تاريخ النشر ٢٧/٠٩/٢٠١٠

شؤون فلسطينية

سلام فياض والسلام الاقتصادي

يعقوب بن افرات

المشكلة لم تكن ابدا في نضوج او عدم نضوج الفلسطينيين، بل في عدم نضوج و"جاهزية" اسرائيل لمواجهة المستوطنين وعقد الصلح مع العرب.

ما كادت المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية تبدأ حتى باتت توشك على الانفجار مع اقتراب انتهاء المهلة التي اقرها نتانياهو لتجميد الاستيطان. سنة ونيف امتدت القطيعة بين السلطة الفلسطينية وبين الحكومة اليمينية في اسرائيل، وكان ابو مازن يستمد الدعم من الرئيس اوباما نفسه الذي نادى الى وقف الاستيطان، فقفز الى اعلى الشجرة لإظهار عضلاته. ولكن سرعان ما تبين ما كان معروفا سلفا وهو ان امريكا بحاجة الى حليفتها الاستراتيجية اسرائيل، مما أدى لإعادة النظر تجاه موقف الادارة الامريكية من الاستيطان، والضغط على الفلسطينيين هذه المرة لخوض المفاوضات المباشرة. وكما كان متوقعا في كل مرة، رضخ الجانب الفلسطيني لإمرة الامريكي صاحب المال والقرار.

صحيح ان ما يريده اوباما هو امتحان نوايا نتانياهو، وصحيح أيضا ان ابو مازن يعلق آمالا عريضة على الموقف الامريكي الذي يتعامل مع اسرائيل كالمثل الشعبي القائل "لاحق العيار لباب الدار". وما دام نتانياهو يعلن صبح مساء انه جاد في نيته التوصل الى حل، فالكل يقول له - دعنا نرى.

ولتجنب قضية استئناف البناء في المستوطنات، وافق الجانب الفلسطيني على الاقتراح الامريكي الذي يوصي بوضع قضية الحدود على رأس جدول الأعمال. حسب المنطق الامريكي: اتفاق الطرفين على الحدود، سيوضح ما المناطق التابعة لكل طرف، وعندها يستطيع كل منهما البناء في المنطقة الخاصة به دون ان يثير الامر خلافا. ولكن الجانب الاسرائيلي يرفض الاقتراح بحجج واهية، ويطالب الفلسطينيين اولا بالاعتراف بيهودية الدولة. نتانياهو يريد حلا، انه بحاجة ماسة الى حل، ولكن ما العمل، الرجل لا يؤمن بالسلام.

رسم الحدود بين اسرائيل وفلسطين العتيدة سيؤدي تلقائيا لسقوط الحكومة اليمينية. الحدود ستخرج المستوطنات التي تحيط بالمدن الفلسطينية الى خارج منطقة السيادة الاسرائيلية، وستلزم الحكومة بإخلاء عشرات آلاف المستوطنين منها. ولكن المشكلة ان هؤلاء المستوطنين الذين لا يجدون حكومة ولا زعيما في اسرائيل قادرا على مواجهتهم، استوطنوا الارض الفلسطينية بتمويل ودعم كافة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ويحظون بحماية جيش الاحتلال. هؤلاء اصبحوا اليوم خطرا في نظر الدولة اليهودية نفسها، اذ انهم يتصرفون كما لو كانوا دولة بحد ذاتهم، فهم متعصبون، اصوليون، عنصريون وفاشيون، وفوق كل ذلك لا يعترفون بالقانون الاسرائيلي بل يرجعون للتشريعات السماوية وما يقوله الحاخامون. وتعني المواجهة مع هذا الجمهور، حربا اهلية ربما دموية بين الحكومة وبين المؤسسة الدينية، يصعب تقدير نتائجها.

الاقتصاد بدل الأرض

من هنا جاء اقتراح الحل الاقتصادي كبديل للحل الإقليمي. حسب نتانياهو، الاعتراف بدولة فلسطينية لا يعني ابدا التنفيذ الفوري، بل هو مجرد مبدأ عام له شروطه الخاصة وأهمها "نضوج" الفلسطينيين حتى يكونوا قادرين على إدارة شؤونهم، أو بالأحرى على حماية أمن إسرائيل. لسان حال نتانياهو يقول ما يلي: لتمهيد الطريق أمام إقامة الدولة الفلسطينية علينا الاتفاق اولا على خريطة طريق جديدة، اقتصادية في جوهرها، تقود الى سلام اقتصادي. ثم، بعد ان يتم بناء الاسس الاقتصادية، ستتم مناقشة حدود الدولة وسيادتها.

يبدو ان هذا التصور لا يقتصر على نتانياهو وحده، بل يشاركه فيه فعليًا وعلى أرض الواقع، رئيس الحكومة الفلسطيني، سلام فياض. ففي حين تخطو المفاوضات المباشرة مع ابو مازن في اتجاه الطريق المسدود، يحتفل رئيس الحكومة فياض بعلامة الامتياز التي حصل عليها من البنك الدولي الذي أشاد في تقريره الأخير بحدوث "تقدم ملموس في البناء المؤسساتي" في مناطق السلطة الفلسطينية.

سلام فياض يبني دولة حسب المعايير التي حددتها الدول المانحة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية التي تساهم ايضا في تدريب وبناء المؤسسة الأمنية الفلسطينية. الحكومة الفلسطينية الحالية تنشر على الملأ قائمة بنحو ألف مشروع سنويا، في شتى المجالات الخدماتية التي تهدف لإشعار المواطن الفلسطيني بتحسن معين في حياته. وبكلمات اخرى، يريد المسؤولون الفلسطينيون إبعاد الشبهات بان المساعدات تذهب لجيوبهم، كما كان الحال زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات، وأنها تصل بالفعل الى المواطن. لهذا السبب بالذات فرضت الدول المانحة، وعلى رأسها أمريكا، سلام فياض على الفلسطينيين كمندوب سام وحارس لأموال المساعدات.

الملاحظ انه في حين تعارض اسرائيل بشدة أي تعاون مع ابو مازن، فهي تبدي رضاها التام عن سلام فياض، وعن تقرير البنك الدولي الذي لاحظ بأن التسهيلات الاسرائيلية، مثل ازالة جزء من الحواجز، كان لها فضل كبير في التحسن الذي طرأ مؤخرا.

سلام فياض يدأب منذ توليه منصبه على موضوع "جاهزية" الدولة فلسطينية، ربما لسحب البساط من تحت اقدام نتانياهو الذي يدعي بان الفلسطينيين ليسوا ناضجين بعد لإدارة دولة خاصة بهم. نتيجة لسياسة فياض بدأت الضفة الغربية تشهد تحولا من نوع جديد، وعادت الناس لممارسة "الحياة الطبيعية" وأقلعت عن الاهتمام بالسياسة، بعد ان خلقت الحكومة اجواء من الانتعاش الاقتصادي المحدود وضمنت لها الأمن الشخصي بفضل نزع السلاح من الشوارع.

ولكن نظرة أعمق للوضع تكشف الواقع الفلسطيني المزري، ف"الجاهزية" التي يتحدث عنها فياض لا تشمل الأمر الأهم الذي بدونه لا تقوم قائمة لأية دولة، وهي السلطات الأساسية، التشريعية، القضائية والتنفيذية. فالسلطة ألغت المجلس التشريعي بعد ان جاءت نتائج الانتخابات لصالح حماس؛ السلطة التنفيذية منقسمة بين الضفة وغزة؛ الرئيس نفسه لم ينتخب بشكل ديموقراطي بل تم تعيينه من قبل "المنظمة"؛ اما القضاء فمنقسم بين فتح وحماس حسب مناطق نفوذهما؛ وأخيرا تم أيضا تأجيل الانتخابات للسلطات المحلية.

الحكومة الفلسطينية الحالية ليست سوى أنبوب لتوزيع المنح التي تبلغ نحو مليار دولار سنويا، وواضح ايضا ان الوزارات المختلفة تُدار كمؤسسات غير حكومية وليس كوزارات حقيقية. فبغياب المجلس التشريعي، ليست هناك جهة تراقب الموازنة العامة، ولا نفوذ للجمهور من خلال احزابه على كيفية استعمال وتوزيع الاموال. الحقيقة هي ان الحكومة الفلسطينية خاضعة لرقابة مؤسسات اجنبية كل هدفها منع الانفجار القادم، والحفاظ على مصالحها في المنطقة وعلى سلامة وأمن اسرائيل. من هنا، فالجاهزية التي يتحدث عنها سلام فياض هي وهمية تأتي لإرضاء البنك الدولي، وهي بعيدة كل البعد عن طموح الشعب الفلسطيني للاستقلال وإنهاء الاحتلال والاستيطان. انه برنامج يعمق الانقسام بين غزة والضفة الغربية وتقوي بالتالي ادعاءات إسرائيل بأن المشكلة هي عدم "جاهزية" الفلسطينيين لإنشاء الدولة.

ومع ذلك، لا بد من توضيح حقيقة التقدم الاقتصادي المزعوم. فالمعطيات الاقتصادية تكشف واقعا عصيبا، فالناتج القومي الاجمالي في المناطق السلطة الفلسطينية يصل الى 12 مليار دولار مقابل 200 مليار في اسرائيل، اما معدل دخل الفرد في الضفة الغربية فيبلغ 3000 دولار مقابل 30.000 في اسرائيل، هذا في حين تصل نسبة البطالة في اسرائيل الى 7% تراوح ال30% في المناطق الفلسطينية. بكلمات بسيطة ومؤسفة، ليس هناك اقتصاد فلسطيني. فهذه السلطة متعلقة تماما بالمساعدات التي تأتيها من الخارج، وكل حاجاتها الأساسية كالماء، الكهرباء، العملة، المواد الغذائية، تأتيها من اسرائيل.

وفي حين يرقص فياض على انغام الناي الاسرائيلي، ويرد بنفس الخطاب حول الجاهزية، فانه عمليا يساعد الاسرائيليين ويحرف الأنظار عن المشكلة الاساسية التي تقف حجر عثرة امام السلام: فالمشكلة لم تكن ابدا في نضوج او عدم نضوج الفلسطينيين، بل في عدم نضوج و"جاهزية" اسرائيل لمواجهة المستوطنين وعقد الصلح مع العرب.
الاحتمالات الكبرى هي ان تفشل سياسة ابو مازن تجاه اسرائيل وأمريكا ، ولكن مشاريع سلام فياض لا تفعل سوى انها تغطي على هذا الفشل وتكرس تبعية الفلسطينيين للغرب ولاسرائيل. اما سلام نتانياهو الاقتصادي، فليس سوى ضحك على اللحى ومشروع مستحيل. فالانتفاضات المتكررة لم تأت لأسباب سياسية فقط بل لها علاقة وطيدة بالوضع الاقتصادي الصعب للفلسطينيين الناجم عن سياسة الاحتلال.

ان من يعمل على إخضاع الشعب الفلسطيني والاستيلاء على ارضه وهدم اية مبادرة اقتصادية مستقلة فيه، ومنع أي تطور اقتصادي، واقام الجدار الفاصل وطرد العمال الفلسطينيين من اماكن عملهم داخل اسرائيل، وجلب البطالة - لا يمكن ان تكون نيته صنع سلام لا سياسي ولا اقتصادي مع الفلسطينيين. ما تريده اسرائيل هو ادامة الاحتلال والاستيطان، وللأسف الشديد وجدت حتى الآن طرفا فلسطينيا مستعدا للتعاطي معها والمشاركة في لعبة المفاوضات العبثية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__374/سلام_فياض_والسلام_الاقتصادي
17.12.2017, 02:12