تاريخ النشر ٠٨/١٢/٢٠١٠

شؤون اسرائيلية

حريق الكرمل

النيران تلتهم الخصخصة

اوري انزنبرج

لا شيء أكثر رمزية وسخرية من استئجار الطائرة الأمريكية الضخمة كجزء من الجهود التي بُذلت لإخماد الحريق الكبير في الكرمل. قصّة الحريق تسير جنبًا إلى جنب مع قصّة الطائرة. وما هي قصّة الطائرة؟ قصّة رئيس حكومة سمع تقوّلات، وأرسل مساعده ليبحث عن معلومات في چوچل، ويكتشف المساعد أنّ هناك شركة تجارية في مكان ما في أريزونا تؤجّر طائرة لإخماد الحرائق، ويسارع رئيس الحكومة إلى طلبها وكأنّه يطلب بيتسا رخيصة.

هذه هي القصّة بعينها، الخصخصة والرأسمالية هما السببان الأساسيان للإهمال السافر لخدمات الإطفائية (ولِمَ لا؟ فهي لا تدرّ أرباحًا، وإذا تواصل إهمالها بما فيه الكفاية ستسنح الفرصة لخصخصتها!)، لذا فإنّ ما حدث هو ليس سوى عدل خيالي، لأنّ الدولة اضطرّت في نهاية الأمر إلى الدفع لجهة تجارية لإنقاذ نفسها.

الادّعاء القائل بأنّ الدولة أهملت خدمات الإطفائية ينمّ عن سذاجة- فالدولة لم تهمل خدمات الإطفائية بل أهملت نفسها، أي مواطنيها. مؤيّدو الخصخصة فقط يتعاملون مع الدولة كجسم إوّزة قابلة للأكل، يطمعون في تناول أشهى أعضائه- "كبد الإوّز"، ولكنّ الواقع مغاير. وضع خدمات الإطفائية، كوضع جهاز الصحّة والتعليم وسائر الأجهزة، لا ينبع من عدم مسؤولية أبداها أحد الموظّفين أو حتّى من تقصير حكومي استمرّ لسنوات، وإنّما هو عَرَض لمرض عقلي أصاب جسم الدولة بأكمله. خدمات الإطفائية تكلّف أموالاً، إلاّ أنّ الأموال تُمنَح لأصحاب رؤوس الأموال ولجهات فئوية ابتزازية (وعلى رأسها المستوطنون). تحتاج خدمات الإطفائية التي تخدم رفاهية الجميع إلى سند سياسي، لكنّ النفوذ السياسي أيضًا انتقل إلى أصحاب رؤوس الأموال والجهات الفئوية الابتزازية.

وهكذا يخلق مؤيّدو الخصخصة (الذين يخصخصون رأس المال العامّ والديمقراطية نفسها أيضًا) واقعًا كلّه إخماد للحرائق. يظهر كلّ مرّة تقصير آخر، وفي كلّ مرّة يرشّون قليلاً من مياه البحر لتهدئته. تحمل الريح كلّ مرّة الجمرات المتوهّجة إلى زاوية أخرى في الغابة، وكلّ مرّة تواجه الحكومة النيران بواسطة لجان تحقيق بهلوانية. لا مجال للخطأ، فالنيران لن تخبو قبل أن تحرق كلّ الأشجار في الغابة، ستخبو فقط بعد أن تحرق كلّ مؤسّسة عامّة وكلّ جهة لا تخدمها ولا تدرّ عليها أرباحًا. طالما الريح قويّة ومعربدة وتنشر قومية وشرارًا بكلّ الاتّجاهات، لن ينفعنا جميل الشعوب التي أهملناها، وقوّة العاصفة الكبيرة ستنتصر وستبتلعنا جميعًا. ستتغلّب على النار فقط شركة تجارية من أريزونا تطلب 200 ألف دولار في اليوم، فهي ببساطة ستشتريها وتشترينا.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__384/النيران_تلتهم_الخصخصة
22.10.2017, 17:10