تاريخ النشر ٠٧/٠٩/٢٠١٠

شؤون اسرائيلية

المفاوضات السلمية والثمن الذي يرفض نتنياهو دفعه

يعقوب بن افرات

أخيرًا وبعد طول انتظار بدأت المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والفلسطينيين. الرئيس أوباما يستضيف المؤتمر الذي يُفترض أن يفتتح المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو بذلك ينضم لسابقيه الذين حاولوا جسر الهوّة وجلب الإسرائيليين والفلسطينيين إلى مائدة المفاوضات. فشل مساعي هؤلاء جميعهم أدّى في كل مرة إلى مزيد من التشاؤم، وإلى تجدّد الصراع والعنف في المنطقة. المسؤولية الملقاة على عاتق زعماء كلّ الأطراف هي إذًا، كبيرة، حتّى وإن لم يكونوا على استعداد لتذويتها والتعامل معها بالجدّية اللائقة.

هذه هي المرّة الأولى خلال ثلاثين عاما من المفاوضات بين الطرفين التي تشهد إجماعا حول تقييم الجولة الحالية: الأمريكيون والإسرائيليون والفلسطينيون، جميعهم يتنبّؤون بفشل المفاوضات. ستحدث معجزة إذا نجح الرئيس أوباما في جسر الهوّة بين الحكومة الإسرائيلية اليمينية والسلطة الفلسطينية التي تتعرّض لضغوط كبيرة من جانب المعارضة الإسلامية. نتنياهو يرفض في هذه الأثناء الالتزام بتجميد الاستيطان، كما لا يعرض علنًا أيّ برنامج يرسم الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المرتقبة. يصعب التخيّل بأن يتمكّن الفلسطينيون من الحصول من نتنياهو، رجل "أرض إسرائيل الكبرى"، على ما لم ينجحوا في الحصول عليه من إيهود براك ومن بعده إيهود أولمرت.

رغم استحالة التوصّل إلى اتّفاق، يتراكض زعماء المنطقة إلى واشنطن ليحاولوا للمرّة الألف، التوصّل إلى اتّفاق. سبب ذلك بسيط وينطوي على تناقض أيضًا. بنفس المدى الذي نشأ فيه إجماع عامّ بالنسبة لاحتمالات الفشل، هناك إجماع آخر، وهو أنّ الوضع القائم لا يمكن أن يستمرّ. الوضع القائم يعمل لصالح الجهات المتطرّفة، خاصّةً الإسلامية منها، التي تشن حربا شعواء ضدّ أمريكا في جميع أنحاء العالم، من العراق وحتّى أفغانستان. هذه الجهات تدعم أيضًا نضال حماس ضد فتح للاستيلاء على السلطة. لذلك أحداث الأسطول التركي لم تؤدِّ إلى تخفيف الحصار عن غزّة فحسب، بل وشكّلت أيضًا محفّزًا لافتتاح المحادثات بهدف إزالة الحصار الدولي السياسي المفروض على إسرائيل. فالعالم سئم من الاحتلال ويطالب بالتوصّل إلى حلّ.

إلاّ أنّ العائق الأكبر في طريق الحلّ هو المستوطنات بلا أدنى شكّ. هناك إجماع آخر حول هذه المسألة يحدّد أنّ جميع المستوطنات الواقعة في قلب الضفّة الغربية وخارج "الكتل الاستيطانية" المجاورة للخطّ الأخضر، من المفترض أن يتمّ إخلاؤها في كلّ اتّفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. رغم أنّ هذا الموقف يحوز على إجماع، لا توجد حكومة في إسرائيل تستطيع إخلاء هذه المستوطنات، افتراضا ان هذا سيؤدي الى حرب أهلية. هذه الفرضية الشائعة، تحوّلت هي أيضًا إلى إجماع إسرائيلي غير مكتوب. والشاهد على ذلك، رابين الذي رفض أن يشمل مصير المستوطنات في اتّفاقيات أوسلو. ونتنياهو بدوره تبنّى هذا المبدأ في فترة حكمه الأولى، وبراك قام بتكثيف البناء في المستوطنات، وقام شارون بإخلاء أحادي الجانب للمستوطنات من غزّة ليعزّز الاستيطان في الضفّة الغربية. وها هو نتنياهو، في فترة حكمه الثانية، لا يفكّر أصلاً في إخلاء المستوطنات.

بما أنّ المستوطنات أصبحت كاشفًا لنوايا حكومة إسرائيل، اشترط الفلسطينيون، ومعهم الأمريكيون، تجديد المفاوضات غير المباشرة بتجميد مؤقّت للبناء في المستوطنات. لا تتطلّع العيون اليوم إلى ما يحدث في واشنطن، وإنّما إلى السادس والعشرين من أيلول، اليوم الذي ينتهي فيه سريان مفعول الامر بتجميد البناء في المستوطنات (واستمر عشرة اشهر). الذريعة التي استخدمها أوباما لجرّ الفلسطينيين إلى المفاوضات المباشرة هي أنّهم إذا وافقوا على المفاوضات المباشرة، سيكون من السهل على أمريكا الضغط على نتنياهو لتمديد امر تجميد المستوطنات. عمليًا، تحوّلت المفاوضات إلى نوع من الحيلة السياسية التي جاءت لوضع نتنياهو تحت الاختبار: هل يرغب في تسوية سلمية أم يفضّل الحفاظ على ائتلافه الحكومي اليميني الذي يرفض أيّة تسوية.

تصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط لا تترك مكانًا للشكّ:

إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واللجنة الرباعية الدولية طلبوا من الفلسطينيين الذهاب إلى المفاوضات المباشرة لتفويت الفرصة على الجانب الإسرائيلي في مواصلة الاستيطان. وأضاف أبو الغيط: «قرر الفلسطينيون أن يذهبوا الى المفاوضات كي يضعوا إسرائيل في هذا المأزق، فإذا قررت إسرائيل تمديد التجميد فستمضي المفاوضات، أما إذا قررت أن تمضي في الاستيطان، فلا معنى إذن لهذه المفاوضات "(الحياة، 1/9/2010).

في نفس الوقت حرص شريك نتنياهو في الائتلاف الحكومي، إيهود براك، على التصريح بموقفه علنًا في مقابلة لأري شڤيط من جريدة هآرتس (1.9.2010). في المقابلة حدد براك أسس الاتّفاق مع الفلسطينيين بصورة دقيقة بالنسبة للمسائل المختلف عليها: الحدود والمستوطنات واللاجئين والأمن ومستقبل القدس. إلاّ أنّ أهمّ جملة في هذه المقابلة كانت: "إذا لم تتمكّن الحكومة بتركيبتها الحالية من القيام بذلك، سوف أطالب بتوسيعها- اتّفاقية السلام أهمّ من تركيبة الحكومة". ويبدو أنّ هذه هي المشكلة الحقيقية التي يواجهها بيبي نتنياهو- ماذا سيكون موقف إيهود براك إذا فشلت المفاوضات بسبب رفضه مواصلة التجميد.

جولات المفاوضات السابقة تبيّن لنا أنّ رؤساء الحكومات الإسرائيلية يعرفون كيف يدخلونها، لكنّ أحدًا منهم لا يستطيع التنبّؤ بنتائجها السياسية. لا أحد تنبّأ بمقتل رئيس الحكومة الإسرائيلي في أعقاب التوقيع على اتّفاق مع الفلسطينيين، نتنياهو فقد حكومته في أعقاب التوقيع على اتّفاقيات واي، براك فقد رئاسة الحكومة على أثر فشل مفاوضات كامب ديڤيد سنة 2000، أولمرت لم يصل مرحلة الفشل لأنّه أقصي من منصبه قبل الأوان. والآن جاء دور نتنياهو، وعليه أن يقرّر إذا كان يرغب في الحفاظ على رباطه مع اليمين المتطرّف ومواجهة الأمريكيين وفقد حزب العمل أم أنّ عليه تغيير موقفه وإشراك حزب كاديما في الحكومة والتقدّم نحو تسوية حول الأسس التي أوردها براك. من الواضح ما الذي يفضّله أوباما. يعمل أوباما منذ وقت طويل على إحداث تغيير سياسي في إسرائيل، ويمكن القول بأنّه يعمل كلّ شيء من أجل تحقيق ذلك. في بعض الأحيان يستعمل القوّة وفي الآونة الأخيرة يستعمل اللين.

إلاّ أنّ الطريق لتغيير الائتلاف الحكومي في إسرائيل ليست مزروعة بالورود، ويمكن أن يدفع نتنياهو ثمنًا سياسيًا باهظًا مقابل ذلك. دخول كاديما إلى الحكومة، في حال قرّر نتنياهو التخلّي عن شركائه اليمينيين وعلى رأسهم وزير الخارجية أڤيچدور ليبرمان، سيضعفه كثيرًا وسيحوّله إلى متعلّق تمامًا بخصومه من المركز. حتّى الآن حاول نتنياهو بدون نجاح تفكيك كاديما وجذب أعضائها إلى الليكود. إدخال كاديما وتسيپي لڤني إلى الحكومة، بدعم أمريكي، سيزيد من قوّة كاديما في الانتخابات القادمة. لكنّ السؤال الأهمّ هو، ماذا سيبقى من الأساس الأيديولوجي لليكود، في حال وافق على الدخول في مفاوضات على أساس مواقف حزب العمل وكاديما؟ ماذا سيكون الفرق بين الليكود وكاديما؟ من الواضح تمامًا أنّ الليكود يقف أمام خيارين- إمّا خسارة أيديولوجيته وإمّا أن يجد نفسه في هامش السياسة الإسرائيلية.

لا يبدو أنّ نتنياهو متهيّئ لهذا التحوّل في المواقف. في هذه الأثناء، يعمل كسياسي عادي يحاول المناورة للحفاظ على حكمه. لكن فيما يتعدّى نتنياهو واعتباراته الضيّقة، يقف المجتمع الإسرائيلي بأكمله أمام تحدٍّ هامّ: إلى أيّ مدى مستعد هذا المجتمع للتخلّص تمامًا من الاحتلال ومواجهة المستوطنين ومواقفهم المتطرّفة. ردود الفعل السلبية الصاخبة التي حاز عليها الفنّانون والمبدعون الذين رفضوا عرض مسرحياتهم في مستوطنة أريئل، تشير إلى أنّنا بصدد مواجهة صعبة للغاية. المشكلة ليست نتنياهو فقط، بل المجتمع الإسرائيلي عموما غير متهيّئ نفسيًا بعد لدفع ثمن السلام، رغم أنّ هذا الثمن بسيط بالمقارنة مع ما يمكن ان يثمر عنه وقف الاحتلال وإحلال سلام حقيقي مع الفلسطينيين والعالم العربي بأسره.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__373/المفاوضات_السلمية_والثمن_الذي_يرفض_نتنياهو_دفعه
21.11.2017, 23:11