العدد ٢١٣, كانون اول ٢٠٠٧

فكر ورأي

هدنة مع حماس سلام مع ابي مازن

التقى رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (ابو مازن)، برئيس الحكومة الاسرائيلي، ايهود اولمرت، بعد شهر من قمة انابوليس، في محاولة لاخراج المفاوضات من الجمود الذي دخلته عقب اللقاء الفاشل بين رئيسة الطاقم الاسرائيلي ووزيرة الخارجية، تسيبي لفني، ورئيس الطاقم الفلسطيني، احمد قريع (ابو علاء). وفي تحرك متزامن زار وزير الامن، ايهود براك، القاهرة حيث التقى بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، للبحث في صفقة التبادل مع حماس وفحص امكانية التوصل لهدنة. ويؤكد هذا ان السلطة الفلسطينية باتت منقسمة اقليميا وسياسيا، ففي حين يتحدثون مع ابو مازن عن الحل النهائي، يتحدثون مع حماس عن امكانيات لتهدئة الحرب معها.
الوضع المعقد يجعل كافة الاطراف تتحاور وفي نفس الوقت تتراشق الاتهامات. من ذلك الحملة الاعلامية ضد مصر وتصريح ليفني بان الاداء المصري بالنسبة لمنع تهريب الاسلحة للقطاع سيئ. جاء هذا النقد اللاذع في وقت قام به براك بزيارته للقاهرة. من جانبها وجهت السلطة الفلسطينية الاتهامات لاسرائيل بعد اعلان الاخيرة عن بناء المزيد من الوحدات السكنية في مستوطنة "هار حوما" الواقعة على اراضي بيت لحم وبيت ساحور. يتبين اذن، بعد شهر واحد على قمة انابوليس، ان المشاركين عادوا الى الشرق الاوسط ليجدوه على ما كان عليه قبل احتفالهم السلامي.
اولمرت يعود ويكرر على كل منبر بأنه سيبذل كل جهده للوصول الى دولة فلسطينية، ولكنه رغم ذلك يوجّه جل جهوده للحفاظ على سلامة ائتلافه مع شركائه اليمينيين الذين يرفضون اي حل وسط مع الفلسطينيين في المواضيع الثلاثة الاساسية القدس، الاستيطان واللاجئين. من ناحيته، يكرر صائب عريقات نفسه في كل منبر، بانه لا حاجة لاضاعة المزيد من الوقت في مفاوضات طويلة تم البت فيها في السابق، وان كل المطلوب هو نية حقيقية لدى اسرائيل للتنفيذ. ولكن طالما ان ابو مازن يسيطر على نصف الشعب ونصف الارض ولا يتمتع بدعم شعبي، تتجنب إسرائيل المخاطرة وتوقيع اتفاقات تاريخية، علما انها غير مقتنعة بقدرة ابي مازن على السيطرة والقضاء على المقاومة.
من الجانب الآخر هناك مشكلة حماس، وهذه تثبت حضورها من خلال القصف المستمر على النقب من جهة، والمظاهرات الجماهيرية تحت شعار "لا نعترف باسرائيل" من جهة اخرى. حماس تبحث هي ايضا عن مكانها في المنطقة، وهي تريد الهدنة التي تضمن لها فك الحصار الاقتصادي والاعتراف بها كسلطة شرعية في قطاع غزة الى حين تعود العلاقات مع فتح الى مجراها الطبيعي. اسرائيل من جانبها لا تعرف كيفية التصرف ازاء اقتراح حماس للهدنة، والآراء في ذلك منقسمة بين القبول بالهدنة مع حماس وبالتالي ضرب مكانة ابو مازن؛ او المضي في حرب الاستنزاف معها دون نهاية؟
الانقسام الاسرائيلي نابع من الاعتقاد بانه لا حل عسكري للمشكلة. فاسرائيل لا تريد اعادة احتلال غزة، لأنها لا تملك مخططا واضحا للخروج منها، وهي تفضل سلطة حماس في غزة على سلطتها هي هناك. الاستراتيجية الاسرائيلية منذ اتفاق اوسلو تعتمد على الانفصال عن غزة حتى لو كان ذلك من جانب واحد. فالجمهور الاسرائيلي والمؤسسة الاقتصادية لا يريدان اعادة الاحتلال وتحمل العبء العسكري والاقتصادي.
ولكن الدولة الفلسطينية التي التزم اولمرت بها، تكلف ثمنا باهظا (القدس، اللاجئين والمستوطنات)، اسرائيل غير مستعدة لدفعه. اما غزة فستبقى شوكة في حلق اسرائيل دون حل، فلا هي تؤمن بقدرة فتح على استبدال حماس في غزة، ولا هي مستعدة لاسقاط حماس بالقوة كيلا تتورط في اعادة الاحتلال المباشر.
من هنا ينبع القلق الاسرائيلي الصريح من نهاية مشروع الدولة الفلسطينية، ومن تقدم اسرائيل بخطوات سريعة نحو التحول لدولة ثنائية القومية تشبه نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا. المحرر الاقتصادي في "يديعوت احرونوت" (26/12) سيفر بلوتسكر علّق على هذا الوضع في مقال بعنوان "حاجة وجودية لإسرائيل" اشار فيه ان الفلسطينيين الذي عارضوا اتفاقيات باريس لانها منحت اسرائيل السيطرة الاقتصادية الكاملة على الاقتصاد الفلسطيني، غيّروا رأيهم، وراحوا يطالبون بتنفيذ كونه ينص على "التنقل الحر للبضائع، للخدمات، للناس والمال بين المناطق الفلسطينية واسرائيل". ويحذر المعلق من حقيقة ان العالم العربي استبدل مصطلح "الاحتلال" بمصطلح "ابارتهايد"، مما يشير الى انهم تنازلوا عن مطلبهم تقسيم فلسطين بين الشعبين.
هذا الكابوس يقض مضاجع الكثير من الاسرائيليين، ويكشف فشل الانفصال عن الفلسطينيين، يكتب بلوتسكر: "تبلور هنا واقع جديد وخطير، يقوم على التعايش بين سلطتين في دولة واحدة، ومن هنا تصبح الطريق الى دولة ثنائية القومية قصيرة جدا".
الانقسام بين فتح وحماس قضى على حلم الدولة الفلسطينية بسبب الضعف الفلسطيني الداخلي، ولكن من يتحمل المسؤولية العليا هي دولة اسرائيل والحركة الصهيونية التي رفضت الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وعندما اعترفت عملت ولا تزال تعمل كل ما بوسعها لمنع اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__38/هدنة_مع_حماس_سلام_مع_ابي_مازن
22.10.2017, 17:10