شؤون اسرائيلية

النقابات الاوروبية تشير الى الطريق لتفكيك اليمين الجديد

اساف اديب

هناك فصل في إسرائيل بين قضية الاحتلال وبين الواقع الاجتماعي الطبقي. الاحتجاج ضدّ اليمين المتطرّف هو عادةً ما يكون من الطبقة الوسطى المثقّفة من جهة أو من المواطنين العرب من جهة أخرى. الأحزاب العربية، بما فيها الجبهة الديمقراطية، سقطت في الفخّ الذي نصبه لها ليبرمان ونتنياهو اللذان يرضيا بترك "شمال تل أبيب والقرى العربية" لليسار، وضمّ ما سوى ذلك إليهما.

قرار الحكومة الاسرائيلية يوم الأحد (10/10)، الذي يقضي بتعديل قانون المواطنة من خلال إضافة إعلان الولاء للدولة، كان دون أدنى شكّ انتصارًا لوزير الخارجية ليبرمان وللخطّ القومي المنغلق الذي يعتبر ليبرمان من روّاده. الشكوك التي اعترت الدعم الذي ينبغي أن تمنحه الحكومة لوزير خارجيتها، في أعقاب خطابه الاستفزازي في هيئة الأمم المتّحدة، تبددت بعد تصويت معظم وزراء الحكومة، وعلى رأسهم نتنياهو، لصالح التغيير الشعبوي في قانون المواطنة.

ليبرمان ونتنياهو ليسا الوحيدين. لا نتحدّث هنا عن قضية إسرائيلية محلّية، وإنّما عن توجّه دولي آخذ بالنمو. الزيارة التي قمتُ بها في مطلع تشرين اول إلى الدول الإسكندناڤية الثلاث- فنلندا والنرويج والدنمارك- تكشف أنّه في الشمال الأوروبي الهادئ والحضاري، تهبّ رياح هدّامة من العنصرية وكراهية الغرباء. يعبّر زعماء الاتّحادات المهنية ونشيطون مركزيون في الأحزاب اليسارية عن تخوّفهم الشديد من الارتفاع الحادّ في تأثير الدوائر اليمينية المتطرّفة التي لم يكن لها أيّ تأثير قبل عقد من الزمن في هذه الدول.

القلق الذي يعتري اليسار الأوروبي لا ينبع فقط من حقيقة أنّ اليمين الجديد يسيطر اليوم على الدول التي كانت في الماضي تحت هيمنة الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية كالسويد والدنمارك وفنلندا وهولندا- وإنّما من كونه يحطّ من قاعدة الدعم التقليدية لليسار- طبقة العمّال المنظّمة. في الوقت الذي يعاني فيه اليسار، الذي كان في الماضي مصدر إلهام للحركات الثورية، من الإعياء والانهزامية، ينجح اليمين في تجنيد العمّال ويظهر كقوّة فعّالة تثير الجماهير وتحرّضهم على الخروج من بيوتهم والتظاهر.

الدول الإسكندناڤية الغنية تستقبل في السنوات الأخيرة مئات آلاف العمّال "الجوعى" من دول أوروبا الشرقية، التي انضمّت إلى الاتّحاد الأوروبي- بولندا ولتوانيا ولتڤيا وبلغاريا. يعمل هؤلاء العمّال في فروع إستراتيجية كالبناء والنقل، ويرضون بالعمل بنصف أجر العمّال المحلّيين. هذا التشغيل المجحف، مع شديد الأسف، يلقى تأييدًا من المحكمة الدستورية الأوروبية، التي سمحت من خلال عدّة أحكام مفزعة، بتشغيل العمّال خارج إطار الاتّفاقيات الجماعية وبخلاف القوانين المحلّية، بذريعة حرّية مزاولة العمل. العمّال النرويجيون أو الفنلنديون أو السويديون الذين فقدوا مكان عملهم لصالح العمّال الأجانب الذين يكتفون بأجور زهيدة، يشكّلون اليوم أرضًا خصبة ينمو عليها اليمين الجديد.

في العقدين الأخيرين، أوجدت عولمة رأس المال والتطوّرات التكنولوجية وهم الاستقرار. چوردون براون، الذي رسم السياسة الاقتصادية لحكومة حزب العمّال البريطانية، تفاخر بأنّ بلاده نجحت في التغلّب على الأزمات الاقتصادية الدورية، وسيأتي يوم يتحوّل فيه الغرب بأكمله إلى مملكة الطبقة الوسطى. هذه هي الأجواء التي سادت أوروبا في تلك الفترة، وتحت غطاء هذا الوهم هرعت أحزاب الاشتراكية الديمقراطية إلى دعم رأس المال الخاصّ، من خلال إتاحة شروط مثالية للاستثمارات وخفض ضريبة الشركات وخصخصة الأملاك العامّة وإلغاء أوامر الرقابة على البنوك وشركات الاستثمار. وجاءت النتيجة الحتمية في ازمة الراسمالية الكونية التي بدات عام 2008 ولا تزال تهدد النظام الراسمالي برمته.

نتيجة لذلك فقد چوردون براون وحزب العمّال الحكم في بريطانيا في الانتخابات الأخيرة لصالح ائتلاف اليمين. في إيطاليا، فاز اليمين برئاسة برلوسكوني، والبرلمان الإيطالي يخلو تمامًا من أيّ ممثّل لحزب اشتراكي أو شيوعي، لأوّل مرّة منذ قرن.

المنظومة المالية المنهارة في جميع الدول الغربية، تتيح لليمين الجديد تقديم نفسه كمنقذ للأمّة. في الانتخابات السويدية والهولندية والنمساوية، نشهد ازديادًا كبيرًا في قوّة الأحزاب اليمينية، التي تتمتّع بدعم لم تحظَ به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. توزيع الأصوات في الانتخابات المحلّية التي جرت في النمسا مؤخّرًا، يدلّ على أنّه في العاصمة التي حظيت بالاسم "ڤينا الحمراء"، أصبح حزب اليمين المتطرّف ثاني أكبر حزب (بعد الحزب الاشتراكي الذي حاز على %44 من الأصوات)، بعد أن صوّت إلى جانبه عدد كبير من الناخبين من أحياء الطبقات العمّالية، التي صوّتت لأكثر من مئة سنة للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية.

إلاّ أنّ أكبر ارتفاع لليمين الجديد حدث بالذات في الولايات المتّحدة، التي أثار فيها فوز أوباما قبل سنتين فقط، موجة من الآمال التي تبشّر بنهضة اليسار. أهدر أوباما الزخم السياسي التاريخي في محاولاته لتحقيق الإجماع الوطني، وترك اليسار الذي أيّده بدون قائد وبدون أجندة، إلى جانب التوقّعات شبه المؤكّدة بهزيمة الديمقراطيين في الانتخابات القريبة للكونغرس. الوهن السياسي الذي تُبديه إدارة أوباما وعدم استعداده للعمل ضدّ محدثي الأزمة الذين يحتلّون مراكز القوّة في وول ستريت، أتاحا ظهور معارضة يمينية وعنصرية، التي من أبزر انعكاساتها الصارخة الحركة التي تُطلق على نفسها اسم "حفلة الشاي"- التي تركّز حولها بيضًا ضيّقي الأفق والفكر من الطبقة الوسطى، الذين يحلمون بأمريكا تتشكل من ابناء الطبقة الوسطى البيض ويكرهون كلّ لون مغاير أو طبقة مغايرة.

رأينا في إسرائيل أيضًا تراجعًا شديدًا لليسار الصهيوني، الذي تبنى بالكامل الخط الأمريكي. جميعنا نذكر كيف انجرّ حزب العمل وميرتس وراء أرئيل شارون وخطّته التي قضت بالانفصال الأحاديّ الجانب عن غزّة (عام 2005)، رغم عن كونه تهدف الى تكريس الاحتلال الاسرائيلي على الضفة الغربية وسد الطريق امام تسوية سياسية. بعد مغادرة شارون وأولمرت، كان ذلك حزب كاديما، بزعامة تسيپي لڤني، الذي حاز على أصوات الطرف الليبرالي، هذا رغم أنّ أجندة لڤني السياسية والاجتماعية بعيدة كلّ البعد عن أجندة اليسار.

ليبرمان ونتنياهو، كحال الزعماء في الولايات المتّحدة وأوروبا، يجنيان فائدة من ضعف احزاب الاشتراكية الديمقراطية، وينجحان، بمساعدة شعارات شعبوية واهية، في الحصول على أصوات العمّال الفقراء.

القوى اليمينية الرجعية تعيش اللحظة، ولا تعي أنّ مصدر قوّتها الحالي يمكنه أن يؤدّي إلى سقوطها في المستقبل. السبب في الهزّات الارضية الشديدة التي تصيب المجتمع الغربي هو عدم الاستقرار الاقتصادي الذي يميّز النهج الاقتصادي الغربي. الأزمة العالمية التي تهزّ المنظومة الاقتصادية وتزعزع ثقة العمّال بالرأسمالية، هي التي دفعت بعضهم إلى الإلقاء بنفسه في حضن اليمين، وذلك بسبب غياب بديل سياسي متماسك يمكن الوثوق به بين صفوف اليسار. الا انه ومع اشتداد الأزمة وارتفاع نِسَب البطالة، سيدرك عدد أكبر فأكبر من العمّال أنّ هناك حاجة لتغيير جذري وعميق. على خلفية غياب ثقة طبقة العمّال بالنهج الاقتصادي النيو ليبرالي وبالقيادات الاشتراكية الديمقراطية، يبرز خواء شعارات اليمين الجديد.

صحيح أنّ اليمين الجديد يُحرز انتصارات جزئية في صناديق الاقتراع، إلاّ أنّ تعميق الازمة الحتمي سيبشّر بعودة الاتّحادات المهنية إلى حلبة الأحداث. رغم التراجع العددي، تشكّل الاتّحادات النقابية الأوروبية قوّة اجتماعية هائلة، وما زال تأثيرها كبيرًا على طبقة العمّال الأوروبية التي تعتبرها منظّمات تابعة لها. تتمتّع هذه الاتّحادات بتقاليد من التضامن الاجتماعي الذي يتعدّى الحدود ووحدة نادرة للعمّال بدون فرق في الأصل القومي والديني والعرقي.

نموذج لذلك هو النضال الذي تخوضه اليوم الاتّحادات المهنية في فرنسا والذي يهزّ أركان الدولة، لمنع المسّ بحقوق العمّال التقاعدية. حدثت إضرابات مشابهة في الأشهر الأخيرة في إسبانيا وفي اليونان- ضدّ الخطوات التقشّفية التي اتّخذتها الحكومات الاشتراكية الديمقراطية التي تنفّذ إملاءات الاتّحاد الأوروبي. الروح القتالية الجديدة لهذه الاتّحادات والجدل الذي يدور بين صفوف حركات الاتّحادات المهنية وزيادة التنسيق الدولي بين الاتّحادات المختلفة- كلّها دلالة على حيوية هذه القوى والقوة الكامنة بها.

أسّس اليسار في العالم قوّته التاريخية على الارتباط التكافلي بينه وبين الحركة العمّالية. إلاّ أنّ ما تتضمّنه تقاليد الاشتراكية الأوروبية غير قائم في إسرائيل. هناك فصل في إسرائيل بين قضية الاحتلال وبين الواقع الاجتماعي الطبقي. الاحتجاج ضدّ اليمين المتطرّف هو عادةً ما يكون من الطبقة الوسطى المثقّفة من جهة أو من المواطنين العرب من جهة أخرى. الأحزاب العربية، بما فيها الجبهة الديمقراطية، سقطت في الفخّ الذي نصبه لها ليبرمان ونتنياهو اللذان يرضيا بترك "شمال تل أبيب والقرى العربية" لليسار، وضمّ ما سوى ذلك إليهما.

مقابل التراجع الشديد لليسار السياسي في إسرائيل، نشهد اليوم نهضة لنضالات وتنظّمات عمّالية، تشمل اتّحادات مثل "القوّة للعمّال" وَ "معًا" ومنظّمات المحاضرين الصغار في الجامعات ومبادرات لتشكيل لجان عمالية جديدة للهستدروت وغير ذلك. هذا بالإضافة إلى عشرات من المنظّمات الاجتماعية المدنية التي أخذت على عاتقها تعزيز الفئات السكّانية التي تعيش في ضواحي البلاد. كلّ هذه المنظّمات تنضمّ إلى الانتقادات المتزايدة ضدّ سيطرة أصحاب رؤوس المال على الاقتصاد والمجتمع. هذا هو مصدر القوّة في النضال من أجل التغيير الاجتماعي السياسي. عندما تبدأ نتائج الأزمة الاقتصادية في الظهور في إسرائيل، ستصبح هذه المحاولات ذات أهمّية قصوى.

من أجل هزم اليمين، يتوجّب على اليسار في إسرائيل إيجاد أنماط خاصّة للعمل والنضال تعتمد على التوجّه الاجتماعي الطبقي الجديد. لعزل اليمين، يتوجّب على اليسار أن يوجِد قاسمًا مشتركًا طبقيًا اجتماعيًا وأن يشكّل عنوانًا يوثق به للعاطلين عن العمل وللعمّال المستغلّين ولسكّان ضواحي البلاد- يهودًا وعربًا على حدّ سواء. يستطيع اليسار، بل يتوجّب عليه أن يعمل على إيجاد شراكة تتعدّى الحدود القومية، تهدف إلى القيام بالنضالات الاجتماعية والنضال من أجل حقوق الإنسان.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__378/النقابات_الاوروبية_تشير_الى_الطريق_لتفكيك_اليمين_الجديد
18.11.2017, 12:11