العدد ٢١٣, كانون اول ٢٠٠٧

شؤون فلسطينية

المفاوضات تفتح شهية الاستيطان في القدس

ميخال شفارتس

ذا كان مؤتمر انابوليس حافزا لشيء، فلتكثيف الحملة الاستيطانية في القدس. تدعي اسرائيل الحق بالاستيطان على كل جبل وعند كل شجرة والسيطرة على القدس الشرقية الاصلية، لمنع نشوء عاصمة فلسطينية فيها.

حاجز جديد في شمال القدس. تصوير: تومر ابلباوم

لم يمض اسبوعان على موجة الاستنكار العالمية لاعلان اسرائيل عشية انابوليس عن نشر عطاءات لبناء 307 وحدات سكنية في مستوطنة هار حوما (ابو غنيم) على مشارف بيت لحم، حتى كشفت صحيفة "هآرتس" (19/12) بان وزارة الاسكان تخطط لبناء اكبر مستوطنة في القدس الشرقية منذ عام 1967، على اراضي مطار قلنديا على مشارف رام الله والتي كان المفروض نقلها للسلطة الفلسطينية. وفي نفس الوقت، تعارض بلدية القدس خطة لتوسيع الخريطة الهيكلية لقرية العيسوية المقدسية الواقعة على السفوح الشرقية لجبل مونت سكوبس، والتي تعاني ازمة سكن خانقة.

وضمن الحملة الاستيطانية قررت اسرائيل استئناف الحفريات الاثرية في باب المغاربة، وكرر وزير الثقافة غالب مجادلة إنكار الخبر. وامعانا في تأكيد النوايا سمحت قوات الامن للمستوطنين بتنظيم تظاهرات في بؤر استيطانية كانت اسرائيل قد التزمت امام الولايات المتحدة بتفكيكها، ومنها إي1 (E1) قرب مستوطنة معاليه ادوميم. وشارك في "مسرحية" المستوطنين عناصر من مشجعي فرقة كرة القدم "بيتار يروشلاييم".

جرت العادة قبل كل عملية تفاوضية ان تقوم اسرائيل بخطوة استفزازية في القدس، لتثبت رفضها التفاوض في هذا الشأن، ورسالةً منها بانها ستواصل اتخاذ خطوات احادية الجانب لفرض موقفها كامر واقع. واذا كان مؤتمر انابوليس حافزا لشيء، فلتكثيف الحملة الاستيطانية في القدس. وادعى رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود اولمرت، انه لا تناقض بين الحملة وبين المفاوضات من اجل السلام ووعود اسرائيل العلنية بوقف الاستيطان او توسيعه، ذلك ان القدس هي جزء لا يتجزأ من اسرائيل، ولا صلاحية للسلطة الفلسطينية او للادارة الامريكية للتدخل بشأنها، على حد تعبيره.

ولو اخذنا بجدية الشائعات حول نية اسرائيل تقسيم القدس على اساس نقل الاحياء الفلسطينية للفلسطينيين واليهودية لاسرائيل كما تنص تفاهمات كلينتون ورامون وبراك، فالنتيجة ستكون الهرولة باتجاه تكثيف الاستيطان للاستيلاء على اكبر مساحة من اراضي القدس. فاسرائيل ترى ان من حقها الاستيطان على كل جبل وعند كل شجرة داخل حدود "القدس الكبرى" التي ضمتها في حرب 1967، والسيطرة على القدس الشرقية الاصلية، مقابل وعود فارغة بان تعيد للفلسطينيين قرى ومخيمات لم تكن ابدا جزءا من القدس بل جرى ضمها في الحرب وبعدها.

نائب رئيس الحكومة، حاييم رامون، قال ان انسحاب اسرائيل من القرى والمخيمات العربية في اطراف القدس و"التخلص من 170 الف عربي، سيتيح اعترافا دوليا بسائر احياء القدس بما فيها هار حوما، كعاصمة لاسرائيل".

الهدف الاساسي من هذه السياسة هو منع نشوء عاصمة فلسطينية على اجزاء عربية من القدس. واذا كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق، ايهود براك، قد اقترح على الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، اقامة عاصمتين في المدينة، القدس للعرب واورشليم لليهود، فما يقترح اليوم على الرئيس الفلسطيني الحالي، محمود عباس (ابو مازن) هو اورشليم لليهود فقط.

ويبقى الهدف الاكبر، كما يقول نائب رئيس بلدية القدس، يهوشواع بولاك، لهآرتس هو خلق تواصل استيطاني من مستوطنة بيت ايل شمالي الضفة، عبر معاليه ادوميم شرقا وحتى غوش عتصيون جنوبا. بهذه الطريقة ستمتد القدس الكبرى على 20% تقريبا من الضفة الغربية، مما يمنع أي تواصل جغرافي في الدولة الفلسطينية المزعومة.

من هار حوما لقلنديا

مستوطنة هار حوما على جبل ابو غنيم، كما تبدو من قرية ام طوبا. تصوير: الصبّار

تتذرع اسرائيل بان مستوطنة "هار حوما" واقعة في القدس، وعليه فلا موانع لبناء وحدات سكنية جديدة فيها. كما تدعي بان توقيع موظفي وزارة الاسكان على المستند الذي يسمح بنشر العطاءات لبناء 307 وحدات سكنية، هو اجراء روتيني ضمن صلاحياتهم، وان قرار البناء اتخذ قبل عشر سنوات وانه أقرّ ضمن خطة التنظيم عام 2000 للرد على التكاثر الطبيعي.

ولكن الحقيقة ان جبل ابو غنيم لم يكن ابدا جزء من القدس الشرقية، بل هو واقع على مشارف بيت لحم ويبعد الف متر فقط عن كنيسة المهد. تعود ملكية اراضي الجبل لسكان بيت ساحور وبيت لحم وام طوبا، ولقلة من اليهود الذين اشتروا الاراضي في الاربعينات. وقد جرى ضم المنطقة للقدس ابان حرب 1967، مما فرض الطوق على مدينة بيت لحم، وفصلها عن القرى المجاورة مثل صور باهر وام طوبا، وخلق تواصلا استيطانيا بين القدس وبين كتلة مستوطنات غوش عتصيون جنوبي الضفة.

في عام 1991 صادرت اسرائيل 1850 دونما في جبل ابو غنيم بحجة المصلحة العامة. واعترض حينها اصحاب الاراضي الفلسطينيون واليهود، ولكن محكمة العدل العليا رفضت التماساتهم. اما الخبر عن وجود مخطط لبناء 8000 وحدة سكنية ل40 الف مستوطن في جبل ابو غنيم، فقد انفجر بشكل علني لاول مرة عام 1994 في مداولات لجنة المالية في الكنيست، وبدأ التخطيط للمستوطنة عام 1995 إبان حكومة رابين. وكانت هار حوما اول مستوطنة كبيرة يتم تخطيطها في القدس بعد التوقيع على اتفاق اوسلو مع الفلسطينيين.

بدأ بناء المستوطنة فعليا في شباط 1997، ابان حكم بنيامين نتانياهو كرئيس للحكومة، وايهود اولمرت كرئيس لبلدية القدس، وتم حينها بناء 6.500 وحدة. وقد اثار الموضوع عاصفة من الاستنكارات الدولية، وقرر الرئيس الراحل عرفات تجميد العملية التفاوضية مع اسرائيل، وطرح الموضوع اثناء زيارته للرئيس الامريكي، بيل كلينتون، في البيت الابيض. مبعوث كلينتون الخاص، دنيس روس، طلب من الاسرائيليين وقف البناء، الا ان اولمرت رأى في الموضوع امتحانا لقيادته ورفض طلب روس.

احتجت حينها وزيرة الخارجية الامريكية، مادلين اولبرايت، وناقش مجلس الامن الموضوع وسعى لادانة اسرائيل، لولا ان كلينتون استغل حق الفيتو وانقذ اسرائيل من القرار. وبذلك اعطت امريكا الضوء الاخضر للشروع في بناء المستوطنة، التي وصل عدد سكانها اليوم الى اكثر من عشرة آلاف اسرائيلي، نصفهم من المتدينين.

القرار الجديد باضافة 307 وحدات سكنية، والذي صدر عشية انابوليس، اثار مرة اخرى موجة عالمية من الاستنكار: وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، تقول ان الاستيطان لا يسهل على العملية التفاوضية وعبرت عن تحفظها على القرار الاسرائيلي؛ السلطة الفلسطينية هددت بمقاطعة المفاوضات مع اسرائيل؛ الامين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، طلب من الولايات المتحدة واللجنة الرباعية الدولية والامم المتحدة "اتخاذ موقف حازم" من "الخرق الاسرائيلي الخطير"؛ الرباعية عبرت عن "القلق الشديد"؛ الامانة العامة لمجلس التعاون الخليجي نددت؛ كل هذا والاستيطان مستمر.

مقارنة مع الاحداث التي وقعت قبل عشر سنوات تشير ان التاريخ يكرر نفسه، ولكن بفارق واحد، هو ان عملية اوسلو حينها اثارت الاوهام بان اسرائيل جادة في عملية السلام، اما قمة انابوليس فقد ماتت قبل ان تُولد.

الخطة لبناء مستوطنة جديدة في قلنديا، حيث اقامت اسرائيل مطار "عطاروت" بعد احتلال 1967، انكشفت لاول مرة في شهر شباط 2007. وتجدر الاشارة الى ان المطار لم يحظ باعتراف دولي لوقوعه في المناطق المحتلة، وكان يستخدم فقط للطائرات الاسرائيلية المسافرة على خط القدس-ايلات. وقد أُغلق المطار بعد تعرضه للقصف الفلسطيني في انتفاضة عام 2000، ولا يزال مغلقا حتى اليوم وخاضعا لمسؤولية الجيش الاسرائيلي.

وفي شباط الاخير طلبت وزيرة الخارجية من اسرائيل توضيحات بالنسبة لخطة البناء في قلنديا، علما ان المنطقة كانت معدة للانتقال لسيطرة الفلسطينيين في حالة تقسيم القدس. ايامها ردّ مسؤولون اسرائيليون رفيعو المستوى بان التخطيط ليس ساري المفعول. (هآرتس، 19/12)

ورغم طمأنة الاسرائيليين لحلفائهم الامريكان الا ان وزير الاسكان، زئيف بويم، اقر المباشرة بخطوات فعلية لتخطيط المستوطنة، وطلب من دائرة اراضي اسرائيل السماح لوزارته بالتخطيط، بحجة التكاثر السكني الطبيعي لليهود المتدينين في القدس. ويبدو ان الهدف السياسي وراء التخطيط هو الفصل بين الاحياء الفلسطينية في شمال القدس وبين المنطقة الصناعية عطاروت.

ورغم ان اولمرت ووزيرة خارجيته، تسيبي ليفني، انكرا علمهما بالقرار، وقالا انهما لا يصدقان ان المخطط سيُنفّذ، (هآرتس، 20/12) الا ان التجربة تشير الى ان كل مخطط استيطاني في القدس يتم تنفيذه عاجلا ام آجلا.

خنق العيسوية

هدم بيت غير مرخص في العيسوية، وفي الخلفية الجامعة العبرية. تصوير: الصبّار

الحساسية التي تبديها بلدية القدس تجاه التكاثر السكاني اليهودي، تنقلب رأسا على عقب عندما يتعلق الامر بالتكاثر السكاني الفلسطيني. جميع الاحياء والقرى والمخيمات التي تم ضمها للقدس تعاني ازمة سكن خانقة. بشكل خاص تبرز ازمة قرية العيسوية التي ترفض جهات في بلدية القدس توسيع خريطتها الهيكلية.

تقع القرية على سفوح جبل مونت سكوبس، تحت الجامعة العبرية ومستشفى هداسا اللذين اقيما على اراضيها، وهي محشورة بينهما وبين شارع القدس-معاليه ادوميم وبين حي التلة الفرنسية. جرى ضم العيسوية للقدس ولكن بقيت اراضيها في الضفة الغربية، وقد صودر جزء منها لاقامة مستوطنتي معاليه ادوميم وميشور ادوميم، والشوارع المؤدية اليهما. (الصبّار، تموز 1997، العدد 42).

الخريطة الهيكلية للعيسوية التي أعدّتها بلدية القدس عام 1991 تشمل 666 دونما، ولكن مساحة البناء تقتصر على 380 دونما فقط. في هذا الوضع اضطر 12 الفا من السكان للبناء بلا رخص، والتعرض لحملات هدم واسعة. الاراضي المتبقية اعلنت مناطق عسكرية او خضراء (الصبّار، شباط 1999، العدد 82). ازداد ازمة السكن في العيسوية بعد بناء الجدار الفاصل، على خلفية انتقال الفلسطينيين الذين بقوا شرقي الجدار لاستئجار مساكن غربه والسكن مثلا في قرية العيسوية.

على هذه الخلفية قامت جمعية "بمكوم - مخطّطون من أجل حقوق التخطيط" بالتعاون مع سكان القرية بتقديم مخطط للجنة التخطيط في بلدية القدس. يقترح المخطط البديل توسيع المنطقة السكنية ب350 دونما وبناء 18 لف وحدة سكنية، وترخيص البيوت المعرّضة للهدم، وذلك اخذا بالاعتبار انه حتى عام 2020 سيصل عدد سكان العيسوية الى 20 الفا.

غير ان خطة "بمكوم" لاقت معارضة شديدة من سكان حي التلة الفرنسية المجاورة، الذين يخشون من توسع القرية العربية. وشكل هؤلاء لجنة تطالب بالاكتفاء بترخيص البناء غير المرخص في العيسوية، والتقوا لهذا الهدف بنائب وزير الدفاع سابقا، افراييم سنيه، وبالنائب الحالي متان فلنائي. كما يعارض التخطيط رئيس طاقم التخطيط في لجنة التنظيم، والجامعة العبرية ووزارة الامن. وقد نجح عضو المجلس البلدي يئير جباي بتأجيل مناقشة المخطط ثلاث مرات. (هآرتس، 17/12)

المفارقة التاريخية

لجدار الفاصل بين حي الطور وقرية الزعيم، شرقي القدس. تصوير: تومر ابلباوم

المفارقة ان الازدحام في العيسوية يؤدي الى غلاء الاسعار، مما يدفع ببعض اهالي القرية لشراء او استئجار بيوت ارخص في الاحياء اليهودية الاستيطانية المجاورة، مثل التلة الفرنسية ونفيه يعقوب. ولوحظ في المدة الاخيرة ان هؤلاء الفلسطينيون يرتادون مقاهي المستوطنة، ويشترون في مراكزها التجارية ويستعملون مرافقها العامة. (داني روبنشتاين، هآرتس، 19/12)

بناء الجدار الفاصل يؤدي لظواهر سكانية جديدة. فهو يدفع بسكان القدس الذين بقوا شرقي الجدار (80 الفا)، للانتقال الى قرى القدس الواقعة غربه، هذا بدوره يدفع سكان هذه القرى للانتقال للسكن في المستوطنات اليهودية كما ذكرنا، او حتى في يافا وقرى المثلث. بمعنى ان مستوطنات القدس اخذت تتحول بشكل تدريجي الى احياء مختلطة، في حين بدأ فلسطينيو القدس ينتقلون لداخل اسرائيل.

الشقق التي تركها اهلها المقدسيون بسبب وقوعها شرقي الجدار، تحولت الى مساكن لاهالي الخليل وجنين ونابلس. هؤلاء تركوا مدنهم، بحثا عن مصدر رزق في ضواحي القدس. النتيجة هي تغيير كبير في الملامح السكانية في الضفة الغربية، وتكثيف الضغط على الحزام حول القدس.

يتبين اذن ان محاولة اسرائيل الانفصال عن الفلسطينيين تؤدي بالضبط للنتائج العكسية، اما القضية الفلسطينية فآخذة بالتحول السريع الى مشكلة اسرائيلية داخلية. محاولات تقوية القدس اليهودية ومنع اقامة عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية، جعل من القدس مدينة كبيرة جغرافيا ولكن ضعيفة اقتصاديا واجتماعيا. اذ يعيش فيها من جهة يهود متدينون متشددون لا يعملون ويشكلون عبئا اقتصاديا على الدولة، ومن جهة اخرى يتوافد اليها الفلسطينيون هربا من طوق الجدار وخوفا من اغلاقها نهائيا في وجههم. ان هذه المخططات لا تشكل حاجزا امام السلام الذي يدعي اولمرت انه اصبح قضية مصيرية فحسب، بل يؤدي ايضا الى نتائج معاكسة لما تطمح اليه اسرائيل.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__39/المفاوضات_تفتح_شهية_الاستيطان_في_القدس
19.11.2017, 10:11