شؤون دولية

ظهور تيّار حفلة الشاي هو أرض خصبة تنبت عليها الفاشيّة

يعقوب بن افرات

صحيح أنّ هزيمة أوباما في الانتخابات للكونغرس كانت متوقّعة، لكنّها مع ذلك كانت مؤلمة للغاية.

بعد مرور سنتين على عهد أوباما، ما زالت أمريكا تعاني من البطالة التي تعدّت 15 مليون مواطن. كانت التوقّعات من أوباما عالية جدًّا، والدعم الذي حاز عليه كان منقطع النظير، لذلك أيضا كانت خيبة الأمل منه كبيرة للغاية. خلال سنتين أهدر أوباما رصيده السياسي بعد أن فشل في تحقيق التغيير الذي وعد به.

لم يقدّم أوباما شيئًا جديدًا للأمريكيين، بل يناور كسابقيه ضمن اللعبة السياسية المعقدة المتّبعة في واشنطن. بدلاً من تلبية احتياجات الناخب الأمريكي، الذي مرّت عليه ثماني سنوات رديئة في عهد الرئيس بوش والتجرؤ على إحداث التغيير، سارع أوباما للبحث عن موافقة الحزب الجمهوري. غير أن هذا الأخير استغلّ للنهاية رغبة الرئيس في الوصول إلى إجماع، لإحباط برامجه وانتهى الأمر بسيطرة الجمهوريين في نهاية الأمر على الأغلبية الساحقة في الكونغرس.

قبل سنتين حسمت أمريكا موقفها ضد استمرار الحرب في العراق وأفغانستان، وأرادت الحدّ من نفوذ رؤساء البنوك في وول ستريت، إلاّ أنّ أوباما لم يقدم لها ما أرادته. تورّطت أمريكا أكثر فأكثر في أفغانستان أما في العراق فلا يبدو في الأفق أي حلّ. وول ستريت انتعشت منذ زمن بعد أن حوّل أوباما تريليون دولار للبنوك، وعاد مديروها إلى توزيع الأرباح بينهم بمبالغ تعادل مليارات الدولارات.

عِبَر من التاريخ

تعلّمنا عِبر التاريخ أنّ نسبة البطالة العالية تؤدّي إلى ظهور الفاشية، وهذا ما حدث في أمريكا أيضا. التيّار اليميني "حفلة الشاي" هو التعبير للفاشية في امريكا اليوم، وهي حركة شعبية غير واضحة المعالم وعبثية، بنت نفسها على مخاوف الجماهير الغفيرة من المستقبل، وأوجدت أعداءً من الداخل ومن الخارج لتوجيه الغضب ضدّهم والتكتّل حول القيم القديمة والمتطرفة لأمريكا "الحقيقية" والبيضاء والمسيحية، التي ضلّت طريقها بسبب انحرافها عن طريق الله وكفرها بالقيم الأساسية التي انعكست في الدستور وفي نهج الآباء القدامى، في منظور الحركة.

وقد برز هذا التيار الفاشي بالضبط في الوقت الذي أغدق فيه أوباما، بتشجيع من الحزب الجمهوري، تريليون دولار على وول ستريت، بدل إنقاذ ملايين المواطنين الذين فقدوا بيوتهم وأماكن عملهم. نجح أفراد "حفلة الشاي" في تصوير البنوك بمثابة عدوّ للشعب العاطل عن العمل، وساسة واشنطن بمثابة فاسدين، والدولة كمؤسسة توتاليتارية تسلب الخبز من فم العمال لتقدّم الدعم للسود واللاتينيين الكسالى. كراهية الغرباء الذين يفسدون في رأيهم قيم أمريكا المسيحية وُجّهت تلقائيًا وبشكل مباشر ضد الرئيس الأسود، الذي يحبّ السود ويخدم أسياده رؤساء البنوك.

إزاء الهزيمة النكراء، يتساءل المرء أين اختفت الجماهير الغفيرة التي تجنّدت قبل سنتين لصالح أوباما وجرّت أمريكا وراءها؟ كيف تلاشت في غضون أقلّ من سنتين، وحلّ مكانها بسهولة اليمين المتطرّف المصاب بالهوس؟ أين النقابات العمالية التي طرقت كلّ الأبواب لإقناع الناس بدعم أوباما؟ ما الذي حدث لمنظّمات السود؟ أين اختفى كلّ الذين تظاهروا ضدّ الحرب على العراق وأسقطوا بوش؟ إنّهم يشعرون بأن زعيمهم غدرهم حتى فقدوا إيمانهم بالقدرة على التغيير. فعلوا المستحيل ونصّبوا أوّل رئيس أسود في البيت الأبيض، لكنّه تصرّف كسائر الرؤساء وليس كرجل الاصلاح الذي جاء لتغيير وجه أمريكا. أمريكا تراجعت إلى الوراء، والأجواء العكرة تفوح في شوارعها.

مرض مزمن

فشل أوباما، لكنّه لم يستخلص العبر من فشله. اعتقد أنّ إنقاذ البنوك سينقذ الاقتصاد، لكن ثبت العكس. الأموال التي أغدقها على المؤسّسات المالية ضاعت هباءً في بورصات العالم التي تواصل جني الأرباح، في حين لا تستثمر الشركات الإنتاجية في التطوير، والبطالة لا تتقلّص. أوباما هو صديق وول ستريت وهو يمضي في طريق كلينتون، الذي رأى هو أيضًا في اقتصاد السوق دواءً لكلّ أمراض أمريكا. إلا أنّ اقتصاد السوق لا يعمل لرفاهية المجتمع وإنمّا لمضاعفة أرباح أصحاب رؤوس الأموال لأقصى حدّ ممكن. أمريكا تصدّر أماكن العمل إلى الصين وتستورد من هناك منتجات رخيصة؛ الشركات الأمريكية التي تعمل خارجها تجني أرباحًا طائلة ولا تدفع الضرائب، هذا في حين يعاني القطاع الإنتاجي داخل الولايات المتّحدة صعوبة في زيادة الإنتاج وتوفير أماكن العمل للمواطنين. إنّها دائرة مغلقة، تحوّلت أمريكا من خلالها إلى الضحية الأولى للعولمة التي تربعت على عرشها بلا هوادة خلال ثلاثة عقود.

بدلاً من أن يشكّل بديلاً واضحًا للجمهوريين، ويستغلّ تراجعهم الحاد أثر فشل بوش الذريع، قام أوباما بإحيائهم وفقد تأييد الشعب الذي اعتمد عليه. بدلاً من تشريع القانون الذي يشجّع التنظيم النقابي من خلال الاتّحادات النقابية، كرّس الوضع القائم الذي يضعف النقابات. بدلاً من تشريع قانون الصحّة الحكومي، واستغلال الأغلبية التي تمتع بها حزبه، دخل في مفاوضات استنزافية مع الجمهوريين، ورغم كلّ التنازلات التي قدّمها لهم صوّتوا ضدّه.

بدلاً من معاقبة البنوك واستغلال الأموال لتشجيع العمل ومساعدة الحكم المحلّي، أوجد عجزًا هائلاً في الميزانية أهدره على إنقاذ البنوك. بدلاً من الخروج من أفغانستان والعراق، أرسل المزيد من القوّات العسكرية التي لم تحقّق أيّ حلّ.

تخوّف أوباما من مواجهة اليمين وخلق استقطاب داخليّ، وكانت النتيجة أنّ اليمين المتطرّف رفع رأسه وانجرفت أمريكا وراءه. هذا أيضًا ليس أمرًا جديدًا، فالتاريخ مليء بمثل هذه السيناريوهات المظلمة.

أوباما هو مثال لفرصة ضائعة، وأمريكا تواصل التخبط في طريقها، ولا تجد دواءً لمرضها. ظهور تيّار "حفلة الشاي" هو برهان قاطع على أنّ أمريكا تعاني من مرض مزمن. إدارة بوش المحافظة قدّمت حلا متطرّفًا لعلاج المرض، فقد آمنت بأنّ القوّة العسكرية ستعيد لأمريكا مكانتها الدولية وقيادتها الاقتصادية. قام بوش بتقليص الضرائب المفروضة على الأغنياء، وأمل أن يؤدّيَ ثراؤهم إلى اغتناء الشعب. شجّع الاستهلاك بالقروض بدون حدود وأزال الرقابة عن المؤسّسات المالية وحقّق حلم اليمين الأمريكي، والنتيجة واضحة وبيّنة.

كانت لأوباما فرصة لتنفيذ السياسة العكسية، لكنّه تخوّف من ذلك. هكذا أصبح الكونغرس الأمريكي، بحزبيه، مسؤولاً رئيسيًا عن الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، ولا أقل منها أزمة القيم، التي تعاني منها أمريكا. فقد الشعب الأمريكي إيمانه بالساسة، والطريق من هناك إلى فقدان الثقة بالنظام الديمقراطي نفسه قصيرة جدًّا. كلّما زادت صعوبات الدولة في حلّ مشكلة البطالة وكلّما تفاقم الخوف من المستقبل، كلما ارتفع شأن تيّار "حفلة الشاي" وعلا صوت الفاشية.

الرأسمالية في طريق مسدود

تضع نتائج الانتخابات الأخير أمريكا أمام مرآة تكشف وجهها الحقيقيّ. صحيح أنّ أوباما هو المسؤول الأوّل عن الهزيمة، إلاّ أنّ المنظّمات التي ساندته لا يمكنها التملص من المسؤولية. تعاني أمريكا منذ زمن بعيد من نظام حكم مختلّ يشلّ الحكم ويمنع كلّ تغيير حقيقيّ، ويتمثل نظام الحزبين. هذا النظام وصل إلى نهايته بعد أن اتّضح أنّ الحزب الديمقراطي لا يشكّل إطارًا يتيح التغيير، فهو مكبّل وخاضع لمصالح وول ستريت وينفّذ إملاءاتها بمدى لا يقلّ عن الحزب الجمهوري.

يشير ظهور تيّار حفلة الشاي إلى حاجة عاجلة لإقامة حركة سياسية بديلة، تضع نصب أعينها تعزيز الديمقراطية وطرح برنامج اجتماعي اقتصادي بديل يضع مصلحة العمّال فوق مصلحة البنوك و"وول ستريت".

النهج الرأسمالي يحتضر، وكلّ محاولات إحيائه لم تفشل فحسب، وإنّما أدّت إلى تفاقم الأزمة. محاولة حكومة المحافظين في بريطانيا معالجة الأزمة عن طريق تقليص الميزانية تهدّد بزيادة البطالة وتجميد الاقتصاد، في حين أنّ محاولة زيادة العجز في امريكة لم تؤدِّ إلى نتيجة حقيقية. دخلت الرأسمالية في طريق مسدود، وكما يحدث دائمًا في مثل هذه الحالات، تصبح التربة خصبة لنمو الفاشية. لقد حذّرنا من ذلك في الماضي، وآن الأوان للنهوض وإدراك الواقع على حقيقته. الأسطورة التي تقول إنّ الرأسمالية دائمًا تعالج نفسها، عارية عن الصحّة، وفي المرّة الأخيرة التي وصلت فيها إلى حافّة الهاوية، كلّف هذا "العلاج" البشرية خمسين مليون ضحية ودمار أوروبا واليابان. تيّار حفلة الشاي هو ضوء أحمر، وإذا استخففنا به، كما فعل الليبيراليون والديمقراطيون في المرّة السابقة، فإنّه سيؤدّي إلى كارثة للبشرية جمعاء.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__379
20.11.2017, 17:11