شؤون اسرائيلية

لا حدود للعنصرية

ميخال شفارتس

في حربها من أجل الحفاظ على الأغلبية اليهودية، تتخبّط إسرائيل ولا تدري ما تريد. ترغب في الانفصال عن الفلسطينيين لكن ليس عن الاحتلال؛ ترغب في تشغيل العمّال الأجانب لكن دون أن يمكثوا في البلاد ويطالبوا بالمواطنة؛ ترغب في أن تكون دولة ديمقراطية لكن تنتهك حقوق الأقلّية العربية.

في شهر أيّار 1992 قام شاب فلسطيني بطعن وقتل الشابّة هلينا راپ على شاطئ البحر في بات يام. عشرات الآلاف من سكّان بات يام أخلّوا بالنظام العامّ لمدّة 5 أيّام. قاموا بسلب الممتلكات والتخريب وهاجموا كلّ من بدا لهم عربيًّا. وقد شارك في هذه الاضطرابات باروخ مرزيل الذي حُكم عليه بالسجن 8 أشهر مع وقف التنفيذ بسبب مشاركته في هذه أعمال الشغب. تزامنت الاحداث مع الحملة الانتخابية، واستُغلّت الصور من المظاهرات في بات يام في الحملة الدعائية لحزب العمل، ووعد رابين في خطاباته "بإخراج غزّة من تل أبيب". بعد انتخابه رئيسًا للحكومة قام رابين سنة 1993 بإخراج رابين غزّة من تل أبيب باتفاق اوسلو، وفي مرحلة لاحقة أخرج أريئل شارون تل أبيب من غزّة، في الانفصال عام 2005.

لكنّ ذلك لم يحلّ أيّة مشكلة. بعد أقلّ من عشرين سنة، نشهد مرّة ثانية مظاهرات كراهية في بات يام وفي حي هتكڤا، ومرّة أخرى نرى باروخ مرزيل وشركاه في هذه المظاهرات، الذين لا يفوّتون أيّة فرصة للاصطياد في المياه العكرة وتوسيع نفوذهم. لكن هذه المرّة لم تكن المظاهرات ضدّ سكّان غزّة، بل كانت ضدّ اللاجئين من أفريقيا، الذين حلّوا مكان سكّان غزّة في حي هتكڤا. يدور الحديث حول 20 ألف فرد لا يشكّلون خطرًا أمنيًا، لكن حسب رأي المؤسّسة والشارع الإسرائيليين، يشكّلون مع ذلك تهديدًا ديمغرافيًا واجتماعيًا على دولة اليهود.

لذلك قرّرت الحكومة إقامة "معسكر اعتقال مفتوح" لهؤلاء اللاجئين ولأبنائهم؛ الذين حظوا بلقب "المتسلّلين"، اللقب الذي كان محفوظًا للفلسطينيين في سنوات الخمسين والستّين من القرن الماضي. وزير الأمن الداخلي أهرونوفيتش أطلق تصريحاته عن نسبة الجريمة العالية بينهم، ومسؤولون كبار في الجهاز الصحّي يتحدّثون عن نسبة عالية من الأمراض المعدية التي يعاني منها هؤلاء الأفريقيون. قبل 60 سنة رشّوا بمادة دي.دي.تي اليهود القادمين من البلاد العربية، والذين سكن قسم منهم حي هتكڤا. حينها اعتبر هؤلاء اليهود هم السكّان السود، لكنّ الجيل الجديد الذي يسكن اليوم في الحيّ لا يعلم ذلك أو أنّه ينكر هذا الماضي.

ما العلاقة بين إخراج غزّة من تل أبيب وبين دخول أفريقيا إليها؟ العلاقة مباشرة. كما نعلم، الأغلبية المطلقة من سكّان غزّة الذين مكثوا في إسرائيل زوّدوا المجتمع الإسرائيلي بالعمّال الرخيصين، الذين عادوا كلّ مساء أو كلّ أسبوع إلى غزّة، بدون طلبات خاصّة من دولة إسرائيل. عمل هؤلاء العمّال في كلّ تلك "الأعمال السوداء" التي لا يعمل بها الإسرائيليون الجدد؛ في المطاعم والزراعة والبناء. بهذه الطريقة كسبت إسرائيل سنة 1967 أراضي وأسواقًا جديدة وعمّالاً رخيصين أيضًا، وتحوّلت إلى دولة عظمى صغيرة. الثمن الباهظ الذي ينعكس في فقدان الشرعية والأغلبية اليهودية لم يكن آنذاك باديًا للعيان.

لكنّ هذا الوضع المثالي لم يستمرّ طويلا. عند نشوب الانتفاضة الأولى سنة 1988 تحوّل الفلسطينيون إلى مشكلة أمنية، والاقتصاد الإسرائيلي الذي أدمن على الأيدي العاملة الرخيصة وقف أمام معضلة. بما أنّه لا احتمال لليهود الإسرائيليين بالعودة للعمل في الأعمال الصعبة أو لا احتمال لانضمام اليهود المتدينين المتزمتين (الحرديم) لسوق العمل، صادقت وزيرة العمل آنذاك، أورا نمير، على استيراد العمّال الأجانب في شروط أُطلق عليها وبحقّ، العبودية الحديثة. بدأ الاستيراد التدريجي للعمال الاجانب في السنة التي تمّ فيها التوقيع على اتّفاقية أوسلو (1993)، ولكن في مرحلة لاحقة تسارعت وتيرة استيرادهم لتتحول الى فيضان عارم من العمّال الأجانب. العمّال الأجانب الجدد كانوا مريحين ورخيصين ومتوافرين 24 ساعة في اليوم، وليس لديهم مطالب سياسية وليسوا مسلمين. والأهمّ- تمّ تقييد مكوثهم في إسرائيل لخمس سنوات، يمكن خلالها استغلالهم ومن ثمّ الإلقاء بهم دون أيّ التزام تجاههم.

أدمن الإسرائيليون على ذلك وأرادوا المزيد. وفقًا للتقديرات غير الدقيقة، يمكث اليوم في إسرائيل 100 ألف عامل أجنبي شرعيون وَ 150 ألف "غير شرعيين"، بقوا في إسرائيل بعد انتهاء السنوات الخمس. تزوّجوا وأنجبوا أولادًا، العبرية هي لغة الأمّ لديهم، ووفقًا لكلّ معيار إنساني ومدني كان من المفترض أن يحظوا بالمواطنة الإسرائيلية الكاملة. هؤلاء العمّال الأجانب الذين بنوا بيتهم في إسرائيل، تعتقلهم الحكومة في الليالي وتطردهم إلى بلاد لم تعد بلادهم. عائلات تفكّكت بالقوّة وأولاد يعيشون في خوف دائم من القبض عليهم. الصور صعبة والارتباك أكبر.

لماذا ثار الغضب ضدّ اللاجئين الأفريقيين بالذات، وليس ضدّ التايلنديين والصينيين وغيرهم؟ أوّلاً لأنّ العمّال الأجانب الأوائل غائبين عن الأعين، فهم يسكنون عند مشغّليهم، في بيوتهم وفي الباحات الخلفية وفي الكراڤانات المتفكّكة. ثانيًا ربح المشغّلون وشركات القوى البشرية أموالاً طائلة على حسابهم. ثالثًا وفّر هؤلاء العمّال لإسرائيل مصروفات كبيرة كان عليها استثمارها في الآلات والدعم الاقتصادي لفرع الزراعة وفي إقامة بنية تحتية تمريضية لرعاية المسنّين.

هذا ليس وضع اللاجئين الجدد، الذين وصلوا إلى البلاد بدون قيود حكومية، ولم يدفعوا 10000$ لشركات القوى البشرية المقرّبة من بعض أعضاء الكنيست. هؤلاء العمّال سود ومعظمهم من المسلمين! وبالإضافة إلى ذلك يتمتّعون بحرّية التنقّل ويستأجرون الشقق (بأجرة عالية جدًّا) في الأحياء الفقيرة والمهملة في مدن إسرائيل. كلّ ذلك لم يمنع الفنادق والأشغال في جنوب البلاد من تشغيلهم في شروط استغلالية. إلاّ أنّ النموّ السريع في عددهم خرج عن السيطرة، وهناك الكثير من العنصريين أمثال مرزيل وميخائيل بن أري الذين على استعداد دائم لإشعال نار العنف والعنصرية. العالم يرى كلّ ذلك ونتنياهو لا يعرف ماذا يفعل ويطلب من مواطنيه ضبط النفس وإتاحة الفرصة له لتدبّر الأمور على طريقته.

أوروبا أيضًا تغصّ بالعمّال الأجانب، لكن من يبقى منهم ويتزوّج وينجب أبناءً يحقّ له طلب المواطنة. وفي بعض الدول يتمّ إدخال العمّال الأجانب بالتنسيق مع النقابات المهنية المحلّية، ويُحدَّد في المجالات التي تعاني فعلاً من النقص في الأيدي العاملة. العمّال الأجانب المنظّمون ليسوا مكبّلين ويحظون بشروط دفع وفقًا لقوانين العمل المعمول بها في هذه الدول. يشكّل العمّال الأجانب في أوروبا %2- %3 من مجمل الأيدي العاملة المحلّية، في حين أنّهم يشكّلون في إسرائيل %10، وتتعدّى نسبتهم في الزراعة وفي التمريض %50 من الأيدي العاملة.

رأس المال العالمي الذي يضطرّ الملايين إلى الهجرة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنيّة، لا يتلاءم مع معايير الحفاظ على أغلبية يهودية، يوجب انتهاج اقتصاد مغلق ومكتفٍ بذاته والزجّ بكلّ من هو ليس يهوديًا خلف الأسوار أو الأسلاك الشائكة. كما أنّ فكرة الدولة اليهودية منوطة بتقديم دعم اقتصادي للمجتمع اليهودي وتجنّب إحداث الفوارق بين أوساطها بخلاف تامّ لمنطق السوق الحرّة والواقع.

في حربها من أجل الحفاظ على الأغلبية اليهودية، تتخبّط إسرائيل ولا تدري ما تريد. ترغب في الانفصال عن الفلسطينيين لكن ليس عن الاحتلال؛ ترغب في تشغيل العمّال الأجانب لكن دون أن يمكثوا في البلاد ويطالبوا بالمواطنة؛ ترغب في أن تكون دولة ديمقراطية لكن تنتهك حقوق الأقلّية العربية. تعاني إسرائيل من تناقض داخلي دون وجود أيّ إستراتيجية لحلّ هذا التناقض باستثناء دفن رأسها في الرمل. نتيجة لذلك تفقد إسرائيل أيضًا وبالتدريج أغلبيتها اليهودية، وتندفع نحو مظاهر عنصرية ضدّ مجموعات آخذة في الازدياد، وتفقد تدريجيًا شرعيتها في العالم.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__385/لا_حدود_للعنصرية
18.10.2017, 15:10