شؤون عربية

الثورة المصرية

المسافة الفاصلة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية

يعقوب بن افرات

كُتب هذا المقال في 1/2، يومًا بعد الخطاب الثاني الذي ألقاه الرئيس المصري حسني مبارك، الذي أعلن فيه عن عدم نيّته الترشّح في الانتخابات المقبلة (أيلول 2011). بعد الخطاب بوقت قصير أوضح الرئيس الأمريكي براك أوباما بصورة قاطعة أنّ على مبارك التنحّي فورًا. وبما أنّ الجيش المصري أيضًا عبّر عن تضامنه الجزئي مع مطالب المتظاهرين في ميدان "التحرير"، يمكن التخمين بأنّ أيّام الرئيس المصري باتت معدودة. الأمر الذي ما زال غامضًا حتّى الآن هو ماذا سيكون طابع النظام الذي سيحلّ محل نظام مبارك. هذا هو الغموض الكبير الذي يحلّق فوق ثورة الشباب في مصر.

ميدان التحرير، القاهرة، 2011

المطلب الذي يوحّد كلّ قطاعات الشعب المصري هو وجوب تنحّي مبارك عن السلطة فورًا. النهج الأساسي الذي يحظى بإجماع واسع للغاية هو "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية". وها هو التناقض: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية لا تتفقان دائمًا. حتّى وإن كان صحيحًا أنّه لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية بلا تغيير ديمقراطي، إلاّ أنّ النظام الديمقراطي في أنحاء مختلفة من العالم - بما في ذلك إسرائيل- لا يضمن بالضرورة تطبيق العدالة الاجتماعية. ما دفع الشعب المصري للخروج إلى الشوارع هو تحديدا الوضع الاجتماعي العصيب الذي خلّف جيلاً من الشباب بدون مستقبل وعمل وسكن لائق وبدون إمكانية تكوين أسرة.

المحلّلون والسياسيون الذين تابعوا الأحداث في مصر تكهنوا قبل أكثر من عقد بأنّ نظام مبارك على شفا الهاوية. القطيعة التامّة بين النظام والمواطنين وتنكّره لمعاناتهم بشرّتا بما نشهده اليوم في مصر. كسر الملايين لحاجز الخوف في هبة واحد لا يُثبت فقط أنّ وضعهم قد وصل إلى الحضيض، بل يؤكد أيضًا أنّهم وصلوا إلى قناعة بأنّ هذا النظام لا يؤدّي دوره وعليه الرحيل. محاولة مبارك توريث الحكم لابنه جمال، والتمهيد لذلك من خلال تزييف الانتخابات لمجلس الشعب التي ألغت أيّ تمثيل للمعارضة، كانتا القشّة التي قصمت ظهر البعير.

الشخص الذي اختير "لفبركة" نتائج الانتخابات كان أحمد عزّ، مدير عامّ الحزب الوطني الحاكم. ويدل أحمد عزّ وجمال مبارك معا على طابع النظام الحالي. فأحمد عزّ هو رأسمالي مصري بسط سيطرته على مصنع الحديد والصلب الحكومي الكبير في الإسكندرية وأصبح في وقت قصير، كسائر رفاق جمال مبارك، أحد أثرياء مصر. في نظر المصريين، كانت محاولة مبارك توريث الحكم لابنه مثابة إعلان بأنّ رحيله لن يؤدّي إلى التغيير بل بالعكس، سيفاقم الوضع المزري الذي يعاني منه معظم سكّان مصر. ستواصل أقلية الأثرياء تركيز الأموال بأيديهم، وسيواصل الفقراء المعاناة من الجوع والمستقبل الغامض. الطريقة الوحيدة للحفاظ على الوضع القائم كانت من خلال القمع العنيف والتعامل بغير رحمة مع جميع معارضي النظام.

السبب الأساسي للاستياء العارم الذي قاد إلى الثورة هو انتقال مصر إلى الاقتصاد النيوليبرالي وتبنّيها إملاءات المؤسّسات المالية الدولية منذ تسعينات القرن الماضي. تعتمد أسس التغيير هذه على خصخصة القطاع العامّ وتحويل ملكيته إلى عدد قليل من العائلات التي لها علاقات مع السلطة. الحزب الحاكم والجيش وقوّات الأمن الداخلي حافظت جميعها على النظام العامّ لإتاحة الفرصة للرأسماليين المصريين والدوليين للتصرّف بحرّية بموارد مصر.

من هذه الناحية تشبه مصر روسيا برئاسة بوتين أو الأرجنتين برئاسة كارلوس منعم في نفس فترة التسعينات. تحوّل الفساد إلى رغبة جامحة ووسيلة لجمع الثروة. مصر كالأرجنتين حازت على الثناء من المؤسّسات المالية الدولية بسبب معطيات النموّ الاقتصادي التي تشكّل إثباتًا في نظر النظام الرأسمالي على نجاح النهج الاقتصادي. ولكن عندما يقطف الأثرياء فقط ثمار النموّ، لا يمكن لهذا النموّ أن يحلّ مشاكل الفقر التي يعاني منها معظم الشعب. كي يتمتّع كلّ أفراد الشعب بالنموّ الاقتصادي يجب أن يكون هناك توزيع عادل للأرباح، وهذا امر لا يضمنه النظام الرأسمالي النيوليبرالي.

الشرارة الأولى كانت في المحلّة الكبرى

يمكن رصد بداية التمرّد على النظام- التمرّد الذي تحوّل إلى ثورة شعبية- في الإضراب الكبير الذي قام به عمّال النسيج في المدينة الصناعية المحلّة الكبرى سنة 2008. الإضراب داخل مصانع النسيج التي عمل فيها 30000 عامل تحوّل بسرعة إلى تمرّد اجتاح المدينة بأكملها. مطالب الحركة العمالية امتزجت مع التعبير عن موقف سياسي صريح ضدّ النظام، وذلك عندما قام العمال ربما لأول مرة بتمزيق صور "الرئيس"، وكانت صورته حتى ذلك الحين تحظى بهالة من القداسة. الإضراب في المحلّة الكبرى، الذي طالب فيه العمّال بزيادة في أجورهم وفي الحق بالتنظيم النقابي المستقل، تعرض لقمع شديد بأيدي قوّات الأمن. كما حاول الاتّحاد العام الرسمي للنقابات الموالي للنظام القيام بكلّ شيء لوقف إضراب العمّال.

كان صدى ذلك الإضراب كبيرًا إلى حدّ قرّرت فيه مجموعة من الشباب إقامة حركة في الفيسبوك ووجّهت نداءً إلى سكّان مصر بالبقاء في بيوتهم في السادس من نيسان سنة 2008 تضامنًا مع عمّال النسيج في المحلّة الكبرى، وهو ما عرف بحملة "خليك في البيت". نظرا لهيجان الرأي العام الشعبي، اضطرّ الرئيس مبارك للخروج إلى الأمّة والوعد برفع الحد الأدنى للأجور.

بإلهام من هؤلاء العمّال الشجعان وقادتهم النقابيون نشأت "حركة شباب 6 إبريل" ووفّرت استمرارية لنضال الحركات العمالية النقابية، والذي تحوّل مع الوقت إلى نضال يحمل طابعًا سياسيًا صريحًا. من الجدير ذكره أنّ أحزاب المعارضة، من التجمّع اليساري وحتّى الإخوان المسلمين اليمينيين، لم يدعموا إضراب العمّال وبقوا خارج الحركة الديمقراطية التي كانت خلال ثلاث سنوات رائدة النضال حتّى نشوب الثورة الحالية.

يمكن القول بدون أدنى شكّ إنّ العمّال المصريين وقفوا في جبهة النضال ضدّ النظام. في مطالبهم من أجل الخبز وتحسين ضئيل في الأجور عبّر العمّال عن إرادة الجماهير الغفيرة. خلت هذه النضالات من المزايدة السياسية أو الدينية، وتمحورت حول مطالب عمّالية واضحة من جهة والمطالبة بتغيير النظام من جهة أخرى. نضال المحلّة الكبرى لم يكن وحيدًا. قام سائقو القطارات بإضرابات ومعهم عمّال في عدّة مدن مصرية في مجال النسيج والصلب. وتمحور جزء من النضالات في مناهضة خصخصة المزيد من المصانع التي هددت بفصل العمال والإساءة لظروفهم السيئة اصلا.

كانت هناك إشارة أخرى للقوّة المتزايدة للحركة العمّالية المصرية، وهي نجاح عمّال الجمارك في إنشاء نقابة مستقلّة عن الاتّحاد العام للنقابات الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم. جميع هذه النضالات زادت من خبرة العمّال ومن ثقتهم بأنّه يمكن تحقيق الإنجازات. من جهة أخرى، مسّت هذه النضالات كثيرًا بمصداقية النظام الذي اضطرّ إلى التراجع مرّة تلو الأخرى على ضوء الرأي العامّ الذي تعاطف مع العمّال ومع مطالبهم. رغم ذلك، جميع محاولات المنظّمات العمّالية للتوصّل لتنسيق العمل معًا باءت بالفشل، وذلك بسبب القمع القهري والملاحقة الدائمة التي تعرّض لها قادة الإضرابات. ما فشل العمّال في تحقيقه نجحت فيه شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك التي يديرها هؤلاء الشباب الذين دفعوا نضال العمّال خطوةً إلى الأمام وأخرجوا ملايين الناس إلى الشوارع مطالبين بإصرار وبوضوح بشعار "إسقاط النظام".

من سيصادر الثورة؟

تعبّر حركة 6 إبريل عن فكر ما بعد الحداثة الذي سيطر على الشبيبة في العالم بأكمله، وهو الابتعاد عن السياسة، وهذا بلا شك موطن الضعف الأساسي في الحركة. بما أنّ السياسة تعتبر أمرًا فاسدًا بل وقذرا يحاول عدد كبير من الشباب تجنّبها. يكتفي هؤلاء الشباب بالاحتجاج، إلاّ أنّ هذا الاحتجاج ليس برنامجا سياسيًا ولا يمكن ان يحل محله.

إدارة الدولة وتغيير النظام وإعداد دستور جديد هي أعمال سياسية من الدرجة الأولى. يطالب الشباب بالديمقراطية، لكنّ الديمقراطية لا تعني حرّية مجرّدة وإنّما حرّية اختيار طابع المجتمع: هل يكون دينيًا أم علمانيًا؟ رأسماليًا من النوع النيوليبرالي أم من نوع دولة الرفاه؟ أيّة مكانة ستكون للمرأة؟ ماذا ستكون مكانة العمّال أو الرأسماليين؟ لا طريقة للتعبير عن الإرادة الديمقراطية سوى من خلال الانتخابات، ولا طريقة لإجراء الانتخابات سوى من خلال أحزاب تطرح برامجها أمام الشعب. الاشمئزاز من السياسة يمنع إذًا الشعب وخاصّةً الشباب من التأثير على طابع السلطة والحكم.

بما أنّ القوّة الأساسية التي قادت الثورة هي العمّال والشباب الذين لا ينتسبون لأيّ حزب يمثّلهم، فسوف تجني ثمار الثورة القوى السياسية المختلفة الناشطة في الساحة في الوقت الراهن، وذلك رغم عدم رضا هؤلاء الشباب والعمّال الذين فقدوا الثقة بالأحزاب القائمة.

يدور الآن صراع سياسي شديد بين ثلاث قوى أساسية: الجيش، الذي يمثّله وريث مبارك ورئيس الأجهزة الأمنية، عمر سليمان؛ والأحزاب العلمانية التي في المعارضة والتي التفّت حول محمّد البرادعي، الذي شغل منصب رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرّية والحائز على جائزة نوبل للسلام؛ والضلع الثالثة في المثلّث هي بالطبع حركة الإخوان المسلمين، التي تتمتّع بقوّة سياسية هامّة لعبت طوال السنين لعبة القطّ والفأر مع السلطة.

لاعب مهم في الصورة هو الإدارة الأمريكية، فهي تطمح في الخروج منتصرة من خلال دعمها لاثنتين من القوى المذكورة: إما عمر سليمان في حال نجح الجيش في السيطرة على الثورة، أو البرادعي في حال حظي بتأييد شعبي. كما أنّ الإدارة الأمريكية لن تتوانى عن الحوار مع الإخوان المسلمين لكسب دعمهم لحكومة واسعة ومستقرّة.

كما تبدو الأمور في الوقت الراهن، يحاول مبارك نقل السلطة إلى الجيش بطريقة سلسة كما طلب منه الرئيس أوباما. إلاّ أنّ أوباما، في حين يتحدّث عن الشباب ويثني عليهم ويؤيّد الديمقراطية، يريد من الرئيس مبارك التنحّي فورًا لإتاحة الفرصة لاستقرار الجيش كمرساة للنظام الجديد. من جهة أخرى، بعد ستّين سنة من التدخّل الكبير في السياسة، يريد البرادعي ومؤيّدوه تراجع الجيش والانتقال إلى نظام مدني ذي طابع غربي. الإخوان المسلمون من طرفهم يريدون، بدون المطالبة الفورية بالسلطة، الحفاظ على تأثيرهم على المجتمع وحتّى توسيع الاستقلال الديني الذاتي الذي يتمتّعون به، من خلال تعزيز قوانين الشريعة.

من الواضح أنّه إذا واصل الجيش السيطرة على مصر، فإنّ الثورة المصرية ستجهض. وتعي ذلك أيضًا كلّ الجماهير المجتمعة اليوم في ميدان التحرير والذين يرفضون أيّة مفاوضات مع عمر سليمان. أوباما لن يعترض على أن يقوم الجيش بإقناع الجماهير للعودة إلى بيوتهم بالطرق السلمية، لكن إذا فشل الإقناع، لا مناص من إقامة حكومة مؤقّتة للتحضير لانتخابات ديمقراطية.

أيّ نظام اقتصادي سيحكم؟

السؤال الكبير الذي بقي مفتوحًا حتّى الآن هو أيّ نظام اقتصادي سيحكم بعد الثورة؟ ماذا سيكون مصير كلّ الرأسماليين الذين يشكّلون قاعدة النظام الذي جاء لخدمتهم؟ من الواضح للجميع أنّ كلّ القوى السياسية التي تتنافس الآن على ثمار الثورة تؤيّد النهج الاقتصادي السائد. ففي نظرهم الاشتراكية أثبتت فشلها، ودولة الرفاه القديمة انهارت، ولذلك يتمحور النضال اليوم حول تغيير النظام السياسي دون المسّ بصورة جوهرية بالنظام الاقتصادي الرأسمالي القائم. ستواصل الديمقراطية المصرية تبنّي رأس المال الخاصّ واحترام الخصخصة في حين يبقى للشعب المصري الاختيار بين الرأسمالية الإسلامية كما في إيران أو الرأسمالية العلمانية كما في الغرب أو في تركيا القريبة.

من الواضح تمامًا أنّ تغيير النظام سيؤدّي إلى تخفيف حدّة وضع المصريين، لكنّ الحلّ الجذري لمشاكل السكّان الذين يبلغ عددهم 85 مليون نسمة لا يبدو قريبًا. أزمة البطالة والسكن والماء هي شديدة إلى حدّ سيستغرق حلّها جيلاً أو أكثر ، هذا في حالة توجيه الدولة جميع مواردها لهذا الغرض. المتوقّع هو محاولة لإيجاد تعايش بين اقتصاد السوق ودولة الرفاه. حسب ذلك سيتمكن الأثرياء من جمع المزيد من الأموال، لكنهم سيضطرّون إلى دفع الضرائب والمساعدة في ترميم المجتمع المهدّم. إذا حدث هذا ستكفّ مصر ان تكون جنّة لرأس المال الأجنبي، الأمر الذي سيؤجل خطط التطوير والتصنيع. ويعني هذا انه ستتواصل الصراعات الداخلية في حين لا تستطيع السلطة الاستجابة للاحتياجات، وخاصّةً لتوقّعات العمّال والشباب والعاطلين عن العمل الذين قادوا الثورة. وبمعنى آخر الاستمرار في النظام الاقتصادي القائم لن يحل المشكلة الأساسية التي أخرجت الملايين للشوارع.

عدم وجود حزب ذي رؤيا اجتماعية واضحة تهدف لخدمة مصلحة العامل يترك الثورة المصرية في أيدي الرأسماليين. ومع ذلك يمكن لهذه الثورة أن توجِد الظروف والمقوّمات التي يمكن أن تتطوّر ضمنها حركة عمّالية وشبابية متيقّظة، تضمن حرّية التنظيم السياسي والنقابي وحرية التعبير عن الرأي والتظاهر. بكلمات أخرى، يمكن أن يكون أكبر إنجاز للثورة الحالية خلق بيئة ديمقراطية أو "حيّز جماهيري" يتيح للحركة العمّالية النشاط وإقامة اتّحادات نقابية مستقلّة، وفي نهاية الأمر تأسيس أحزاب تستجيب لاحتياجات العمّال وتعمل على توعيتهم وتعزيزهم السياسي. الثورة المصرية الحالية ليست الكلمة الأخيرة للشعب المصري، بل هي تعبّر عن المرحلة الديمقراطية في الطريق نحو تحقيق "العدالة الاجتماعية" التي دون أدنى شكّ هي الوقود الذي أشعل نار التمرّد والتي ستواصل دفع الشباب والعمّال في نضالهم.

السلام مع إسرائيل

خلافا لما حدث في ثورة الضبّاط الأحرار سنة 1952، التي كان أحد أسبابها هزيمة 1948 التي انتهت لإقامة دولة إسرائيل وأثبتت فشل العرب، ففي الثورة المصرية الحالية لا تشكل إسرائيل محور التحرك. ومع ذلك سيكون لهذه الثورة تأثير كبير للغاية على إسرائيل وعلى مكانتها في المنطقة. تقف إسرائيل لأوّل مرّة أمام ظاهرة جديدة لا تعرف كيف تهضمها. وفقًا للتوجّه الثابت للمحلّلين الإسرائيليين الثورة المصرية هي تمهيد لإقامة إيران جديدة على حدود إسرائيل الجنوبية. ينقسم العالم العربي في نظر إسرائيل إلى ثلاثة أنواع من الأنظمة: أنظمة "معتدلة وودّية" كالسعودية ومصر والأردن، وأنظمة إسلامية، وأنظمة قومية معادية كسورية وليبيا. المصطلح "نظام ديمقراطي عربي" لا يرد في قاموس المصطلحات الإسرائيلي، وعليه ليست لاسرائيل أيّة معلومات حول اسلوب "الاحتماء" منه.

في حين تتهيّأ الإدارة الأمريكية منذ عهد بوش ليوم سقوط مبارك، دفنت إسرائيل رأسها في التراب كالنعام. في الوقت الذي موّلت فيه الإدارة الأمريكية بعض المنظّمات غير الحكومية والحركات المنادية بالديمقراطية، دعمت الحكومات الإسرائيلية مبارك دون تحفّظ. مصر بدون مبارك تحوّلت في نظر إسرائيل إلى كابوس. ومع ان النظام انهار واختفت الشرطة من الشوارع وأوصدت أبواب مجلس الشعب وتلاشى الحزب الحاكم، يصر بنيامين نتنياهو ومعه الرئيس شمعون بيرس مطالبة دول العالم بدعم مبارك.

سيكون على إسرائيل ان تواجه "عدوّا جديدا" وأكثر خطورة من الذي عرفته حتّى الآن- وهو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
الثورة المصرية وقبلها التونسية، خلقت من جديد تواصلاً بين الشعوب العربية والعالم. هاتان الثورتان تبشّران بثقافة جديدة، وبمجتمع يحاول تحقيق التقدّم والحرّية والإبداع في العالم المتطوّر بعد ثلاثين عامًا من الظلمة التامّة. ينضمّ أبناء الشعوب العربية إلى إخوانهم في أمريكا اللاتينية وفي أجزاء من آسيا ويطردون الديكتاتوريات، وعلى أثر ذلك يحظون حتّى بدعم وتضامن من جانب "الأصدقاء التقليديين" لإسرائيل في العالم. الآن سيكون من الأسهل مطالبة إسرائيل باتّخاذ خطوة صغيرة لصالح مواطنيها وخطوة كبيرة لصالح الإنسانية وأن تقوم اخيرا بإنهاء الاحتلال.

المصريون ينظرون بنقمة لإسرائيل بسبب كونها دولة عظمى تمارس الاحتلال ضد شعب آخر. وأكثر من ذلك، إسرائيل لا تمثّل الاحتلال فحسب، بل هي رمز التغيير الذي مرّت به مصر، وخاصة منذ اتّفاقيات السلام مع اسرائيل وما رافقها من "انفتاح" جعل الرأسماليين المصريين يسيطرون على الاقتصاد ويحيلون حياة الشعب المصري الى جحيم، بدعم من اسرائيل التي رأت في نظام مبارك اكبر حام لها ولمصالحها في المنطقة.

إذا نجحت الثورة ستكفّ إسرائيل عن كونها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وعندئذ سيكتشف الجميع أنّ "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" هي عمليًا دولة محتلّة وأنّ قيمها لا تلائم قيم العالم الحرّ. نقاط تشابه كثيرة تجمع بين إسرائيل ومصر رغم الاختلاف الكبير بينهما. الرأسمالية الغاشمة خلقت في اسرائيل أيضًا ازدواجية مقدّسة بين رأس المال والسلطة، وتفشى الفساد في كلّ مكان- حتّى رئيس أركان الجيش مُنع من شغل المنصب بسبب فساده ورئيس الدولة السابق أُدين بتهم الاغتصاب.

الفجوات الاجتماعية آخذة في التوسّع والرأسماليون الإسرائيليون يتحكّمون بالاقتصاد وبموارد الدولة. ليس الاحتلال فقط ما يميّز إسرائيل، بل انعدام العدالة الاجتماعية أيضًا، وفي نهاية الأمر غياب الديمقراطية. لا، الثورة في إسرائيل ليست على الأبواب. ولا يمكن مقارنة ما يحدث في مصر مع جميع الظواهر السلبية التي نشهدها هنا. مع ذلك فروح التغيير التي بدأت في ثورة الياسمين في تونس وانتقلت للثورة الباسلة في مصر، لن تتجاوز المجتمع الإسرائيلي الذي يحتاج إلى تغيير فوري وإلى سلام حقيقي.

الكاتب هو الأمين العام لحزب دعم العمالي.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__391
21.11.2017, 23:11