تاريخ النشر ١٧/٠١/٢٠١١

نساء

العمل الصامت يكتسب صوتا ولونا

العمل الأسود

روني بن افرات

"العمل الأسود" هو مؤتمر لم يسبق أن عُقد مثيل له في إسرائيل. في مساء يوم الثلاثاء 4 كانون ثان، تدفّق إلى مسرح "عنبال" في مركز "سوزان دلال" بتل أبيب أكثر من 150 امرأة من الجليل والمثلّث والنقب، لمناقشة مكانتهنّ كعاملات في أسفل السلّم الاجتماعي. عندما صعدت إلى المنصّة ممثّلات هؤلاء العاملات كان من الواضح بأنّ هذا المؤتمر تعدّى كونه مؤتمرًا أكاديميًا كما هو معتاد في موضوع تشغيل النساء.

عاملات زراعة عربيات من المثلّث، وصل بعضهن مباشرةً بعد يوم عمل شاقّ في الزراعة، عاملات بأعمال يدوية من أصل أثيوبي من كريات چات، صانعات سلال من الجليل، عاملات أجنبيات من جنوب شرق آسيا، نساء من سكّان القرى غير المعترف بها في النقب، ونشيطات اجتماعيات، أتين للتعبير عن جمهور كبير من النساء العاملات في الأعمال البدنية الصعبة، والتي لا تحظى بأكثر من الأجر الأدنى وأحيانا اقل منه، وكانت وقفتهن قويّة ومعزّزة وثابتة.
بادر إلى عقد هذا المؤتمر "الائتلاف النسائي من أجل العمل العادل"، كاستمرار للمسيرة التي بدأت بمظاهرة يوم المرأة العالمي سنة 2010. من بين المنظّمات التي تشارك في هذا الائتلاف: "منتدى نقابة معًا النسائي"؛ حركة أختي- من أجل النساء في إسرائيل"؛ مركز مساعدة العمّال الأجانب؛ صوت المرأة- مركز نسائي مناصر للنساء متعدّد الثقافات؛ البرلمان النسائي؛ أنوار- قيادة نسائية يهودية عربية؛ جمعية سنديانة الجليل للتجارة العادلة؛ مركز أهاتا؛ نساء يطبخن- المطبخ الجماهيري.
النشيطة النسوية إستر عيلام من منظّمة "أختي" والنقابية أسماء إغبارية- زحالقة من نقابة العمّال معًا تولّتا عرافة المؤتمر، مهمّة ليست سهلة؛ إذ ينبغي التعامل مع أربع لغات في آن واحد.
ساد الصمت في القاعة عندما تساءلت أسماء إغبارية: "ماذا أقصد عندما أقول "عمل اسود"؟ وأجابت: "أقصد العمل الصامت، ذلك الشيء الذي يحدث في مكان ما في الهوامش، حيث يعمل بصمت، رجال ونساء، كثيرون كثيرون، ينظفون، يغيرون الحفاظات، يزرعون، يقطفون، يطبخون، ينسجون، يحفرون، يبنون قاعدة الهرم الاجتماعي. هناك في الهوامش، حيث نجر الايام والشهور، وسنوات العمر كله. بلا أجر ملائم، بلا حقوق وبلا اعتبار لكرامتنا".
إحدى المتحدثات كانت النقابية في معا وفاء طيّارة. مسار حياة وفاء ليس عاديًّا، فقد بدأت العمل بالزراعة على أثر الأزمة الاقتصادية التي ألمّت بأسرتها. عملت وفاء في البداية في الزراعة عن طريق مقاول انتهك حقوقها بالعمل وحقوق زميلاتها. عندما سمعت عن مشروع تشغيل النساء التي تبادر إليه معًا كانت أوّل المنضمّين. "عندما بدأت تلقي كامل حقوقي وأجري، دون التنازل عن ثلث حقوقي للمقاول، توقفت عن الشعور بأنني عاملة في "عمل أسود"، قالت وفاء للحضور، وأضافت: "ظروف الاستغلال هي التي تجعل العمل أسود، حتى لو تم في غرف مكيّفة. خروجي للعمل كان نقطة تحول في حياتي، وكنت عندها قد اصبحت اما لأربعة أولاد".
اليوم تدير وفاء، باسم نقابة معًا، مشروعا لتشغيل النساء في منطقة المثلّث، وليس صدفة أنّ النساء يعتبرنها واحدة منهنّ. عندما يتحدّثن عن الصعوبات التي تصادفهنّ، فإنّها تدرك تمامًا ما يقلن. حدّثت وفاء النساء في المؤتمر عن لقاءات التعزيز التي تنظّمها النقابة وبيّنت أهمّيتها: "إننا نناقش مع النساء سبل إقناع افراد العائلة بتقاسم مهام البيت، إدارة الحوار داخل العائلة وفي مكان العمل. إننا نتعلم كيف ننظر الى انفسنا بشكل مختلف. فجأة وجدنا اننا بلا وعي كنا نقمع بناتنا ونكرس نفس اساليب القمع التي مورست ضدنا وعانينا منها. إشراك الأخريات بالتجارب الشخصية للعاملات يرافقه الضحك وأحيانا البكاء. على هذا النحو نخلق التضامن بيننا ونقوي انفسنا. في نفس دورات التمكين ندرك حقوقنا كعاملات، وكيفية مواجهة السياسة الاقتصادية الظالمة التي تمارسها الحكومة ضدنا وكذلك مواجهة لوبي المزارعين المعني بمواصلة استعباد العمال الأجانب وإبقائنا خارج العمل، وكيفية الوصول الى الرأي العام".
برز صوت آخر في المؤتمر، وكان ذلك صوت العاملة من نبال أمبيكا تشهتاري، معلّمة سابقة وتعمل اليوم في رعاية العجزة، وهي من المبادرين إلى تشكيل لجنة عمّال مساعدة العجزة التابعين لجمهور العمّال النباليين في إسرائيل.

"اسمي أمبيكا تشهتاري. عمري 37 سنة. جئت من نبال وأعمل على رعاية عجوز في ملجأ للعجزة في تل أبيب. قبل ثلاث سنوات تركت والدتي وولديَّ، اللذين لن أعرفهما بعد عودتي إلى البيت بسبب التغيير الكبير الذي يطرأ عليهما في هذه السن الصغيرة. "قبل بضعة أشهر، عُقد في تل أبيب مؤتمر شارك فيه الكثير من الوجهاء . تناول المؤتمر قضايا العمّال الأجانب. من بين الوجهاء الذين شاركوا في المؤتمر: ممثّلو الحكومة والتأمين الوطني وقضاة وأعضاء كنيست وبروفسورات وقادة الهستدروت، وقد نسوا دعوتنا، ممثّلي العمّال الأجانب الذي يتناول المؤتمر قضاياهم، لكنّنا في هذا المؤتمر نصحّح ذلك.
"في هذه الأيّام تصوّت الكنيست على تعديلات في القانون تسيء كثيرًا شروط عمل العمّال الأجانب المختصين برعاية العجزة. هذه التعديلات التي تتضمّن قيودًا تعسّفية على حرّية العمّال الأجانب تعبّر عن "العبودية الحديثة"- كانت هذه كلمات المحكمة العليا الإسرائيلية. ستؤدّي هذه القوانين إلى عدم تجرّؤ العامل على الاستقالة، حتّى وإن تعرّض للتنكيل. إنّنا لا نبالغ، فمثل هذه الأمور تحدث اليوم، والقوانين الجديدة ستربط العامل بأسياده بصورة نهائية."
إذا سألتم عاملاً أجنبيًا يعمل في رعاية العجزة وصل لتوّه إلى إسرائيل، كم دفع مقابل الحقّ في العمل، فإنّه سيقول بالتأكيد: "دفعت 3150 شيقلا للوسيط (شركة قوى بشرية تستورد العمال)". يقول هذا لأنّهم حذّروه في بلاده من كشف حقيقة المبلغ الذي دفعه. في الواقع يتراوح المبلغ بين 7000-10000 دولار مقابل الحصول على رخصة عمل لخمس سنوات، مع أنّه في الكثير من الأحيان، عند وفاة المشغّل العجوز، يفقد العامل التأشيرة ويُطرَد قبل انقضاء السنوات الخمس بكثير. يعتبر هذا المبلغ بالطبع مبلغًا خياليًا بالنسبة لنا. لكي نحصل على هذا المبلغ تتجنّد الأسرة بكاملها ونأخذ القروض ونرهن بيوتنا. عمليًا نحتاج لأجر سنة ونصف حتّى سنتين من العمل كي نتمكّن من إعادة المبلغ الذي دفعناه مقابل التأشيرة.
"أمام كلّ الصعوبات التي ذكرتها، لا نقف مكتوفي الأيدي في انتظار المساعدة، وإنّما نعمل بأنفسنا. أقمنا اتّحادًا للعاملات في مساعدة العجزة في إسرائيل، في إطار منظمة "قوّة للعمّال" وبمساعدة من "خط للعامل". نعمل لضمّ أكبر عدد ممكن لصفوفنا من بين ستّين ألف العاملين الشرعيين في رعاية العجزة في إسرائيل، معظمهم من النساء. وبعد سنة واحدة من النشاط نجحنا في تنظيم مئات العاملات.
"إنّها ليست مهمّة سهلة- الكثير من العاملات يتخوّفن من التنظّم لأنّهنّ يعتقدن أنّه عصيانًا أو مخالفًا للقانون- وبأنّ ذلك قد يؤدّي إلى طردهنّ. نحاول أن نشرح لهنّ بأنّه بهذه الطريقة فقط يمكننا المحافظة على حقوقنا وتحسين شروط العمل. رغم ما يبدو لهنّ، التنظّم قانوني ومنصوص عليه في القانون الإسرائيلي، حتّى وإن نسي الإسرائيليون ذلك. إذًا في المرّة القادمة التي تلتقون فيها بعاملة اجنبية تعمل لدى الوالدة أو الجدّ قولوا لها- إذا كانت لا تعلم- بأنّ لديها عنوانًا يمكن اللجوء إليه في كلّ مشكلة: "اتّحاد عاملات رعاية العجزة في إسرائيل".
لقية يرديني، من مركز أختي في كريات چات، تعمل في الفنّ مع مجموعة نساء من أثيوبيا، بمساعدة منظّمة "أختي". "علينا أن نعرف قدراتنا وخاصة الإبداعية والفنية منها، والنظر إلى أنفسنا كمتساويات، والتحدّث بصوت عالٍ وعلينا أن نحبّ لون بشرتنا. علينا دعم بعضنا البعض كما فعلنا في أثيوبيا. علينا الاندماج في أطر جديدة وتعلّم العبرية ليتسنّى لنا التواصل مع البيئة والتعلّم ممّن يمكنهم تعليمنا".
كما وتحدّثت في المؤتمر غدير هاني، مركّزة قسم التنمية الاقتصادية من معهد النقب، وروني بن كنعان من منظّمة صوت المرأة في القدس، وابتسام محاميد، مديرة مجموعة أنوار لدفع مكانة المرأة من قرية الفرديس.
في مرحلة المناقشات لاحظنا الرغبة في الكلام، عندما رفعت النساء الواحدة تلو الأخرى أيديهنّ. الكثير من النساء اللواتي يعملن في الزراعة عن طريق نقابة معًا تحدّثن عن خروجهنّ إلى العمل وعن ساعات السفر الطويلة إلى المزارع وعن الصعوبات التي تكمن في العمل المؤقّت، والشعور بأنك مجرد دولاب احتياطي يشغلونك وقت الحاجة ويرمون بك بعد انتهاء الموسم الزراعي، أو عندما يحصل على حصّته من العمّال التايلنديين. وقد تحدّثن أيضًا عن الصعوبات التي يعانين منها في البيت عندما لا يتلقّين دعمًا من بيئتهنّ القريبة.
إيناس زحالقة من كفر قرع روت لنا بأنّها درست موضوع التربية أربع سنوات في الأردن. وعندما لم تجد عملاً في مجالها، قرّرت الانضمام إلى مشروع معًا للعمل في الزراعة. وهنا واجهت معارضة من طرف زوجها، الذي لم يوافق على عملها في عمل غير مهني. في النهاية نجحت في إقناعه بقولها إنّها تعمل "لتساعده". وقد قالت إيناس بعد المؤتمر: "شكّل هذا المؤتمر بالنسبة لي قفزة نوعية من ناحية رؤيتي لنفسي ورؤية زميلاتي لأنفسهنّ. كان المؤتمر هامًّا لأنّه قام بعرض المشاكل التي تعاني منها العاملات العربيات واليهوديات والأثيوبيات والأجنبيات. اكتشفنا أنّ مشاكلنا متشابهة رغم الفوارق القومية والدينية. مؤتمرات من هذا النوع التي تعبّر عن مشاكلنا وتتيح لنا التعبير عن أنفسنا، وفوق كلّ شيء التي توفّر لنا الشعور بأنّ الآخرين يقدّروننا، هي أمور تقوّينا جدًّا."
انتهت هذه الأمسية المميّزة بثلاث رقصات جميلة لنتالي دڤير، التي عرضت رقصاتها في إطار مشاركة مسرح "عنبال"، من المركز العرقي المتعدّد الثقافات، في تنظيم الأمسية. وقد دعت نتالي في النهاية المشاركات إلى الانضمام إليها على المسرح.
ميخال شڤارتس، مركّزة منتدى النساء التابع لنقابة معًا قالت إنّ هذا المؤتمر هو تمهيد للمسيرة النسائية من أجل التشغيل العادل التي ستجري في 8 آذار 2011، والتي ستشمل منظّمات نسائية كثيرة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__388/العمل_الأسود
22.11.2017, 16:11