شؤون عربية

الثورة الشعبية التونسية تأبى التراجع

اساف اديب

بعد أسبوع من هروب الدكتاتور بن علي، يبدو أنّ الثورة الشعبية التونسية – ثورة الياسمين – تأبى قبول الحلول الجزئية. تطالب الجماهير العمّالية والشبابية والمثقّفين في شوارع تونس بإقصاء حزب بن علي وجماعته عن السلطة ولا تقبل المناورة المكشوفة لترسيخ النظام القديم بحلّة جديدة.

تشير التطوّرات السريعة والتحوّلات المتكرّرة في السلطة إلى استمرار الضغط الثوري من الشارع. إبّان خروج طائرة بن علي من البلاد يوم الجمعة 14/1 أعلن رئيس الوزراء محمّد الغنوشي عن نفسه رئيسًا مؤقّتًا حتّى عودة الرئيس الدستوري. خلال 24 ساعة تمّ الإعلان أنّ غياب بن علي ليس مؤقّتًا وأنّه في هذه الحالة وحسب المادّة 57 من الدستور، يجب على رئيس مجلس النوّاب – فؤاد المبزع – أن يتولّى مؤقّتًا منصب الرئيس ويعلن عن انتخابات رئاسية خلال مدّة أقصاها 60 يومًا.
في إطار هذا التطوّر وفي ظلّ استمرار المظاهرات الشعبية، تمّ تعيين محمّد الغنوشي رئيسًا لحكومة مؤقّتة التي كان المفروض أن تشمل كافّة القوى السياسية في البلاد بما في ذلك ممثّلين عن قوى المعارضة والنقابات العمّالية. إلاّ أنّ الحكومة الجديدة التي تمّ الإعلان عنها يوم الاثنين 17/1 أبقت الوزارات المركزية بيد عناصر الحزب الحاكم – حزب الدستور التابع لبن علي – الأمر الذي أثار غضب الجماهير ودفع ببعض الوزراء إلى الاستقالة.
ورد في تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال في 19/1 أنّ قرار القيادة الرئيسية لاتّحاد النقابات من يوم السبت 15/1 للمشاركة في الحكومة المؤقّتة قد تمّ التراجع عنه بعد 3 أيّام بضغط من القاعدة الثورية. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن عضو اللجنة التنفيذية للاتّحاد النقابي سامي تحرير قوله بأنّ القرار القاضي بسحب وزراء النقابات من الحكومة قد تمّ اتّخاذه في اجتماع طارئ للنقابة، وذلك بسبب مشاركة حزب الدستور الحاكم في هذه الحكومة. "هناك فساد مستشرٍ ولا يجوز لنا المشاركة في حكومة من هذا النوع. نريد بداية جديدة".
محاولة لإنقاذ النظام العربي
النظام التونسي بقيادة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي كان حليفًا هامًّا للأمريكيين وللأوروبيين (فرنسا بالتحديد)، ويشكّل إقصاؤه عن السلطة بضغط الجماهير تهديدًا لنظام الحكم التابع للغرب في العالم العربي كلّه. رغم رفض فرنسا استقبال طائرة الرئيس بن علي، يبدو بوضوح التورّط الأمريكي- الفرنسي في دعم النظام حتّى اللحظة الأخيرة وفي التخطيط لإحداث انقلاب سياسي شكلي من خلال إقصاء شخص الرئيس وإبقاء نظامه الاقتصادي والأمني والسياسي على حاله.
التدخّل الأمريكي القوي في تونس خلال العقود الأخيرة، وسيّما العلاقة الوطيدة بين الجيش التونسي وقوى الأمن المختلفة وبين المخابرات الأمريكية في الحرب ضدّ الإسلام المتطرّف – كلّ ذلك لا يترك مجالاً للشكّ بعمق التورّط الأمريكي في عملية إقصاء بن علي عن الحكم.
صحيح أنّ الرئيس الفرنسي ساركوزي رفض في اللحظة الأخيرة السماح بهبوط طائرة الرئيس المخلوع وزوجته في باريس، لكنّ ذلك حدث بعد وصول الطائرة إلى سماء باريس، الأمر الذي يدلّ على أنّ ذلك كان اتّفاقًا مسبقًا لضمان اللجوء إلى فرنسا. للخروج من هذه الورطة أعلنت السعودية عن استعدادها لاستقبال بن علي وأفراد عائلته "عملاً بالأعراف والشهامة العربية". إلاّ أنّ قرار السعوديين الذي يقضي باستقبال الرئيس التونسي المخلوع ليس سوى اعتراف سياسي استراتيجي من طرفهم بأنّهم يرون في الزعيم التونسي شريكًا وحليفًا أساسيًا لا يجوز التخلّي عنه.
الملك السعودي يمكنه تقدير الضائقة التي يعاني منها الدكتاتور. فقد هرع لحماية أحد شركائه في المنظومة السياسية الحاكمة والمسيطرة في العالم العربي، التي كان بن علي وحكمه جزءًا لا يتجزّأ منها.
الشباب الذين اضطرّوا بن علي للهروب في الانتفاضة الشعبية التي قادوها، يضعون تحدّيًا هامًّا أمام كلّ الزعماء العرب. نهج الأسرة الحاكمة الفاسدة التي تسيطر على الحكم والدولة ومقدّراتها وتقمع المعارضة بيد من حديد من خلال الحزب الحاكم، لا يميّز تونس فقط. يمكن ملاحظة هذا النهج بصوره المختلفة في المغرب والجزائر ومصر وليبيا وسوريا والأردن. والنهج أكثر تطرّفًا في السعودية ودول الخليج، فالأُسَر الحاكمة تسيطر رسميًا على كلّ الثروات ولا تطبّق أيّ شكل للنظام الديمقراطي ولو ظاهريًا.
خلفية الثورة الشعبية
خلفية إقصاء بن علي عن الحكم الذي سيطر عليه منذ سنة 1987 واضحة المعالم. نسبة بطالة عالية بين الشباب وغياب التطوير في المناطق القروية وفساد سلطوي وانتهاك حرّيات المواطنين وتعلّق تامّ بمؤسّسات رأس المال الدولية. رغم نسبة النموّ العالية نسبيًا والمكانة الدولية القويّة، لم ينجح بن علي في توفير أماكن عمل والمساواة في التنمية والتطوير. وفقًا للمقال الشيّق الذي نشره باسل صالح (چلوبال ريسيرتش 31.12.10 Tunisia: IMF "Economic Medicine" has resulted in Mass Poverty and Unemployment), "الظروف الاقتصادية البائسة في الأنحاء الداخلية للبلاد، وعدم توفّر فرص العمل وانتهاك الحرّيات السياسية ودفع آلاف الشباب والشابّات في بلاد المغرب إلى هوامش المجتمع، كلّ هذه العوامل كانت الدافع وراء هذه الانتفاضة الشعبية. نسبة البطالة في تونس- العدد الذي لا يعبّر عن الوضع الحقيقي- هي %14. إلاّ أنّ نسبة البطالة لدى الشباب (بين الأعمار 15-24) تبلغ %31. تقسيم الدخل القومي لا يتمّ بالتساوي بتاتًا. العشر العلوي من السكّان يسيطر على %32 من الدخل والعشران العلويان يمتلكان %47 من رأس المال. أدّى النموّ الاقتصادي غير المتساوي إلى تنمية وتقدّم في الشمال وفي المناطق الساحلية وأبقى الأقاليم الداخلية متخلّفة".
هذه التناقضات والمرارة التي تراكمت خلال السنين تحوّلت إلى ثورة اجتماعية عارمة في 17 كانون الأوّل، بعد أن قام محمّد بوعزيزي (26 سنة)، وهو أكاديمي عاطل عن العمل كان يكسب رزقه من بيع الفواكه والخضروات، بحرق نفسه احتجاجًا على الوضع. طُلب من بوعزيزي دفع رسوم حماية للمخبز المحلّي، وعندما لم يستطع ذلك تمّ مصادرة بسطته وبقي مع أسرته بدون مصدر رزق. كحال سائر مئات آلاف خرّيجي الجامعات التونسيين، وجد بوعزيزي نفسه أمام طريق مسدود. عندما سكب على نفسه علبة بنزين في الساحة المركزية في بلدة سيدي بوزيد، أشعل مع جسمه حريقًا اجتماعيًا هائلاً أدّى في نهاية
الغضب الذي ثار في بلدة سيدي بوزيد لم يكن وليد الصدفة. يعتمد التطوير الاقتصادي التونسي على السياحة التي مركزها بطبيعة الحال في المناطق الساحلية. يتركّز %90 من الاقتصاد في هذه المناطق في حين أنّ المناطق الداخلية تعاني من الفقر والتخلّف.
حظي بن علي على ثناء من الغرب لأسباب كثيرة، بضمنها بسبب القمع الذي مارسه ضدّ القوى الإسلامية إلى جانب تعامل ليبرالي مع مكانة المرأة. بالإضافة إلى ذلك قام بن علي بإخضاع الاقتصاد التونسي للمؤسّسات الرأسمالية وعمل بتعاون وثيق مع الأمريكيين والفرنسيين، من خلال خصخصة كلّ المنظومة العامّة التي بقيت من فترة الرأسمالية السياسية التي بناها سابقه ومؤسّس تونس الحبيب بورقيبة.
وفي العقد الأخير نجح أيضًا بن علي في تعزيز مكانته في واشنطن بسبب استعداده للمساعدة في حرب بوش ضدّ الجهات الإرهابية الإسلامية. فقد كُشف النقاب عن أنّ قوّات الأمن التونسية شاركت في التحقيق مع متّهمين بالإرهاب في القاعدة العسكرية باچرام في شمال أفغانستان- تعاني القوّات الأمريكية من نقص كبير في المحقّقين الذين يجيدون اللغة العربية. سجون التعذيب التونسية في عهد بن علي كانت أحد الأماكن التي نُقل إليها سرًّا نشطاء من منظّمة القاعدة الذين حقّق معهم محقّقو السي آي إي بدون رقابة الكونغرس في واشنطن.
جورج سمعان كتب في "الحياة" (17.1.11) أنّ العلاقات الوثيقة بين النظام الحاكم والاستثمارات المالية الأجنبية وتعلّقه بالاقتصاد الأوروبي- خاصّةً على أثر المكانة المركزية التي تتمتّع بها السياحة الأوروبية في الاقتصاد التونسي- أدّت مع بداية الأزمة الاقتصادية إلى تقليص الاستثمارات وإلى تفاقم ضائقة البطالة. أدّى هذا الوضع إلى تفاقم الأزمة وإلى زيادة نسبة هجرة الشباب إلى المدن المركزية. البطالة التي يعاني منها هؤلاء الشباب أفرزت غضبًا وإحباطًا أدّيا إلى ثوران الانتفاضة ضدّ السلطة.
في محاولة لوقف الغضب الثائر، قام بن علي بإقالة وزير الداخلية ووعد بأن يعمل على توفير 300 ألف مكان عمل. إلاّ أنّ ذلك جاء متأخّرًا. رأى الشعب في بن علي وزوجته، ليلى طرابلسي، مصدر الفساد والقمع. أخوة زوجة الرئيس العشرة سيطروا على مجالات واسعة من الاقتصاد. البرقيات التي أرسلها السفير الأمريكي في تونس (والتي نُشرت مؤخّرًا في ويكيليكس) كشفت على الملأ ما عرفه كلّ التونسيين منذ زمن. أبلغ السفير الأمريكي وزارة الخارجية سنة 2008 أنّ نظام بن علي يعمل كالمافيا. أقرباء زوجة الرئيس يسيطرون على الاقتصاد. تونس هي دولة تحكمها الشرطة وتنتهك جميع الحرّيات والحقوق الديمقراطية. (العائلة الاولى في تونس - شبه مافية),
السؤال السياسي الذي يُطرح اليوم هو بالطبع: ما هو مصير تونس؟ الهروب الدراماتيكي للرئيس وزوجته المكروهين يمكنه أن يدلّ على أنّ هناك في المؤسّسة التونسية من يرغب في المحافظة على أسس النظام مع تغييرات ظاهرية فقط. من التقارير التي تأتينا من تونس يبدو أنّ الجيش هو الجهة التي أشارت على بن علي بالهروب بسرعة من البلاد. بخلاف الشرطة والحرس الرئاسي الذين كانوا في صفّ نظام بن علي، يشكّل الجيش جهة منفصلة ويحاول إيجاد مكانة لنفسه كمسؤول ومخلص للشعب، يمكن أن يكون سندًا للنظام الجديد.
غياب الإسلام السياسي
اللافت للنظر في المشهد التونسي الثوري هو غياب أيّ دور محوري حتّى الآن للحركات الإسلامية. إذا كان هناك في السنوات الأخيرة اعتقاد راسخ بأنّ البديل لأنظمة الحكم التابعة للغرب والتي استاءت الشعوب منها هو الإسلام السياسي المتطرّف، فقد جاءت ثورة الياسمين في تونس لتؤكّد خلاف ذلك.
حاول الرئيس بن علي حتّى اللحظة الأخيرة أن يقنع بعض الأطراف المقرّرة بأنّ رحيله سيفسح المجال أمام الإسلاميين للاستيلاء على الحكم، لكن يبدو أنّ الحركة الثورية التي اجتاحت شوارع تونس خلت تمامًا من الإسلاميين. حركة النهضة الإسلامية التي كانت محظورة حسب القانون التونسي في ظلّ نظام بن علي تشكّل قوّة حقيقية ولها قيادات تاريخية (جميعهم في المنفى حتّى الآن بانتظار عفو عن القوى السياسية المحظورة) لكنّها فشلت في بسط تأثير كوادرها في الأحداث الأخيرة.
FILE illustrations/sabar/11_jan/tunis4.jpg IS MISSING
من جهة أخرى، هناك كمّ واسع من الأحزاب والحركات العلمانية، بما فيها الاتّحاد العامّ للنقابات التونسية وبعض الأحزاب اليسارية. وتنظر هذه القوى إلى الحزب الحاكم الدستوري على أنّه حزب فاشيّ وتطالب كشرط أساسي لتثبيت نظام جديد بإقصاء رموز الحزب وعدم الاكتفاء برحيل بن علي.
وقد نشر أحد الكتاب اليساريين في تونس شكري لطيف مقالاً تحت عنوان "لا سيادة للشعب دون سحق الدكتاتورية وحلّ الحزب الدستوري الفاشي"، وذكر فيه مطالب الحركة الشعبية على النحو التالي: