاوي الذي طالب العمال بالعودة لبيوتهم، مشيرا "ان لا احد يملك المصداقية لمطالبة العمال بوقف نضالهم. كما ان موقف الجيش من العمال لم ولن يمنعهم من مواصلة احتجاجهم، وهي لن تتوقف حتى يعلن الجيش عن التزامه بالمعايير والمواثيق الدولية المتعلقة بالعمال".

واضاف المحامي علي: "ان بعض القوى السياسية والنشطاء بدؤوا يعقدون صفقات مع الجيش من وراء ابواب موصدة. ولكن الثورة بالنسبة للعمال لم تكن فقط بهدف تغيير رموز النظام، بل أيضا لرفع مستوى معيشتهم وضمان العدالة الاجتماعية، ورؤية خطوات ملموسة تضمن تحسين ظروف حياتهم في المستقبل. وطالما ان هذا المطلب الاساسي لم يتحقق فالثورة مستمرة، والاحتجاجات العمالية هي افضل طريقة لضمان وتحقيق مطالب الثورة".

النظام يستعد للعودة

وخلافا لاتهام العمال بالتركيز على مطالب "فئوية"، الا ان قلق العمال لا يقتصر على هذه المطالب بل يتعداها للخوف العميق على مكاسب الثورة وعودة النظام للحكم. وهو قلق يشاطرهم إياه نشيطون وجماهير وهم يرون الجيش يتبنى خطاب الثورة وفي نفس الوقت يبقي على أزلام النظام السابق، وعلى حكومته برئاسة احمد شفيق، وعلى انظمته وطوارئه وآليات قمعه ونظامه الاقتصادي المجحف ولا يحرر المعتقلين السياسيين بل يتواصل تعذيبهم، ولا يبدو ان التغييرات الشكلية التي يدخلها على الحكومة او على بعض الشركات والهيئات العامة، تقنع احدا بضرورة الاستكانة مجددا الى اللامبالاة وترك الميدان خاليا والارتكان الى حسن نوايا الجيش. ولا بد من الاشارة بهذا الصدد ان الجيش يمتلك على الاقل 15% من الاقتصاد المصري، ويتمتع بامتيازات اقتصادية هائلة، وهو يمثل رمزا للنظام السابق بكل عفنه وفساده.

المحامي علي قال: "إننا لا نثق بالحكومة الانتقالية ولا بادارة الجيش للبلاد، هناك قلق بالغ من الانقلاب على مكاسب الثورة. فعملية "ترقيع" الدستور غير مقبولة. من جهة اخرى هناك ثقة بان الناس بعد ان اكتشفوا قدراتهم لن يكون من السهل خداعهم. وفي نظري العمال هم الوحيدون الذين يمكن ان يكفلوا نجاح الثورة".

وقال النقابي حسين إن العمال عادوا للتحرك عندما بدأت القوى المرتدة على الثورة بمحاولة سرقتها واجهاضها، وعلى رأس هؤلاء ازلام الحزب الوطني الذين يجتهدون للعودة للحياة السياسية بحلّة جديدة، وقال: "إنهم بدؤوا يلملمون انفسهم، ويدفعون الرشاوى للناس المحتاجة، ويجمعون توقيعاتهم على استمارات انضمامهم للحزب الجديد الذي قد يسمى بكل وقاحة "حزب 25 يناير"، ويجمعون حولهم البلطجية لحمايتهم. وهناك اقوال ترجح ان يكون رئيس الاركان سامي عنان، رئيسا لهذا "الحزب الجديد". انهم بوضوح يستعدون للوضع الجديد. رأينا ايضا بعين القلق ان الجيش سمح لهؤلاء بالاجتماع في مقر الحزب الوطني مع ان الجيش تعهد بمصادرة ممتلكات الحزب واعادتها للدولة. ولذلك اجتمعت القوى السياسية المختلفة للرد، والاحتجاجات العمالية والمظاهرات ايام الجمعة مستمرة".

في نفس الاتجاه قال لنا الناشط اليساري والمخرج السينمائي باسل رمسيس، ان "هناك احتمال ان يقوم البدراوي الذي عيّنه مبارك امينا عاما للحزب في مطلع الثورة، ثم دُفع للاستقالة بعد ايام قليلة، بتأسيس حزب جديد يرجح البعض ان يشارك فيه وائل غنيم، مندوب شركة "غوغل" الذي ذاع صيته كأحد الشباب الذين بادروا لإشعال الثورة".

"المعادلة الآن"، كما يقول لنا رمسيس، "هي الجيش مقابل الثورة الشعبية. والجيش برئيسه طنطاوي يمثل النظام القديم ومعه بقايا جماعات مبارك، ولأنه خاضع لاملاءات امريكية واسرائيلية فهو غير معني بالتغيير بل بتحجيم مكاسب الثورة. الجيش لن يعطيك هدايا، بل هو يتحرك بضغط الشارع. حسب توازن القوى سنرى من سينتصر".

في التأثير على هذه المعادلة أكد رمسيس: "ان أهم شيء يحصل الآن هو نزول العمال المعركة واتساع نطاق الاحتجاجات والمظاهرات التي تجمع بين المطالب العمالية وبين المطلب السياسي بإسقاط الحكومة، لأن العمال هم الضمان لثورة حقيقية، مشيرا ان اللحظة سانحة لانتزاع المكاسب". وعن موقفه من الهجمة على العمال وعلى استمرار اضراباتهم بادعاء انها تهدد الاقتصاد قال رمسيس: "هذا كلام فارغ، الاقتصاد مهدد بسبب الحرامية الذين حكموا مصر ونهبوها".

الناشط اليساري علاء كمال الذي كان قد رافقنا في زيارتنا للقاهرة ابريل عام 2008 في اعقاب اضرابات العمال في "المحلة الكبرى"، ركّز على اهمية الاضرابات العمالية والمطالبة بحرية تنظيم نقابات في اعطاء "زخم قوي" للثورة والحفاظ عليها، مشيرا: "انه لا يمكن لأحد ان يطالب العمال بالعودة للبيوت. فالعمال لا يضمنون الحكومة القادمة وماذا سيكون شكلها وإن كانت ستضمن تحقيق مطالبهم المشروعة".

واشار كمال ان المشكلة الاساسية للعمال هي في عدم وجود تمثيل سياسي لهم، وغياب أي حزب عمالي يمثلهم ويمثل الفلاحين والفقراء. فالدستور يعبر عن توازن القوى، والقوة الوحيدة التي ليس لها من يمثلها هم القوى العمالية، ومن هنا مصدر القلق، وسبب مواصلة الاضرابات".

بالنسبة لجميع من تحدثنا اليهم وُلد الشعب المصري من جديد، ولا احد يستطيع بعد الآن "استهبال" الناس، وهؤلاء لن يسمحوا بتزوير الانتخابات. يقول كمال: "لقد قام 250 الف انسان بمحاصرة القصر الرئاسي وهو المكان الذي ما كنت لتجرؤ على المرور امامه في ايام ما قبل الثورة، كيلا يصيبك رصاص الحرس دون مساءلة. الأمر الوحيد الذي سيجبر الجيش على المضي في تحقيق المطالب هو استمرار وجود الناس في الشارع سواء للتظاهر او الاضراب.

يشير النقابي حسين ان الاضرابات في بعض المواقع بدأت تسفر عن استجابة الجيش لبعض المطالب المهمة، ذكر منها إقالة رئيس ادارة شركة غزل المحلة وتعيين المهندس احمد ماهر المقبول على العمال، مما جعل العمال يوقفون الاضراب ويعودون لمزاولة اعمالهم. كما تمت إقالة وزيرة العمل عيشة عبد الهادي وتم تجميد نشاط رئيس الاتحاد العام للنقابات المتواطئ مع النظام البائد.

الجيش والاخوان - والعمال

رغم القلق من تصرفات الجيش، الا ان النقابي حسين كمعظم القوى السياسية والنقابية والشعبية، تبنى موقفا محايدا او حتى مؤيدا للجيش. بالنسبة له "في هذه المرحلة لا يجب معارضة الجيش، فرجال الجيش فيهم الاقوياء والشرفاء، ونحن لا نريد حدوث انقسام بالجيش. كلي أمل بأن يحقق الجيش ما وعد به. دور القوى السياسية والعمالية هو حماية الجيش من الردّة".

وقال المحامي علي: "ان الخروج ضد الجيش يعني تفكيك الدولة وهذا ليس من مصلحتنا ولا نرضاه".

وعن الفرز السياسي للاحداث اشار حسين انه ستظهر على الاقل ثلاثة احزاب يسارية، مشيرا الى ان الاسلاميين هم الاكثر تنظيما وجاهزية للمرحلة القادمة، ومن هنا هناك موافقة عامة على تأجيل موعد الانتخابات الى ما بعد المدة التي عينها الجيش وهي 6 اشهر منذ توليه الحكم، وذلك الى حين تتمكن الاحزاب اليسارية والليبرالية وحتى مخلفات الحزب الوطني من رص صفوفها والتنافس في الانتخابات.

ولفت الناشط اليساري علاء كمال الى ان القوى الرأسمالية ولوبياتها لا تزال تضغط وتعقد جلساتها مع المجلس العسكري، وان ائتلافات الشباب رغم حماسها ودورها الذي لا ينكره احد الا انها غير سياسية بل انها تعارض العمل بالسياسة على اعتبار ان السياسة سيئة وقذرة. ولكن المرحلة القادمة المتعلقة بتغيير الدستور والتنافس على السلطة السياسية والنفوذ السياسي تحتاج الى احزاب سياسية. ورأى كمال ان حزبا عماليا علنيا بات امرا واردا ووشيكا، ويمكن ان ينتزع مطالب اكثر.

وعن مصادرة الاخوان المسلمين لاضواء المظاهرة الاحتفالية في ميدان التحرير قال علي: "ن الاعلام ركز على القسم المتعلق بصلاة الجمعة، ولكن هذا لم يكن المشهد السياسي كله. لقد تظاهر اربعة ملايين شخص. الاخوان كان لهم فيهم 20%، و10% لبقية القوى السياسية، اما باقي المتظاهرين فهم من المواطنين العاديين".

وعن سؤالنا حول احتمال ان يعقد الاخوان مع الجيش صفقة للتآمر على الديمقراطية، وتأسيس حكم على غرار النموذج التركي، قال علي انه "ليس من المستبعد ان تكون صفقة بين الاخوان والجيش، وواضح ان هذا سيضع في خطر موضوع الديمقراطية. فالمجتمع المصري متدين عموما ويمكن اقناعه بقبول النموذج الاسلامي. ولكن من غير المؤكد ان يكون هناك النموذج التركي، تحديدا لان الامريكان واسرائيل قد لا يدعماه، فهناك فرق بين اعطاء الاخوان شرعية وبين تسليمهم حكم البلاد. الرهان في هذا الامر يبقى هل ستوافق الناس على ان يحكمها نظام كهذا، خاصة ان الناس لا تزال في الشوارع ودماء الشهداء لم تبرد بعد".

في مقابلة مثيرة ومؤثرة لخالد علي مع المحطة الاذاعية اليسارية الامريكية "Democracy Now" نقتبس من علي أقواله "إن العمال هم من حققوا على ارض الواقع وفي ظل النظام القمعي اول انتصار للديمقراطية عندما حققوا حق التنظيم النقابي والتعددية النقابية، وذلك عندما تمكن موظفو الضرائب الجمركية وفي اعقابهم المعلمون وآخرون من تشكيل نقابات مستقلة عن النقابات الرسمية التابعة للنظام. لقد كان العمال هم من زعزعوا هيبة النظام سنوات قبل سقوطه. العمال هم اولئك الذين تظاهروا في شوارع مصر، وقُتلوا في الشوارع، إنهم الثوار الذين قدّموا أرواحهم، دون أن يدّعوا أنهم أصحاب الثورة".

كلمة أخيرة

على ضوء خبرات الثورات السابقة، وعلى ضوء القلق الحقيقي الحالي من امكانية الاستيلاء على الثورة من قبل الجيش او الحزب الوطني او الاخوان الذين يمكن ان يتوصلوا الى صفقات لحكم البلاد علما ان الديمقراطية عدو لهم جميعا، وازاء الهجمة على حقوق العمال، تصبح مهمة تأسيس حزب عمالي مهمة ملحة، ليس لضمان حقوق العمال التي يسميها البعض "فئوية" استهانةً وتشويهًا، بل لحماية الديمقراطية نفسها.

الطبقات الوسطى التي شاركت ببسالة في الثورة المجيدة وقدمت قرابين على مذبح الحرية، من الحري بها ان تختار من هو حليفها في المرحلة الحاسمة والخطيرة الحالية. فإن هي اختارت حليفها الطبقي الممثل بقيادة الجيش والحركات الاسلامية المنتمية للطبقة الوسطى والبرجوازية تكون قد خاطرت بالديمقراطية والحريات التي تتعطش لها، أو ان تتوقف عن مهاجمة العمال وتدرك انهم هم شركاؤها وحلفاؤها في حماية الثورة والديمقراطية الحقّة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__396
22.11.2017, 22:11