تاريخ النشر ٢٥/١١/٢٠١٠

شؤون نقابية

عوفر عيني يدخل السياسة على حساب العمّال

اساف اديب

رئيس الهستدروت، عوفر عيني، وقّع على اتّفاقية أجور لسنتين وألغى الإضراب الشامل، وبذلك قدّم دعمًا ملموسا لاستمرار ائتلاف نتنياهو- براك. في اليوم التالي خرج عيني بتصريح عدواني ضدّ زعيم حزبه، إيهود براك. ما هي غاية عيني؟

من الصعب تتبع خطوات عوفر عيني. يوم الثلاثاء في ساعات الصباح المبكّرة، وقّع على اتّفاقية أجور للقطاع العامّ وحظي بعناوين في وسائل الإعلام عندما منع الإضراب (انظروا مضمون الاتّفاقية وبنودها). رغم الليالي التي امضاها في المفاوضات، إلا أنه وجد الطاقات لتفجير قنبلة إضافية يوم الأربعاء، وذلك عندما وصف زعيم حزبه وحليفه حتّى الأمس، إيهود براك، بالأبله. قبل كل هذه التطورات، خرج عيني بلباقة من ورطة أخرى عندما اتُّهم بتضارب المصالح في المفاوضات حول مصير 1500 العمّال في شركة "مختشيم أچان" التي من المخطط ان تباع الى شركة صينية.

اتّفاقية الأجور في القطاع العامّ- تنازل عن جميع العمّال

صوّرت وسائل الاعلام اتّفاقية الأجور في القطاع العامّ بأنّها إنجاز هامّ حقّقه رئيس الهستدروت. ولكن التدقيق في تفاصيل الاتّفاقية يكشف صورة مغايرة. بعد عقد من الزمن لم تطالب فيه الهستدروت بعلاوات غلاء المعيشة تعوّض جميع أجراء القطاع العام والخاص، توصّلت هذا الأسبوع إلى اتّفاقية لا تعوّض حتّى عاملي القطاع الحكومي عن التراجع المستمر في قيمة أجورهم الناجم عن عدم ربطه بغلاء المعيشة. الاتّفاقية، على حدّ تحليل المحامية ليندا عفروني (هآرتس، 3/11) هي اتّفاقية سيّئة للعمّال، لأنّها تتنازل حتّى عن علاوات الأجر مقابل الأقدمية في العمل والتقدّم المهني التي كانت متّبعة في الماضي.
أضف إلى ذلك أن عدم سعي الهستدروت للحصول على علاوة غلاء المعيشة لجميع العمّال في الحقل الاقتصادي وليس في القطاع العام فقط، يعني إهمال الأغلبية المطلقة للعمّال- وخاصّةً الفقراء والمستغلّين منهم، علما ان القطاع الخاص يعادل ثلاثة اضعاف عمال القطاع العام. (القطاع العام يشغل 750 الف عامل مقابل اكثر من مليونين في القطاع الخاص)
وفقًا للحساب الذي أجرته المحامية عفروني، العلاوات التي حقّقتها الهستدروت لعمّال القطاع العامّ خلال العقد الأخير هي %12 (هذا يشمل اتّفاقيتين للأجور)، أي اقل من الارتفاع في جدول غلاء المعيشة منذ اتفاق تعويض على غلاء المعيشة الاخير في عام 2004 والذي يعادل 17,65%، حسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية. هذا يعني أنّ جميع العمّال في الحقل الاقتصادي خسروا أكثر من سدس أجرهم في هذه الفترة بسبب قلّة حيلة الهستدروت. وفقًا لأقوال المحامية عفروني، الاتّفاقية الحالية أيضًا، تخلو من الآليات التي يمكنها منع التراجع المستمر في الأجور، وذلك لأن الاتفاق الجديد لا يضمن ربط الأجور تلقائيا بجدول غلاء المعيشة.

الهستدروت تعزّز الائتلاف الحكومي

يجب إدراك انتقاد عيني لبراك أيضًا على خلفية تصرّفه في المفاوضات حول اتّفاقية الأجور، خاصّةً على خلفية إلغائه الإضراب. التوقيع على اتّفاقية أجور للسنتين القريبتين مرتبط ارتباطا وثيقا بالمداولات التي تجري اليوم عشيّة المصادقة على ميزانية الدولة للسنتين 2011-2012. الميزانية التي قُدّمت للكنيست قبل أسبوع فقط من هذا التوقيع، وقانون التسويات الملحق بها، يتضمّنان كمًّا كبيرًا من التغييرات البنيوية وخصخصة شركات حكومية، وموجّهة مباشرةً لتقويض ما تبقى من القوة العاملة المنظّمة. مثال ذلك تجديد سن قانون بإعادة تفعيل مشروع ويسكونسين ضدّ العاطلين عن العمل، وتعميمه قطريا.
لم تضع الهستدروت الخطّة الحكومية الواسعة في لبّ الأسباب التي تدعو إلى الإضراب، بل ركّزت فقط على نسبة العلاوة على أجور العاملين في مكاتب الحكومة. إلاّ أنّ عيني غير معني بتاتًا بمواجهة نتنياهو في المسائل المتعلّقة بسياسات الحكومة. رئيس الهستدروت الذي كان له دور حاسم في إقامة الحكومة وتمهيد الطريق لانضمام حزب العمل إلى الائتلاف الحكومي في مطلع سنة 2009، يُثبت مرّة ثانية مكانته المركزية في الحياة السياسية في إسرائيل بوصفه الرجل القوي الذي يقرّر تركيبة الحكومة. وهناك من يدّعي أنّه يشقّ طريقه إلى الحكومة، ولكن المؤكد ان عيني، بتوقيعه على الاتّفاقية، أتاح الهدوء لنتنياهو ومكّنه من تثبيت الائتلاف الحكومي ومن المصادقة على الميزانية المجحفة بحق العمال للسنتين القادمتين.

حتّى وإن فحصنا الاتّفاقية من الناحية الاقتصادية البحتة، يتّضح أنّ وزارة المالية لم تعطِ أكثر ممّا أرادت وخطّطت إعطاءه أصلا، بل ربما ستعطي أقل. حسب قراءة الاتّفاقية التي قام بها صحفيا هآرتس موطي باسوك وحاييم بيئور (3.11)، العلاوة التي اتُّفق عليها لسنة 2011 تكلّف الحكومة مليارَي شيقل، في حين أنّ المبلغ الذي خُصِّص لعلاوات الأجور في مشروع الميزانية لهذه السنة كان أكثر من ذلك. كذلك التعويض الذي يبلغ 2000 شيقل الذي سيُدفع مرّة واحدة للسنتين 2009 وَ 2010 هو عمليًا تعويض قليل يبلغ 85 شيقلا في الشهر- مبلغ أقلّ من نسبة %2، العلاوة السنوية التي أُقرّت في الاتّفاقية.

بيع شركة مختشيم أچان للصين - القضاء على أماكن عمل مستقبلية

هناك جبهة أخرى عمل فيها رئيس الهستدروت فقط قبل أسبوع من توقيع الاتّفاقية، وهي موضوع بيع شركة مختشيم أچان لشركة "كمتشاينا" الصينية. هذه القضية كشفت العلاقات الوثيقة بين قيادة الهستدروت الحالية وأصحاب رؤوس الأموال، وأثبتت ضيق أفق سياسة الهستدروت في كلّ ما يتعلّق بالحفاظ على مصالح العمال على المدى البعيد والحيلولة دون القضاء على أماكن العمل.

رغم ان مصنعي الشركة في رمات حوڤاڤ وأشدود أثبتا نجاحا وحققا أرباحا، إلا ان الادارة اعتزمت بيعهما للشركة الصينية. أجرى عوفر عيني مفاوضات باسم العمّال مع أصحاب الشركة، وعلى رأسهم رجل الأعمال الأوّل في إسرائيل، نوحي دنكنر، رئيس مجلس إدارة آي دي بي، وصاحب شركة مختشيم أچان. إلاّ أنّه اتّضح أنّ بين عيني ودنكنر علاقات شخصية وثيقة وأنّ نجل عيني وشقيقه يعملان في وظائف مرموقة في المجموعة الضخمة التي يديرها دنكنر. كما كشفت عدّة تحقيقات صحفية أنّ أصحاب وظائف مرموقة آخرين في الهستدروت يشغلون في نفس الوقت وظائف في مجالس إدارة شركات اقتصادية ويحظون بمقابل مالي كبير. تضارب مصالح خطير بلا شك.

أسفرت المفاوضات عن إذعان مطلق لإملاءات رأس المال الخاصّ. فقد التزم عيني بالاتفاق مع ادارة مختشيم اغان بوقف الاجراءات النضالية ضد بيع الشركة للشركة الصينية، مقابل وعد بعدم فصل العمال حتى عام 2017. عمليا، أفسحت الهستدروت المجال للشركة بنقل خطوط إنتاجها إلى الصين، بسبب رخص الأجور هناك، الأمر الذي يعني أنه خلال أقل من سبع سنوات سيتم فصل 1500 عامل في إٍسرائيل. إغراء العمال بالبند في الاتّفاقية الذي يقضي بتأسيس صندوق بمبلغ 36 مليون شيقل يُستغلّ لرفاهية العمّال، ما هو إلا طُعم يأتي لتمرير الصفقة على حساب مستقبل العمال.

عيني ليس على طريق بيرتس

في عام 2005 نجح رئيس الهستدروت السابق، عمير بيرتس، في مفاجأة الجميع والفوز في الانتخابات التمهيدية برئاسة حزب العمل. أثار فوزه آمالاً في اليسار الإسرائيلي، إلاّ أنّ الأمل بأن يضع بيرتس الأجندة الاجتماعية في رأس سلم الأولويات كما وعد، خاب بسرعة. فقد سارع بيرتس للانضمام لحكومة "كديما" بزعامة أولمرت حينها كوزير للدفاع، وانتهى به الأمر بفشل ذريع في حرب لبنان العدوانية. بعد أقلّ من سنتين في منصبه وبعد أن واصلت الحكومة التي كان عضوًا فيها السياسة النيوليبرالية، اضطرّ بيرتس إلى إخلاء مكانه لبراك.

أما عيني فيبدو ان تعلم العبر من سابقه. بدلاً من الضجّة والإضرابات التي ميّزت بيرتس كرئيس للهستدروت، يفضّل عيني الحفاظ على العلاقات الطيّبة مع أصحاب رؤوس الأموال. عندما يعمل على خدمتهم ويمنع دفع علاوة غلاء المعيشة لأجراء القطاع العام، وعندما ينجح في يتعاون في بيع شركة ناجحة ومربحة مثل مختشيم أچان، يُثبت دون أدنى شكّ مؤهّلاته كقائد جماهيري لبق ينجح في تسويق بضاعته. تمسّك عيني بحكومة نتنياهو يشير للجميع أنّه لا يتحفّظ كثيرًا عن السياسة التي ينتهجها رئيس الحكومة اليميني المتشدد، وأنّ كلّ ما يريده هو رفع شأنه في الائتلاف الحكومي القائم.

المنظومة القوية التي بناها عيني في رئاسة الهستدروت ينقصها الاتّجاه والمصلحة- هل كلّ هذا يخدم العمّال أم المشغّلين؟ سيقول عيني بالتأكيد إنّه لا تناقض بين الأمرين، وأنّ قدرته تكمن في إيجاد القاسم المشترك. عمليًا، وكما رأينا، يخدم عيني معسكر أصحاب رؤوس الأموال الكبار، الذين ينجحون كلّ مرّة في تحديد الأجندة التي يقبلها رئيس الهستدروت كحقيقة حتمية.

خلاصة القول إنّ في الاختيار بين دعم العمّال وبين دعم حكومة نتنياهو وسياستها، لا يقوم عيني بدوره، بل يحرص على منصبه ومستقبله السياسي. اتّفاقية الأجور الأخيرة تبيّن مرّة أخرى بأنّه يواصل الحرص على استقرار الحكومة والائتلاف الحكومي بين الليكود وحزب العمل، حتّى لو كان ذلك على حساب مصالح العمّال.

تفاصيل اتّفاقية الأجور في القطاع العامّ

اتّفاقية الأجور في القطاع العامّ التي تمّ توقيعها في ساعات الصباح المبكّرة من يوم الثلاثاء 2/11 من قبل رئيس الهستدروت، عوفر عيني، ووزير المالية، يوڤال شتاينتس، منعت في اللحظة الأخيرة الإضراب الشامل الذي أعلنته الهستدروت في القطاع العام. تحدّد اتّفاقية الأجور للسنوات 2009-2012 نسب العلاوات والمكافآت التي سيحصل عليها العمّال في سلك الحكومة. بالمقابل، وقعّت الهستدروت على الامتناع عن الإضراب لمدة سنتين.

تتضمّن الاتّفاقية عدّة بنود، أهمّها علاوة نسبتها %6.25 لجميع العمّال. تُدفَع هذه العلاوات ابتداءً من كانون الثاني 2011 كلّ سنة. بالنسبة للسنتين 2009-2010 تدفع وزارة المالية مبلغ 2000 شيقل لمرّة واحدة لكلّ عامل. كما تمنح الاتفاقية عاملات القطاع الحكومي اللواتي لهنّ أولاد دون سنّ الخامسة، علاوة بقيمة 300 شيقل في الشهر للولد الأوّل وَ 200 شيقل في الشهر للولد الثاني. يحدّد بند آخر في الاتّفاقية زيادة تدريجية في المبالغ المستقطعة للتقاعد لعمال القطاع الحكومي بحيث تصل النسبة ابتداءً من سنة 2013 إلى %19.5 (تكون النسبة المستقطعة إضافة %1 على حساب المشغّل وإضافة %1 على حساب العامل).

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__382/عوفر_عيني_يدخل_السياسة_على_حساب_العمّال
18.10.2017, 11:10