تاريخ النشر ٢٣/٠٢/٢٠١١

شؤون عربية

مؤسّسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

رؤية حقوقية العمّال والثورة المصرية

المركز المصري وأولاد الأرض يرصدان إرهاصات الثورة وتداعياتها على العمّال
209 اعتصامًا و135 إضرابًا و80 تظاهرة و83 وقفة احتجاجية و23 تجمهرًا وانتحار 52 عاملاً ومصرع وإصابة 6662 آخرين وفصل وتشريد 40612 عاملاً حصاد الحركة العمالية في عام 2010
ومئات الاحتجاجات حتّى منتصف فبراير 2011

استقبلنا عام 2011 بفاجعة تفجير كنيسة القديسين ليلة عيد الميلاد وبدا للجميع أنّنا أمام عام سيكون فارقًا في حياة المصريين، ولكن بقدر ما في هذه البداية من مأساوية جاء 25 يناير ليسطّر أبناء وبنات مصر بدمائهم أروع ملحمة ثورية تشهدها البشرية دفاعًا عن الكرامة والحرّية والعدالة الاجتماعية، واستطاعوا خلال 18 يومًا إسقاط رأس النظام، وما زال نضال الجماهير المصرية مستمرًّا من أجل تحقيق كلّ مطالب الثورة.

والأسئلة التي تفرض نفسها على الشأن العمّالي الآن:
أين كان العمّال من هذه الثورة؟
ما هو الدور الذي لعبوه لإنجاحها؟
لماذا لم تتوقّف احتجاجات العمّال حتّى بعد تنحّي مبارك؟

ربّما تحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة إيضاح النقاط التالية:

أوّلاً: منذ عام 2004 وحتّى نهاية عام 2010 لم تتوقّف الاحتجاجات العمّالية دفاعًا عن حقوق ومطالب العمّال وأخذت شكلاً تصاعديًا في مجتمع انحازت قوانينه لرجال الأعمال على حساب حقوق العمّال في ظلّ تنظيم نقابي عمّالي فاسد ونظام سياسي قمعي لم يتوانَ عن استخدام القوّة في مواجهة العمّال واعتقال بعض قادتهم بموجب قانون الطوارئ كما حدث مع عمّال المحلّة في إبريل 2008، وتقديم البعض الآخر لمحاكمات عسكرية كما تمّ مع عمّال الإنتاج الحربي في 2010 . عاش كلّ المتابعين للشأن العمّالي على أمل أن تتقدّم مطالب العمّال الفئوية في كلّ مصنع على حدة لتصبح مطالب جماعية لكلّ الطبقة العاملة كخطوة أولى لتشمل بعد ذلك مطالب قومية تربط وتمزج بين الاقتصادية والاجتماعية من ناحية والمدنية والسياسية من ناحية أخرى، كان الجميع يحلم ببناء هذا الجسر خاصّة وأنّ العمال خلال هذه الفترة قاموا بأكبر موجة احتجاجية في تاريخهم وبدأت بشائر التقدّم العمّالي في الظهور، ووجدنا الطبقة العاملة المصرية تخطو بنا إلى محطّات هامّة ليس فقط في تاريخها ولكن في تاريخ هذا الوطن:

1-حيث تمكّن موظّفو الضرائب العقارية من تشكيل وإعلان أوّل نقابة عمّالية مستقلّة في مصر ورغم ما واجهته هذه النقابة ورجالها من حروب لإجهاض الفكرة إلا أنّها استطاعت الاستمرار والصمود لتفتح آفاقا جديدة للتنظيمات النقابية في مصر، فتوالت إعلانات تأسيس النقابات المستقلّة وبدأت باتّحاد أصحاب المعاشات، ثمّ نقابة المعلّمين المستقلّة، ومن ثمّ نقابة الفنّيين الصحّيين ليفرض العمّال بذلك على أرض الواقع حقّهم في التعدّدية النقابية.

2-لم يكتفِ العمّال بالاحتجاج داخل مواقع العمل ولكن ابتكروا فكرة الاعتصام أمام دوائر اتّخاذ القرار والأجهزة الرقابية والعمّالية التي لم تقوم بدورها في حمايتهم وخاصّة أمام اتّحاد العمّال ومجلس الوزراء ومجلسَي الشعب والشورى، واستطاعوا خلال هذه الفترة أن يستحوذوا على المشهدين السياسي والاجتماعي في مصر في ظلّ تعاطف وتأييد مجتمعي كان منقطع النظير، خاصّة أنّ هذه الاعتصامات استمرّت دون انقطاع لمدد فاقت ال 15 يومًا، وكان العمّال والعاملات يصطحبون أسرهم معهم وتمكّنوا من فتح ملفّات فساد بيع شركات القطاع العامّ.

3- في مارس 2010 حصلت الطبقة العاملة المصرية على حكم من القضاء الإداري بإلزام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس القومي للأجور بوضع حدّ أدنى للأجور يتناسب مع الأسعار ويضمن للعمّال حياة كريمة. لقد كان هذا الحكم صادمًا للنظام السياسي الذي كان يفرّق بين العمّال في الأجور عن طريق الكادرات الخاصّة واستطاع أن يجهض تحرّكات المعلّمين عن طريق منحهم هذا الكادر، وقد كان لهذا الحكم ثلاث نتائج هامّة: (1) تسبّب هذا الحكم في توحيد مطالب العمّال في كل المواقع بشأن زيادة الأجور ليتمسّك العمّال بمطلب حدّ أدنى للأجور؛ 1200 جنيه، (2) نجح في فرض حوار مجتمعي حول فساد الأجور في مصر حيث عقدت المقارنات بين من يحصلون على أجور تفوق المليون جنيه شهريًا، ومن لم تتجاوز أجورهم الـ100 جنيه شهريًا، (3) زيادة وعي المجتمع إلى أن تحديد الأجر ليس سلطة مطلقة لصاحب العمل ولا يمكن التعامل معه باعتباره سلعة تنطبق عليها قواعد العرض والطلب، فكلّ الدساتير والقوانين المحلّية والاتّفاقات الدولية تضع قواعد لكيفية تحديد الأجور في المجتمعات ونصّت على ضرورة أن يكون أقلّ أجر (الحدّ الأدنى للأجر) ضامنًا لحياة كريمة للعامل وفقا لأسعار السلع والخدمات الأساسية داخل المجتمع، بل ويجب أن يعاد النظر في هذا الحدّ على الأقلّ كل ثلاث سنوات.
وبعد امتناع النظام عن تنفيذ الحكم لمدّة سبعة أشهر ونجاح الطبقة العاملة في الحصول على حكم ثانٍ يلزم الحكومة بتنفيذ الحكم الأوّل حاول النظام الالتفاف على حكم القضاء الإداري وتفريغه من مضمونه فقد صدر قرار بأن يكون الحدّ الأدنى للأجور 400 جنيهًا شهريًا كأجر شامل وأن ينطبق على عمّال القطاع الخاصّ فقط متجاهلاً تطبيقه على عمّال قطاع الأعمال العامّ والحكومي، وهو ما أجبر الطبقة العاملة على الاستمرار في معركتها بشأن زيادة الأجور سواء من خلال الاحتجاج في الموقع أو الدعاوى القضائية.

4- نجح عمّال طنطا للكتّان في الحصول على أوّل حكم قضائي يقضي بحبس رجل الأعمال عبد الإله الكحكي (مستثمر سعودي ) رئيس مجلس إدارة الشركة لارتكابه جريمة منع العمّال من مزاولة حقّ العمل، حيث قضت محكمة جنح طنطا بأقصى عقوبة قرّرها القانون، وهى حبسه لمدّة عامين مستخدمة في ذلك نصّ المادّة 375 من قانون العقوبات والتي طالما استخدمت ضدّ العمّال عندما كانوا يقومون بالإضراب عن العمل ليفتح نضال عمال طنطا آفاقًا جديدة لطرق الدفاع عن حقوق العمّال، والتي كانت تقتصر فقط على استخدام آليات التقاضي المدني ليضيف إليها آليات التقاضي الجنائي أيضًا.

ثانيًا: إنّ ثورة الخامس والعشرين من يناير لم تكن منفصلة عمّا قبلها، فإرهاصات الحراك المجتمعي هي التي تمهّد الأرض لمثل هذه الثورات وواقع الحال يؤكّد أنّ عمّال مصر في نضالهم المستمرّ للمطالبة بحقوقهم قاموا في عام 2010 بنحو 530 احتجاجًا عمّاليًا تمثّلت في 209 اعتصاما و135 إضرابا و80 تظاهرة و83 وقفة احتجاجية و23 تجمهرا، وتجسّدت خسائر العمّال في فصل وتشريد 40735 عاملاً ومصرع 118 عاملاً وإصابة 6544 آخرين نتيجة ظروف العمل السيّئة وغياب وسائل الأمن الصناعي والصحّة المهنية. أمّا المأساة الحقيقية فقد كانت في انتحار 52 عاملاً بعد أن عجزوا عن توفير متطلّبات أسرهم اليومية في ظلّ تدنّي الأجور وارتفاع أسعار السلع بشكل متزايد.

تقول صفحات عام 2010 إنّ الاعتصامات التي بلغت 209 اعتصامًا كان نصيب قطاع الأعمال منها 65 اعتصامًا أي بنسبة 31% والقطاع الحكومي 76 اعتصامًا أي بنسبة 36% والقطاع الخاصّ 68 اعتصامًا أي بنسبة 33% من جملة الاعتصامات، أمّا الإضرابات والتي بلغت 135 إضرابًا فقد كان نصيب قطاع الأعمال منها 33 إضرابًا أي بنسبة 24% والقطاع الحكومي 45 إضرابًا أي بنسبة 33% والقطاع الخاصّ 57 إضرابًا أي بنسبة 43% من جملة الإضرابات، في حين تمثّلت التظاهرات والتي بلغت 80 تظاهرة في 18 تظاهرة لقطاع الأعمال أي بنسبة 22.5% وكذلك 28 تظاهرة للقطاع الحكومي أي بنسبة 35% وأيضًا 34 تظاهرة للقطاع الخاصّ أي بنسبة 42.5% من إجمالي التظاهرات. أمّا الوقفات الاحتجاجية والتي بلغت 83 وقفة فقد كان نصيب قطاع الأعمال منها 14 وقفة أي بنسبة 17% والقطاع الحكومي 36 وقفة أي بنسبة 43% والقطاع الخاصّ 33 وقفة أي بنسبة 40% من إجمالي الوقفات الاحتجاجية. كما قام العمال خلال العام الماضي بتنظيم 23 تجمهرًا كان نصيب قطاع الأعمال منها 3 تجمهرات أي بنسبة 13% والقطاع الحكومي 14 تجمهرًا أي بنسبة 61% والقطاع الخاصّ 6 تجمهرات أي بنسبة 36% من إجمالي التجمهر، أمّا خسائر العمّال في العام الماضي فقد كانت فصل وتشريد 40735 عاملاً، فقد قام قطاع الأعمال بفصل 5005 عاملا أي بنسبة 12% والقطاع الحكومي قام بفصل وتشريد 10709 أي بنسبة 26.4% أمّا القطاع الخاصّ فقد قام بفصل وتشريد 25021 عاملاً أي بنسبة 61.6% من إجمالي عدد العمّال الذين تمّ تشريدهم ..!

الاعتصام

•شهد العام الماضي 2009 اعتصامًا، فقد شهد شهر يناير 16 اعتصامًا وفبراير 12 اعتصامًا ومارس 23 اعتصامًا وأبريل 28 اعتصامًا ومايو 27 اعتصامًا ويونيو 17 اعتصامًا ويوليو 14 اعتصامًا وأغسطس 20 اعتصامًا وسبتمبر 11 اعتصامًا وأكتوبر 21 اعتصامًا ونوفمبر 13 اعتصامًا وديسمبر 7 اعتصامات ..!

الإضراب

•بلغ عدد الإضرابات في العام الماضي 135 إضرابًا، فقد شهد شهر يناير 9 إضرابات وفبراير 11 إضرابًا ومارس 11 إضرابًا وأبريل 6 إضرابات ومايو 8 إضرابات ويونيو 10 إضرابات ويوليو 14 إضرابًا وأغسطس 7 إضرابات وسبتمبر 8 إضرابات وأكتوبر 15 إضرابًا ونوفمبر 5 إضرابات وديسمبر 31 إضرابًا ..!

التظاهر

•قام العمّال خلال العام الماضي بـ80 تظاهرة، فقد شهد شهر يناير 8 تظاهرات وفبراير 9 تظاهرات ومارس 10 تظاهرات وأبريل 9 تظاهرات ومايو 6 تظاهرات ويونيو 4 تظاهرات ويوليو 6 تظاهرات وأغسطس 8 تظاهرات وسبتمبر 8 تظاهرات وأكتوبر 5 تظاهرات ونوفمبر 3 تظاهرات وديسمبر 4 تظاهرات..!

وقفة احتجاجية

•نظّم العمّال 83 وقفة احتجاجية في العام الماضي، فقد شهد شهر يناير 4 وقفات وفبراير 8 وقفات ومارس 8 وقفات وأبريل 4 وقفات ومايو 7 وقفات ويونيو 9 وقفات ويوليو 13 وقفة وأغسطس 12 وقفة وسبتمبر 4 وقفات وأكتوبر 7 وقفات ونوفمبر 4 وقفات وديسمبر 3 وقفات..!

التجمهر

•خلال العام الماضي قام العمّال بتنظيم 23 تجمهرًا، فقد شهد يناير تجمهرين وفبراير تجمهرين ومايو تجمهرين ويونيو 4 تجمهرات ويوليو 3 تجمهرات وأغسطس تجمهرًا واحدًا وسبتمبر 4 تجمهرات وأكتوبر 3 تجمهرات ونوفمبر تجمهرًا واحدًا وديسمبر تجمهرًا واحدًا ..!

الفصل والتشريد

•كما شهدت صفحات عام 2010 وقائع فصل وتشريد 40612 عاملاً، فقد تمّ فصل وتشريد 13230 عاملاً في شهر يناير، و1821 عاملاً في فبراير، و1124 عاملاً في مارس، و1466 عاملاً في أبريل، 784 عاملاً في مايو، و4617 عاملاً في يونيو، و4886 عاملاً في يوليو، و878 عاملاً في أغسطس، و5506 عامل في سبتمبر، و1000 عامل في أكتوبر، و3500 عامل في نوفمبر و1800 عامل في ديسمبر..!

الانتحار

•بلغ عدد العمّال الذين قاموا بالانتحار في عام 2010 بعد أن وصل بهم اليأس إلى مداه وسدّت في وجوههم كلّ أبواب الأمل 52 عاملاً، فقد شهد شهر يناير انتحار 3 عمّال وفبراير انتحار 5 عمّال ومارس انتحار 3 عمّال وأبريل انتحار 3 عمّال ومايو انتحار عامل واحد ويونيو انتحار 10 عمّال ويوليو انتحار 7 عمّال وأغسطس انتحار عاملين وسبتمبر انتحار 8 عمّال ونوفمبر انتحار 6 عمّال وديسمبر انتحار 4 عمّال ..!

دفتر أحوال

•شهد عام 2010 مصرع 118 عاملاً وإصابة 6544 عاملاً آخر نتيجة ظروف العمل السيّئة وغياب الحدّ الأدنى من وسائل الأمان والسلامة والصحّة المهنية، فقد شهد شهر يناير مصرع 10 عمّال وإصابة 20 آخرين وفبراير مصرع عامل واحد وإصابة 93 آخرين ومارس مصرع 6 عمّال وإصابة 55 آخرين وأبريل مصرع عاملين وإصابة 6047 عاملاً، منهم 6 آلاف عامل من شركات الحديد والصلب الذين أصيبوا بأمراض مزمنة، كما شهد مايو مصرع 8 عمّال وإصابة 33 آخرين، ويوليو مصرع 16 عاملاً وإصابة 5 آخرين وأغسطس مصرع عامل واحد وإصابة 62 آخرين وسبتمبر مصرع 30 عاملاً وإصابة 28 آخرين وأكتوبر مصرع 6 عمّال وإصابة 13 آخرين ونوفمبر مصرع 3 عمّال وديسمبر مصرع 14 عاملاً وإصابة 103 آخرين ..!

احتجاز العمّال

•شهد عام 2010 وتحديدًا في شهر يونيو احتجاز أكثر من 1000 عامل مصري في المعسكرات والسجون الليبية. والغريب أنّ وزارتَي الخارجية والقوى العاملة لم تحرّكا حتّى الآن ساكنًا ..!

حرب الشوارع

•كما شهد عام 2010 ظهور حرب الشوارع للمرّة الأولى في مصر وتحديدًا في شهر يونيو بمدينة الإسكندرية حيث نشبت معركة طاحنة بين الباعة الجائلين والشرطة بما ينذر أنّ المواجهات بين العمّال والقوى المناوئة لهم ستشهد صورًا أخرى من صور الاحتجاج الأشدّ عنفًا وضراوة..!

ثالثًا: لا يمكن لمنصف أن ينكر دور شباب وشابّات مصر في ثورة 25 يناير، فقد جاءت ضربة البداية بدعوة من مجموعات شبابية (صفحة كلّنا خالد سعيد- شباب 6 أبريل- الشباب الذي يؤيّد البرادعي- شباب حركة حشد – حركة عدالة حرّية)، كما لا يمكن إنكار فضل الثورة التونسية التي منحت الثقة لكلّ الشعوب العربية بشأن قدرتها على إحداث التغيير، لقد كانت البداية في 25 يناير بشعارات ضدّ البطالة وشعار (كرامة.. حرّية.. عدالة اجتماعية) وما لبث أن استحوذ شعار ( الشعب يريد إسقاط النظام) على المشهد الاحتجاجي فقد كانت أخبار إطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين بالسويس ووفاة ثلاثة مواطنين صادمة. واستمرّت التظاهرات في القاهرة وبعض المدن، وخاّصة السويس، ولا يمكن إنكار أنّ قيام هذه التظاهرات لم يكن من الشباب فقط بل جموع الشعب المصري والتي لا يمكن تصنيفها. وكان التأكيد يوم الجمعة 28 يناير حيث خرجت الملايين لتطالب بإسقاط النظام في ملحمة شعبية توجّت بهزيمة الشرطة واحتلال المتظاهرين لميدان التحرير في قلب العاصمة لم يكن من الصعوبة تمييز مجموعات العمّال التي اعتصمت في الميدان (دون ضجيج- ودون ادّعاء البطولة- ودون التزاحم للدخول كطرف في المفاوضات التي جرت- دون الخروج على ما اتّفق عليه من شعارات). لقد خاض البعض حوارات مع العمّال في الميدان حول ضرورة رفع شعارات المواقع التي كانوا يطالبوا بها، إلا أنّهم رفضوا وأكّدوا تمسّكهم بما تمّ الاتّفاق عليه وهو التركيز على إسقاط النظام دون رفع شعارات فئوية.

ربّما يكون من الغريب أنّنا قبل الثورة وجّهنا سهام النقد للطبقة العاملة المصرية لأنّ مطالبها كانت فئوية، وعندما قامت الثورة وكان العمّال في الشوارع والميادين جزءًا منها وتمسّكوا بشعار (الشعب يريد إسقاط النظام) نوجّه لها سهام النقد أيضًا تحت زعم أنّها لم ترفع شعاراتها الفئوية، أو أنّها لم تحتجّ في المواقع تضامنًا مع الثورة متجاهلين أنّ الحياة في مصر أصابها الشلل منذ يوم 28 يناير ومنذ نزول الجيش وإصدار قرار بحظر التجوال وأنّ الدعم الحقيقي للثورة في هذا التوقيت كان يرتكز إلى الاحتفاظ بميدان التحرير لحين إسقاط النظام.

رابعًا: بعد نجاح الجماهير المصرية يوم 28 يناير واستمرارها في الاحتفاظ بميدان التحرير تعرضت الثورة المصرية لمحاولتين لإجهاضها:
كانت المحاولة الأولى: هي الأكثر غباءً من النظام، حيث حاول عبر بعض البلطجية ورجال الشرطة السرّية استخدام العنف والقوّة لفضّ الميدان حيث معركة الخيول والبغال في الصباح، والقنابل المسيلة للدموع و زجاجات الملوتوف عصرًا، واستخدام الرصاص الحيّ، والطوب وزجاجات الملوتوف ليلاً، ولكنّ صمود الميدان كان أكبر من كلّ التوقّعات رغم سقوط 11 شهيدًا ومئات المصابين بسبب أحداث هذه الليلة.
وكانت المحاولة الثانية: هي الأكثر ذكاءً من النظام، وكانت تقوم على عزل المتظاهرين في ميدان التحرير سياسيًا عبر إطلاق شائعات حول المتظاهرين في الميدان بأنّهم يتلقّون دعمًا من جهات خارجية ولصالح أجندات خارجية، وإصدار قرار بعودة العمل في المواقع والإعلان عن تثبيت العمالة المؤقّتة وزيادة المرتّبات والمعاشات بنسبة 15%، وكان تصوّر النظام أنّ هذه المحاولة ستجعل الميدان قاصرًا على الحركات السياسية فقط ممّا سيقلّل من أعداد المتظاهرين ويسهّل عليه حصارهم، ولكن كان للطبقة العاملة المصرية رأي آخر حيث اندلعت تظاهرات العمّال واحتجاجاتها في العديد من المواقع لدرجه كانت تقترب من العصيان المدني، فجاءت النتائج عكس توقّعات النظام وأصبح هناك عشرات المواقع التي لا تقلّ أهمّية وحيوية عن ميدان التحرير، ممّا جعلنا أمام تمدّد أفقي للاحتجاجات، وأضافت مطالب العمّال للثورة المصرية قلبًا اجتماعيًا.

خامسًا: مع سقوط النظام وتنحّي مبارك يوم 11 فبراير 2011 وتولّي المجلس العسكري لكافّة الأمور في البلاد، قامت غالبية القوى بفضّ اعتصامها في ميدان التحرير ولم تبقَّ إلا فصائل قليلة من المعتصمين، وبدا أنّ القوى السياسية ارتضت بما تحقّق من نتائج، ويبدو أنّ بعضها وصل إلى اتّفاقات سياسية، وربّما تكون القوى العاملة قد اعتادت على تخلّي السياسيين عنها فور تحقيق جزء من مطالبها، لذا لم تتوقّف تحرّكات العمّال بعد رحيل مبارك، بل زادت وأضافت مطالب محاسبة رؤساء الشركات الفاسدين، وعزلهم من مناصبهم، وتثبيت العمالة المؤقّتة وإلغاء الجزاءات التعسّفية، وزيادة الأجور، كما انضمّت فئات جديدة تطالب باحترام حقوق العمل مثل أفراد وضبّاط الشرطة الذين طالبوا بزيادة الأجور، وتحديد ساعات العمل، وأيّام الراحة، وقواعد جديدة للترقيات، وكذلك العاملون في قطاع البنوك ممّا أجبر البنك المركزي على منح البنوك إجازة يوم الإثنين 14 فبراير والثلاثاء 15 فبراير إجازة المولد النبوي الشريف، كما استمرّ إضراب عمّال النقل العامّ في القاهرة الكبرى لمدّة أربعة أيام متواصلة ممّا دفع محافظ القاهرة إلى مناشدتهم بالعودة للعمل.

لقد تراوحت الاحتجاجات في الفترة من 12 حتّى 14 فبراير 2011 من 40 احتجاجًا إلى 60 احتجاجًا يوميًا في كافّة المواقع (الإنتاجية- والصناعية- والخدمية) وشملت مناطق جغرافية متنوّعة بطول البلاد وعرضها لدرجة دفعت المجلس العسكري في 14 فبراير 2011 إلى إصدار بيانه الخامس الذي طالب فيه بوقف الاحتجاجات ومنح الحكومة فرصة للعمل، ورغم تفهّمنا لنداء القوّات المسلحة ودواعي إصدار البيان ومبرّراته، ولكن لم نتفهّم لماذا جاءت طريقة ولهجة إلقاء البيان تحمل تهديدًا ووعيدًا عكس كلّ بيانات المجلس العسكري السابقة، ولماذا اقتصر البيان على مطالبة العمّال بالعودة للعمل ودوران عجلة الإنتاج دون أن يرتبط ذلك بإعلان التزام المجلس العسكري بضمان الحقوق العمّالية وضمان إقرار العدالة الاجتماعية.

وغني عن الإيضاح أنّ مجرد إصدار بيان هو أمر غير كافٍ بحدّ ذاته لإيقاف احتجاجات العمّال، وفى نفس الوقت نعلم تمام العلم أنّ الاستجابة الآنية لكلّ مطالب العمّال هو أمر مستحيل، لذا نطالب بالإعلان فورًا عن مجموعة من الخطوات التي قد تساهم في إنصاف العمّال، ودفعها للاستجابة للنداء، ومنحها جرعة من الثقة في الاستجابة لمطالبها مستقبلاً، لذا نطالب بـِ:

1-حلّ مجلس إدارة الاتّحاد العامّ لنقابات عمّال مصر ومجالس إدارات النقابات العامّة العمّالية التابعة له وكذلك مجالس إدارات اللجان النقابية، حيث كانت انتخاباتها مخالفة للقانون وعلى جثة أحكام القضاء الإداري والإدارية العليا التي أكّدت فساد إجراءات الانتخابات، فضلاً عن دور الاتّحاد الذي كان مجرّد ظلّ للحزب الوطني الديمقراطي في كلّ سياساته وضامنًا لكلّ قرارات الخصخصة وتصفية القطاع العامّ وسيطرة الدولة على أموال التأمينات الاجتماعية، فقد كان مجلس إدارة الاتّحاد بمثابة أمانة العمّال في الحزب الوطني.

2- إصدار قرار بالحدّ الأدنى للأجور يتناسب مع الأسعار تنفيذًا للحكم القضائي 21606 لسنة 64 قضائية. ومن الجدير بالذكر أنّ الطبقة العاملة كانت تطالب بـ 1200 جنيه إلا أنّ رجال الأعمال وممثّلي الحكومة في المجلس القومي للأجور استصدروا قرارًا باعتبار مبلغ الـ400 جنيه حدًّا للأجر الشامل، وينطبق فقط على عمّال القطاع الخاصّ، مع العلم أنّ اللجنة العملية التي شكّلها المجلس القومي للأجور كانت تضمّ الدكتور سمير رضوان وزير المالية الحالي، وأوصت بغير ذلك، ولكن تمّ الالتفات عليها. كما نؤكّد على أنّ آخر ورقة بحثية للدكتور سمير رضوان قدّمت في هذا الشأن وقبل تولّيه الوزارة أكّدت على اعتبار مبلغ 600 جنيه شهريًا حدًّا أدنى للأجر أمرًا مناسبًا وغير مبالغ فيه، بل إنّ تصريحاته الصحفية ومداخلاته العلمية كانت تؤكّد أنّ الحدّ الأدنى للأجر مدخل ضروري للإصلاح الاقتصادي وتحقيق التنمية.

وفى هذا الإطار - ورغم أن خطّ الفقر القومي مقدّر بـ 656 جنيها في الشهر طبقًا لأسعار 2008، وطبقًا لتقديرات وزارة التنمية الاقتصادية- وتقديرًا للظروف التي تمرّ بها البلاد نطالب باستصدار قرار – كخطوة أولى- لوضع حدّ أدنى للأجور 600 جنيه شهريًا كأجر أساسي ويطبّق على كافّة القطاعات (الحكومي – الخاصّ- الأعمال) مع النظر في زيادة هذا الحدّ سنويًا ووفقًا لنسب التضخّم.

3- الإسراع في الخطوات التنفيذية لتنفيذ قرار تثبيت العمالة المؤقّتة الذي أصدره وزير المالية.

4- إلغاء اللوائح الجديدة للمستشفيات الحكومية والتعليمية التي أصدرها حاتم الجبلي وعبد السلام المحجوب قبل الإطاحة بهما، والتي كانت تتعامل مع الحقّ في الصحّة باعتباره سلعة تتوافر للقادر على دفع تكلفتها.

5- إصدار مرسوم قانوني يقضي بإلغاء وحلّ جميع شركات العمالة الوسيطة التي أعادت أحد أشكال العمل بالسخرة إلى مصر، حيث تعمد الشركات والهيئات الكبرى عند رغبتها في استخدام عمّال أن تطلب من شركات العمالة توريد العمّال، وهو ما يتيح للشركات والهيئات الكبرى التخلّص من هذه العمالة في أي وقت دون أن تتحمّل أيّ أعباء لأنّ عقود العمل في الحقيقة تكون بين شركات العمالة وبين العمّال ولا تشكّل الشركات والهيئات الكبرى طرفًا في هذه العلاقة وتصبح علاقة العمل بلا أيّ ضمانات حقيقية سواء كانت اجتماعية أو صحّية، وفي هذا الإطار نؤكّد على أنّ مثل هذه الشركات واستمرارها يمثّل جريمة أخلاقية في حقّ عمّال مصر، ممّا يستوجب إلغاءها واعتبار كلّ علاقات العمل علاقات تنظّم كافّة الآثار القانونية بين العمّال والشركات والهيئات الكبرى خاصّة الأجر والتأمين الصحّي والاجتماعي طوال مدّة العمل.

6- طالما عانى عمّال مصر من سيطرة رجال الأعمال على عمليات صياغة التشريعات ممّا أهدر استقرار قواعد الأمان الوظيفي وأهدر الطابع الاجتماعي لعلاقات العمل، فقواعد القانون الحالية تتيح لصاحب العمل إصدار قرارات فصل العمّال تعسفّيًا وحتّى إذا لجأ أحد العمّال للمحكمة وحصل على حكم قضائي يقضى بإلغاء قرار الفصل والعودة للعمل يستطيع صاحب العمل أن يمتنع عن تنفيذ الحكم مقابل حصول العامل على تعويض بحدّ أدناه شهران عن كلّ سنة طبقًا لما تقضي به المحكمة، وفي هذا الإطار نطالب باستصدار مرسوم قانوني يعدّل قواعد قانون العمل الحالية بحيث إذا قضت المحكمة ببطلان قرار الفصل واعتبرته قرارًا تعسفّيًا يكون للعامل الاختيار بين العودة للعمل وصرف جميع مستحقّاته التي تعطّل صرفها بسبب قرار الفصل أو يحصل العامل على تعويض عن هذا الفصل التعسفّي ولا يعود للعمل طبقًا لاختياره.

7- الإعلان عن صندوق البطالة لصرف إعانة للعاطلين عن العمل، وإعلان قواعد وإجراءات وجهات الصرف.

لمزيد من التفاصيل يرجى الاتصال بـ:
1- مؤسّسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان
35730877 – 0123050298
Email –
2- المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
257583076- 0121519598
Email-

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__395/رؤية_حقوقية_العمّال_والثورة_المصرية
21.11.2017, 12:11