تاريخ النشر ٢٣/٠٢/٢٠١١

شؤون عربية

الشعوب: من عنصر غائب إلى عنصر مقرر

سامية ناصر

تماما مثلما تهتز الارض مسبوقة بارتجاجات احيانا تأتي خفيفة واحيانا اخرى تضرب بقوة لا نعرف حجم تأثيراتها والدوائر التي تتسع لتطالها، تتحول الثورة التي هزت تونس ومصر لتنتقل كالنار في الهشيم الى دول اخرى بينها ايران، ليبيا، اليمن والبحرين و"الحبل على الجرار".

المشترك بين شعوب هذه الدول انها بعد ان تخلصت من الاستعمار قبل نصف قرن، وجدت نفسها تلهث للخلاص من الاحتلال الداخلي الذي تعتبر الجهات اللاعبة فيه قلة قليلة من المرتشين والفاسدين ممن امتصوا دماء الشعب وداسوا كرامته ونهبوا ثرواته. الخوف الذي حكم تصرفات هذه الشعوب تحول الى غضب عارم وُجّهت نيرانه ضد الانظمة التي كشفت عن أنيابها واستعدادها لقتل المئات من ابناء شعبها حفاظا على مصالحها.

شعوب هذه الدول تواجه نفس القضايا وهي قمع الحريات جميعها، الفقر، البطالة، تدني مستوى المعيشة، انتشار الامراض الاجتماعية، بالاضافة للتفكك الاجتماعي وحتى ضياع الحلم بغد افضل. الأمر المميز ان الطبقة المسحوقة وهي الطبقة العاملة بدأت تتحرر من اليأس والسلبية والخوف، واستعادت ثقتها بنفسها وبعدالة قضيتها وصدق حقوقها حتى قبل اندلاع الثورة. في مصر بلغت الاضرابات العمالية والاعتصامات اشدها في السنوات الأخيرة التي شهدت اوسع سلسلة من الاحتجاجات العمالية والنقابية خلال حكم مبارك، وشارك فيها ما يقارب 2 مليون عامل، ونجحت في تحدي قانون الطوارئ الذي يمنع من العمال التظاهر والاعتصام.

الثورة والاحزاب

ولم تفاجئ الثورة الشعبية في تونس ومصر الانظمة فقط، بل فاجأت ايضا معظم الاحزاب العربية بتياراتها المختلفة، من وطنية ليبرالية، يسارية واسلامية والتي اخذت تراقب الاحداث عن بعد حتى ادركت زخم المظاهرات وفرصتها في ركوب موجة الاحداث.

الحركة الشعبية في الشارع لم يقدها حزب، ولكن جسّدتها الطبقة العاملة التي ابتعدت عنها الاحزاب العربية، وقد آثرت احزاب اليسار نفسها التذيل وراء الانظمة الدكتاتورية بحجة مواجهة الاخوان المسلمين.

في مطلع التسعينات، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تلقت الاحزاب اليسارية ضربة قاصمة جعلتها تنقل ولاءها من النقيض للنقيض، فتبنت سياسة الامر الواقع التي تقبل بتفوق امريكا وحلفائها وهيمنتها على العالم. وضمن هذا النهج الجديد كان على الاحزاب ان تختار حلفاءها ضمن الخريطة السياسية القائمة، وتحدد موقفها، فإما هي مع المحور الايراني-السوري (وله ينتمي حزب الله وحماس)، او مع محور الانظمة العربية "المعتدلة" او المدجّنة امريكيا واسرائيليا، وكلا المحورين بعيدين عن هموم الشعوب والطبقة العاملة منها تحديدا.

الاحزاب في اسرائيل

اما بشأن موقف الاحزاب العربية في اسرائيل الممثلة في الكنيست، سواء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الاسلامية، فقد "اخترعت" مصطلح "اهون الشرين" الذي تم العمل به في مرحلة ما بعد اوسلو، لتبرر دعمها لمرشح حزب العمل لرئاسة الحكومة شمعون بيرس عام 1996 وايهود براك عام 1999. بهذا الموقف سعت الاحزاب للتغطية على تنازلها عن المبادئ الوطنية الاساسية، وعلى عدم ثقتها بإمكانية تغيير قوانين اللعبة السياسية والاقتصادية.

بعد عام 2000 انقلب المحور الذي تدعمه هذه الاحزاب، ولكن بقي المبدأ الانتهازي نفسه، "عدو عدوي صديقي". حسب هذا المنطق كان النظام الايراني وحليفه السوري المعارضان لاسرائيل وامريكا، افضل من المصري المتحالف معهما، مع ان كل هذه الانظمة مجتمعة تستعمل نفس ادوات القمع والاستبداد والفساد وتطبق قوانين الطوارئ منذ ثلاثين عاما تماما. فما الفرق بين نظام بشار الاسد الذي ورث العرش عن والده، وبين بقية الانظمة العربية التي تضحي بوطنها وشعبها، حفاظا على السلطة التي تكفل للعائلة والمقربين القوة والامتيازات.

جاء دعم النظام السوري والايراني بحجة تصريحاتهما النارية ضد الولايات المتحدة واسرائيل، ومن تجرأ على الخروج ضد استبدادهما ويدعم مطالب الشعب بحرية التعبير عن الرأي ومحاربة البطالة كان يتهم بسهولة بالعمالة لامريكا وبدعم أجندات أجنبية. لم يكن صدفة ان كان حزب دعم العمالي الذي انشط فيه، الوحيد داخل اسرائيل الذي دعم المظاهرات الشعبية ضد نظام احمدي نجاد عام 2009، وهي المظاهرات التي خرجت ضدها جميع القوى العربية السياسية في اسرائيل، بحجة ان الخروج ضد احمدي نجاد يعني بالضرورة وتلقائيا تأييد امريكا، دون الاعتراف باي قدر من الشرعية لمطالب المتظاهرين.

النظام السوري حكم قبل أيام على المدوِّنة الشابة طل المليح ابنة 19 سنة بالسجن خمس سنوات بتهمة التجسس لصالح الCIA. هذه الشابة تجرأت على مطالبة بشار الاسد بالاصلاحات التي وعد بها والمزيد من الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي ومحاربة الفساد. سجن طل المليح سيبقى وصمة عار في جبين هذا النظام الهش الذي ترتعد فرائصه خوفا من طلبات شرعية جاءت في مدونة طالبة في المرحلة الثانوية.

اما النظام الايراني وبلسان احمدي نجاد والمرشد الاعلى اية الله علي خامنئي فلم يخجل من تهنئة الشعب المصري بسقوط مبارك وفي نفس الوقت منع خروج المعارضة في مظاهرة دعما للشعوب المصرية والتونسية، وقمعه بشراسة ووحشية مظاهرات ابناء شعبه التي نادت بمطالب شبيهة. عمليا كانت المعارضة الايرانية الاولى التي تحدت نظام القمع والاستبداد قبل سنتين. من هناك انطلقت الشرارة الاولى ضد الانظمة الدكتاتورية المطالبة بزوال نظام ولاية الفقيه.

النظامان الايراني والسوري خاطبا غرائز الشعوب وركزا على المواجهة مع امريكا واسرائيل كصراع رئيسي، دون توفير الحد الأدنى من العيش الكريم. الطبقات العمالية التي ثارت في مصر وتونس وايران وليبيا حددت من هو عدوها اللدود، العدو الداخلي، السلطة الدكتاتورية التي لا تتوانى عن ذبح شعبها حفاظا على امتيازاتها.

الحركة العمالية الجديدة هي الوحيدة الكفيلة بحماية مكتسبات الثورة وبناء البديل السياسي والاجتماعي والاقتصادي للخروج من الطريق المسدود الذي وصلته الشعوب العربية، ازاء الصراع العبثي بين اتباع امريكا واتباع ايران. فكل الدول التي سارت في فلك المعسكرين هي جزء من النظام الرأسمالي الذي تعيش في ظله اقلية قليلة في بذخ وغنى فاحش على حساب الاغلبية العظمى التي تعاني الجوع، الفقر والبطالة. ولا بد للطبقة العاملة في كل مكان من أن تهب لترفع الظلم عنها وتتخلص من انظمتها القمعية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__394
21.11.2017, 12:11