تاريخ النشر ٠٤/١٠/٢٠١٠

شؤون اسرائيلية

ليبرمان يقول الحقيقة

يعقوب بن افرات

عندما سئل وزير الخارجية أڤيغدور ليبرمان، هل عبّر خطابه في الجمعية العمومّية لهيئة الأمم المتّحدة عن موقف الحكومة أم عن برنامج حزبه "إسرائيل بيتنا" كرّر عدّة مرّات الجملة: "الخطاب عبّر عن الحقيقة". رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لم يبدِ تحفّظه على مضمون الخطاب، وأعلن فقط، من خلال المتحدّث باسم مكتبه، أنّ الخطاب لا يتوافق مع مواقفه. نتنياهو يعرف حقّ المعرفة أنّ ليبرمان يقول الحقيقة، عندما قال إنّ التسوية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين "ستتحقّق فقط بعد عدّة عقود". يعبّر ليبرمان عن الأجواء التي تخيّم على حكومة نتنياهو، وعمليا أفشى خطابه سرًّا مكشوفًا، هو السرّ الذي يشكّل الرابط الذي يجمع أعضاء الائتلاف الحكومي الحالي.

لم يذهب ليبرمان إلى هيئة الأمم المتّحدة متطوّعًا، فقد أُوفد إلى هناك من قبل رئيس الحكومة الذي فضّل، على ما يبدو، عدم معرفة مضمون خطابه، للتهرّب من المسؤولية. مشاركة ليبرمان في الجمعية العمومّية كانت مجرّد "معروف" قام به من أجل نتنياهو، الذي قرّر عدم الذهاب إلى هناك على خلفية الضغوط التي يمارسها عليه المجتمع الدولي والتي تطالبه بمواصلة تجميد البناء في المستوطنات. رفض نتنياهو الاستجابة للمطالب الدولية في مسألة المستوطنات، هو تعبير واضح عن موقفه باستحالة السلام، الأمر الذي يشير ان ليبرمان عمليا كان يتكلّم من حنجرة نتنياهو . على أرض الواقع تجدّد البناء في المستوطنات في 26 أيلول، وطلب نتنياهو من المستوطنين أن لا يظهروا فرحهم كي لا يغضب العالم.

خطاب ليبرمان مهّد الطريق للأعذار التي ستقدّمها إسرائيل بعد فشل المحادثات: العالم ليس واقعيًا؛ العرب غير مستعدّين للسلام؛ الصراعات الدائرة في العراق وأفغانستان واليمن وإيران ولبنان، وحتّى داخل السلطة الفلسطينية- ليست بسبب إسرائيل. منذ سنوات واليمين الإسرائيلي يلوّح بأنّه فقط بعد إنهاء هذه الصراعات، وفقط عندما يسود السلام منطقتنا، يستطيع العالم مطالبة إسرائيل بإنهاء الصراع مع الفلسطينيين. وبما أنّ حلّ هذه الصراعات سيستغرق عدّة عقود على الأقلّ (يأمل ليبرمان على ما يبدو بأن تستمرّ إلى الأبد)، فإنّ إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بعيد أيضًا، وعليه لا يمكن الحديث عن وقف الاستيطان كشرط لذلك.

رفض حكومة إسرائيل مواصلة تجميد المستوطنات يستند إلى الادّعاء الحقيقي، الذي يقضي بأنّه منذ توقيع اتّفاقيات أوسلو، تواصلت المحادثات مع الفلسطينيين في ظل استمرار البناء في المستوطنات. السلطة الفلسطينية لم تشترط أبدًا مشاركتها في المحادثات بوقف البناء، لإدراكها أنّ مثل هذا الشرط سيسدّ الطريق أمام التوصّل إلى اتّفاقية سلام. منذ حكومة رابين وحتّى اليوم لا توجد في إسرائيل حكومة جاهزة لوقف البناء في المستوطنات. والآن ونحن أمام اللحظة الحاسمة، اتّضح أنّه رغم إعلانات نتنياهو موافقته على مبدأ دولتين لشعبين، لا يوجد أيّ حزب، داخل الحكومة أو خارجها، يجرؤ على مواجهة المستوطنين ووقف البناء.

وفي حين يستمرّ الجدل حول استمرار البناء، تتوسّع المستوطنات على حساب الأراضي الفلسطينية، وتقطع التواصل الجغرافي الذي من المفروض أن تقوم عليه الدولة الفلسطينية القابلة للحياة. عمليًا، مطالبة الإدارة الأمريكية لإسرائيل لم تعد التجميد، بل تطالبها بالتزام أكثر وضوحًا. يقول الأمريكيون لنتنياهو: واصل البناء، لكن عليك الالتزام بالتوصّل إلى اتّفاق بالنسبة لرسم الحدود خلال ثلاثة أشهر. الرهان هو على ان اسرائيل لن تجرؤ على البناء في الأراضي التي ستنتقل إلى السيادة الفلسطينية.

قرار نتنياهو القاضي بعدم الاستمرار في التجميد يرتبط إذًا، بقرار حكومة إسرائيل بعدم الالتزام بجدول زمني محدّد، يتمّ خلاله رسم الحدود الفاصلة بين إسرائيل والدولة الفلسطينية بصورة واضحة ونهائية. هذا هو سبب عدم مشاركة نتنياهو في الجمعية العمومّية لهيئة الأمم المتّحدة، وتركه لليبرمان المجال للتعبير عن "الحقيقة" التي يؤمن بها.

من المرجّح الافتراض أنّ وزير خارجية إسرائيل يعرف ما يفعل. فهو عندما يصرّح بأنّ احتمالات التوصّل إلى سلام مع الفلسطينيين ضئيلة، يستند في تصريحه هذا إلى من هو أكثر منه إدراكًا للأمور. عمليًا، وزير الدفاع إيهود براك كان أوّل من لوّح بالتوجّه القائل بأنّه "لا شريك للسلام"، على أثر فشله في التوصّل إلى اتّفاق مع ياسر عرفات في كامب ديڤيد سنة 2000. دخول حزب العمل إلى الائتلاف اليميني في حكومة نتنياهو لم يكن فقط نتيجة الطموحات الشخصية لبراك ليشغل منصب وزير الدفاع بأيّ ثمن، بل استند إلى نفس توجّه "لا شريك للسلام".

زعيمة المعارضة، تسيپي لڤني، عملت هي أيضًا على التوصّل إلى "خطوط عريضة لاتّفاقية سلام" او ما سمي ب"اتفاق على الرف" على اساس الافتراض بأنّ الفلسطينيين غير قادرين في الوقت الحالي على إقامة دولتهم. صحيح أنّ لڤني الآن على استعداد للتوقيع على اتّفاقية، لكنّ تطبيقها سيؤجّل "إلى عدّة عقود" كما يقول ليبرمان. التجميد الذي قرّره نتنياهو قبل عشرة أشهر، كان خطوة غير مسبوقة، نجمت عن ضغط أمريكي غير مسبوق، لكنّها كانت وما زالت مجرّد مناورة سياسية ليس إلاّ.

أكثر ما يعبّر عن الأجواء التي تسود حكومة نتنياهو الحالية، هي الأقوال التي صرّح بها ليبرمان والتي تتطرّق إلى طابع التسوية النهائية: "يجب أن تعتمد التسوية النهائية بين إسرائيل والفلسطينيين على تبادل المناطق مع سكّانها. لا نتحدّث عن تسوية يتمّ فيها تبادل سكّان، وإنّما رسم حدود تعكس على أفضل وجه الواقع الديمغرافي". وفقًا لهذا البرنامج ستنتقل أمّ الفحم إلى أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة، وبالمقابل تحصل إسرائيل على المناطق التي يسكنها المستوطنون في الضفّة الغربية. وبما أنّ هذه الاتّفاقية ستتمّ بعد عشرات السنين، سيتواصل البناء في المستوطنات ويتوسّع ويبتلع ما تبقّى من أراضي الضفّة الغربية. بالمقابل، في أمّ الفحم، المنطقة "المعدّة للتبادل"، يجب منذ الآن وقف أيّ استثمار وتطوير، لأنها ستنتقل إلى سلطة الفلسطينيين.

لم نكن لنورد هنا فلسفة ليبرمان الواهية، لو وجدنا أنّها لا تمتّ للواقع بصلة. ولكن مع الأسف، حتّى أقواله هذه فيها شيء من الحقيقة. عندما يتحدّث ليبرمان عن تبادل الأراضي والسكّان، فإنّه يعتمد على واقع قائم يعيشه المواطنون العرب في إسرائيل. التمييز تجاه المواطنين العرب والمعاملة العدائية والإهمال في جميع مجالات الحياة، بدءًا بمستوى التعليم المتدنّي وعدم توفّر فرص العمل، وانتهاءً بتجاهل الاحتياجات الثقافية- تعتبر أرضًا خصبة للعنصريين أمثال ليبرمان. حاييم هرتسوغ، الذي كان سفير إسرائيل لذا الأمم المتّحدة سنة 1975، مزّق فوق منبر الجمعية العمومّية صيغة القرار الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية. اليوم، لا يتردّد ليبرمان في الإعلان فوق نفس المنبر، باسم دولة إسرائيل، بأنّه يريد التخلّص من المواطنين العرب.

"الحقيقة" التي صرّح بها ليبرمان تثبت أنّ سبب استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس الرفض الفلسطيني الاعتراف بالدولة اليهودية، وإنّما عدم قدرة إسرائيل على الاعتراف بوجود شعب فلسطيني وبحقّه في الحصول على دولة. انتفاضتان وحروب لا حدّ لها وأنهار من الدماء، أدّت بالجمهور الإسرائيلي وبأحزابه الأساسية إلى التنازل عن رؤية "أرض إسرائيل الكبرى". تجاوز نتنياهو كلّ الحدود التي وضعها لنفسه عندما أعلن عن قبوله لحلّ الدولتين. إلاّ أنّ تصريحاته بقيت معلّقة في الهواء، لأنّ نتنياهو وكلّ زعيم أو حزب آخر في إسرائيل لا يرغبون في تحمّل نتائج هذا الإعلان الهامّ، وإخلاء المستوطنين من المناطق المحتلة.

ليبرمان ونتنياهو يوهمان نفسيهما إذا اعتقدا أنّهما يستطيعان الخوض في محادثات لا جدوى منها لعشرات السنين وخداع العالم بأسره. إنّنا على شفا الهاوية وحكومة إسرائيل لا تبالي وتلعب بالنار. بعد عشرات السنين من استمرار الصراع، سيكون أحد السيناريوهات المحتملة انتهاء الأغلبية اليهودية في الدولة، وصعوبة إسرائيل في أنّ تكون دولة ديمقراطية تمنح المساواة لجميع مواطنيها. في هذه الحالة، هل سيكون الشباب الاسرائيلي على استعداد لمواصلة دفع ثمن الحروب؟ هل سيكون المجتمع الإسرائيلي على استعداد للتضحية من أجل الفصل العنصري الآخذ بالتكوّن؟ هل سيواصل العالم دعمه حتّى الأبد وبكلّ ثمن لشرعية الدولة اليهودية؟ هذا هو الميراث الذي يتركه ليبرمان للأجيال القادمة، وهذه هي الدلالة الحقيقية "للحقيقة" كما انعكست في خطابه في الجمعية العمومّية لهيئة الأمم المتّحدة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__376
22.11.2017, 00:11