تاريخ النشر ٠٥/٠٨/٢٠١٠

شؤون دولية

القضية الفلسطينية رهينة للاجندة التركية

اساف اديب

على جدران احد مطاعم القدس العربية لا تزال تتدلى صورة كبيرة لرئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، وتحتها العنوان "عاش الرئيس اردوغان - رئيس رؤساء العرب والمسلمين – النصر حليفك". لا شك ان هذه الجملة تعكس الجو العام في الشارعين العربي والفلسطيني في اعقاب احداث اسطول الحرية الى غزة اواخر ايار، والذي وقع ضحيته تسعة من النشيطين في المنظمة التركية IHH التي تحظى بدعم حكومي تركي.

خطابات اردوغان المتكررة التي أكثر فيها من تشبيه غزة باسطنبول والقدس بانقرة، وانتقد فيها بشدة سياسة اسرائيل وحصارها على غزة، خلقت الانطباع لدى الشعوب العربية بان رئيس الوزراء التركي يقف بشكل مبدئي في صف الشعب الفلسطيني. المقارنة بين هذا الموقف وبين تخاذل الزعامة العربية من المحيط الى الخليج وتواطئها هي حتمية، وتثير الآمال، او الأوهام، باننا امام عبد الناصر جديد.

ولكن يبدو ان هذا التصور غير دقيق البتة، ومنافٍ للمعطيات الأساسية للواقع السياسي في المنطقة وفي تركيا بالذات. من يسعى لإدراك اهداف القيادة التركية وطبيعتها، فانه سرعان ما يكتشف ان تحركها المناهض للصهيونية هو مسرحية مقصودة، مجنّدة لجدول العمل التركي الداخلي، وبالأساس الحرب ضد الاكراد، كم افواه المعارضة، خدمة البرجوازية المحلية والطموح لتقوية الموقع الاستراتيجي لتركيا في المنطقة وفي نظر الغرب، وان آخر ما يهم تركيا هو القضية الفلسطينية.

اسرائيل وتركيا – بوادر حسن نية

الخطاب التركي الراديكالي يفقد مصداقيته ازاء استمرار تعاون تركيا مع اسرائيل، وخطوات حسن النية المتبادلة بين البلدين. خطوة اساسية في هذا الاتجاه هي اللقاء شبه السري بين وزير الخارجية التركي، أهمت داود أوغلو، وبين وزير الصناعة والعمل الاسرائيلي، بنيامين بن اليعزر في 30/6. في اعقاب اللقاء اعلنت اسرائيل عن الغاء التحذير من سفر الاسرائيليين الى تركيا، مما قد يعوّض الفنادق التركية عن خسائرها بسبب الازمة، ويعيد رفع اسهم اردوغان في نظر رجال الاعمال الاتراك.

الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي الى دمشق وبيروت في 21/7، والتقى فيها بنظيره الايراني وبزعيم حركة حماس خالد مشعل، تدخل هي الاخرى ضمن اطر بوادر حسن النية. ففي حين اعتبر بعض المعلقين العرب ان الزيارة هي اشارة لانحياز تركي تام للمحور الايراني الراديكالي، انفردت صحيفة "يديعوت احرونوت" بخبر مفاده ان الزيارة جاءت لممارسة الضغط على الايرانيين وحماس لمنع خروج الاسطول اللبناني الى غزة. واضاف الخبر نفسه ان القيادة التركية تسعى لانفراج في العلاقات مع اسرائيل، بعد حادثة الاسطول التي قلبت ضدها مواقف الامريكيين والاوروبيين.

خطوة اخرى باتجاه الانفراج، كان القرار الاسرائيلي في 24/7 اعادة السفن التركية المحتجزة منذ ايار، وعلى رأسها سفينة "مافي مرمرة"، الى تركيا دون شروط.

ورغم كل ما حدث، يبدو ان حجم التصدير والاستيراد بين البلدين لم يتأثر. فقد أعلنت مؤسسة الضمانات الحكومية الاسرائيلية للتصدير بان حجم التصدير الاسرائيلي في شهري حزيران وتموز 2010 بقي على معدله (نحو مئة مليون دولار شهريا)، وان الضمانات المستقبلية تشير ان العلاقات التجارية بين البلدين ستستمر دون زعزعة (هآرتس، 28/7).

حنين لزعيم جديد

التغييرات السريعة في السياسة التركية تركت انصار اردوغان الجدد في العالم العربي معلقين في الهواء. احد المقالات التي رشحت اردوغان لمنصب زعيم العرب الجديد، كان لمنصف المرزوقي في "الجزيرة نت" (5/6/2010) الذي بالغ في كيل المديح لاردوغان: "كلنا نعلم مدى ما يحظى به الرجل من شعبية خارقة منذ الجريمة الكبرى ضد غزة سنة 2008. منذ تلك الفترة وهو في موقع متميز من القلوب والعقول العربية، وكنت كتبت مقالة بعد مواقفه النبيلة بعنوان "بالله يا إخوتنا الأتراك أعيرونا أردوغان"، ها هو يعود مجددا للساحة ليصبح الرمز لكل ما هو مفقود ومبحوث عنه في نظامنا السياسي العربي".

الاصرار على رؤية سياسة القيادة التركية كمحرّك لحملة مستمرة ضد الاحتلال الاسرائيلي، أثار آمالا وتوقعات كبيرة ايضا لدى النائبة في الكنيست الاسرائيلي حنين زعبي (التجمع)، التي شاركت في اسطول الحرية الى غزة. فمنذ مطلع تموز بادرت زعبي الى حملة ضد نية رئيس بلدية حيفا، يونا ياهاف، تحويل سفينة "مرمرة" الى نادٍ بحري وفندق سياحي يرسو أمام ميناء حيفا بشكل دائم. وقالت انه "فقط بلادة إنسانية ووقاحة لا حد لها ولا نظير يمكن أن تحول ساحة شهدت قتل أبرياء الى نادٍ كما طالب رئيس البلدية". (موقع "عرب 48"، 12/7)

ولكن في الوقت الذي كان المرزوقي وزعبي يواصلان بناء التوقعات من الاتراك وشحن الهمم للمعركة القادمة، كانت الحكومة التركية تتفاوض مع الاسرائيليين والامريكان لانهاء الازمة، الامر الذي أسفر عن اعادة العلاقات السياحية وتحرير السفن المحتجزة. وإن دل هذا على شيء، فانما على عدم فهم الاهداف الحكومة التركية على حقيقتها وضيق افق سياسي.

السعي لتصحيح الازمة مع امريكا

تأتي البراغماتية التركية الجديدة وتسخين الاجواء بين القيادتين الاسرائيلية والتركية، على خلفية الضغط الامريكي والاوروبي على تركيا في الشهرين الاخيرين. الرئيس الامريكي اوباما الذي اختار اسطنبول كمحطته الدولية الاولى مباشرة بعد انتخابه لرئاسة الولايات المتحدة، ألمح في اكثر من مناسبة الى موقفه السلبي تجاه الموقف التركي في قضية الاسطول الى غزة.

اشارة الى توتر العلاقات بين البلدين كانت في قرار اول من نوعه اتخذته لجنة مجلس النواب (الكونغرس) الامريكي في آذار الماضي، والذي اعتبر المذبحة التركية ضد الأرمن في عام 1915 مثابة "ابادة شعب". وسارعت القيادة السياسية والعسكرية التركية للتحرك بحزم ضد هذا القرار لمنع طرحه على مجلسي النواب والشيوخ الامريكيين، والحيلولة دون وصوله الى طاولة الرئيس اوباما لاقراره.

من جهة اخرى، عضوية تركيا في حلف شمال الاطلسي (ناتو) ليست مطروحة للنقاش. فالخيار الاستراتيجي للقيادة السياسة والعسكرية والاقتصادية التركية هو الانتماء للغرب، والتحالف مع الولايات المتحدة هو ركن اساسي في هذا الموقف. غزة ومصير الشعب الفلسطيني، مع كل الاحترام، لا يمكن ان يتحولا الى عبء على مصالح تركيا. الخطاب الشعبي مهم، ولكن المصالح الاستراتيجية هي التي تقرر.

الاسلاميون تحت الضغط

اثيرت التساؤلات حول تورط حكومة اردوغان في نشاط منظمة IHH التي خططت للاسطول، على المستوى التركي المحلي. الموقف العام لدى الاوساط السلطوية الامنية والاقتصادية التركية يتهم الحكومة بالانجرار وراء اجندة اسلامية اجنبية متطرفة، وتفضيلها على المصلحة التركية العامة.

حزب العدالة والتنمية الحاكم، يقفز كالبهلوان بين الخطاب الاسلامي المتشدد وبين دوره كقيادة دولة عظمى اقليمية لها التزامات سياسية استراتيجية ولها حرب طويلة الامد مع الاقلية الكردية في شرق جنوب البلاد، ومطلوب منها رعاية الطبقة الرأسمالية.

يواجه اردوغان ثلاث معضلات اساسية تهدد موقعه وفرص نجاح حزبه في الانتخابات القادمة عام 2011، وهي: المسألة الكردية، الوضع الاقتصادي والاجتماعي والطبيعة العلمانية للدولة التركية.

في الموضوع الكردي يقف اردوغان امام خيارات صعبة. محاولاته خلال العام الماضي كسب تعاطف الاكراد الذين يشكلون 20% من السكان، وجذبهم للموقف الاسلامي مقابل منحهم بعض الحريات لاحتواء التمرد الكردي المستمر منذ 35 عاما، باءت بالفشل عندما تجددت المعارك مع الاكراد على الحدود العراقية في الاشهر الاخيرة. المعارضة العلمانية القومية اتهمت اردوغان باجندته الاسلامية بالتخاذل والضعف تجاه الاكراد.

لتثبيت مكانته كزعيم قومي توجه اردوغان في مطلع تموز الى المواقع الامامية على الحدود العراقية التركية، حيث التقط صورا مع الجنود الاتراك وصرح بان مصير المتمردين الاكراد سيكون الموت. هذا يُظهر النفاق في الموقف التركي، الذي يخرج ضد اسرائيل التي تقمع الفلسطينيين وتحرمهم الاستقلال السياسي، بينما يخرج هو ضد الاقلية الكردية ويؤكد التزامه بالموقف التقليدي التركي الرافض للاعتراف بحق الاكراد ودعمه للقمع الوحشي الممارس ضدهم منذ عقود.

في المجال الاقتصادي ينحاز اردوغان تماما للسياسة الرأسمالية النيوليبرالية، اذ تقوم حكومته منذ اكثر من ست سنوات بخصخصة الاقتصاد لصالح رأس المال المحلي والأجنبي. صحيفة "فورتونس" (النسخة التركية) ذكرت انه في عام 2009 ازدادت ارباح الشركات التركية ال500 الاكبر، بنسبة 62%، وتصدرت هذه الشركات شركة النفط "توبراس" التي مرت بعملية خصخصة. وأشارت الصحيفة انه في نفس الفترة فصلت الشركات نفسها 43 الف عامل، مما يدل على تعميق الفجوات الطبقية، حتى في ظل حكم حزب "العدالة" الاسلامي. وقد تظاهر في الاشهر الاخيرة في انقرة، الآلاف من عمال شركة "تيكل" للتبغ والكحول التي تمت خصخصتها مؤخرا، وعبروا عن استيائهم ازاء السياسات الحكومية.

الشريحة الحاكمة في تركيا التي تعتمد على تراث أتاتورك، مؤسس الجمهورية العلمانية، وعلى الجيش القوي، تنتقد اردوغان وتشكك في قدرته على قيادة البلاد. مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقرر اجراؤها في عام 2011، بدأ حزب العدالة والتنمية توخي الحذر في تصرفاته بهدف استعادة ثقة النخبة التركية به، ولا شك ان الازمة مع اسرائيل لا تخدم مساعيه هذه.

مناورات ضيقة

طبيعة الحزب الحاكم وخياراته واعتماده على الطبقة الوسطى المحافظة التي تشكل قاعدته الانتخابية، تشير الى ان ما يطمح اليه اردوغان هو إحداث تغييرات محددة في السياسة الامريكية تجاه الشرق الاوسط، على نحو يتيح لتركيا تبوء مكانة ارفع واكثر تأثيرا في سياسة المنطقة.

الحملة التركية لمناصرة الفلسطينيين، والتي تأتي بعد تأخير اكثر من ستين سنة(!)، تسعى لاستغلال الضعف الامريكي الكبير ازاء العالمين العربي والاسلامي، وخاصة ازاء فشل الامريكيين في الخروج من حرب العراق وافغانستان ومن الازمة المتفاقمة مع ايران. فالانظمة الموالية لامريكا، مثل مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية، فقدت مصداقيتها في نظر شعوبها، الأمر الذي خلق فراغا كبيرا في الساحة السياسية الشرق اوسطية،وهو ما يسعى اردوغان لملئه.

اما ال"زعل" مع اسرائيل فيبدو اكثر كمحاولة من تركيا لاقناع نتانياهو وبراك بقبولها وسيطا بين اسرائيل وسورية، وهو الدور الذي لعبته قبل عامين في عهد حكومة اولمارت، حتى قام الاخير بمفاجأة اردوغان بشن حربه على غزة.

الرهان على ان اردوغان هو الزعيم المنقذ، هو رهان خاسر. ان من يبحث عن حلفاء للشعب الفلسطيني في تركيا، سيجدهم في الاكراد المناضلين لحريتهم السياسية، وفي العمال الفقراء الذين يحاربهم اردوغان. اما الزعيم التركي، فمنحاز لمصالح النخبة الحاكمة ولحزبه، وهو يوظف قضية غزة ومعاناة الشعب الفلسطيني لخدمة هذه المصالح، واذا تناقضت معها فانه لا يتوانى عن التخلي عنها مقابل صفقاته مع الامريكان والاسرائيليين.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__370
21.11.2017, 13:11