شؤون فلسطينية

إجماع دولي: ارفعوا الحصار عن غزة

يعقوب بن افرات

الاعتداء الإسرائيلي على سفينة مرمرة التركية الذي أوقع تسعة قتلى و30 جريحا، أثار استياء عالميا وخلق إجماعا دوليا جديدا مطالبا برفع الحصار عن غزة. هذا الحصار الظالم المستمر منذ قرابة الخمس سنوات، حوّل مليون ونصف فلسطيني الى رهينة بهدف إسقاط حكومة حماس. اليوم، يقول العالم لإسرائيل انه قد مل سياسة القوة التي تتبعها وسئم الاحتلال والحصار المضروب على الفلسطينيين، ويطالبها بالتغيير وحل نزاعها مع العرب.

بغض النظر عن تضارب الروايات حول تفاصيل المواجهة العينية التي وقعت في السفينة، واضح ان إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية الكبرى والمباشرة عن النزاع، وهي التي ترفض التوصل الى حل عادل مع الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال الذي دخل عامه ال43. على مدار كل هذه السنوات خلق الاحتلال واقعا عصيبا ومعقدا، فإسرائيل تتحكّم بكل كبيرة وصغيرة في حياة الفلسطينيين، تسيطر على المعابر والحدود، وتمنع أية إمكانية لنمو بنية تحتية اقتصادية في المناطق المحتلة الامر الذي يجعلها متعلقة تماما بإسرائيل لغرض التزود بالحاجات الاساسية كالغذاء والماء والدواء، كالكهرباء والوقود وغيرها. من هنا، فالمسؤولة عن الكارثة الانسانية في هذه المناطق هي إسرائيل، ولن يجدي نفعا كل محاولاتها إلقاء اللوم على الفلسطينيين.

إسرائيل تتحمل المسؤولية الكبرى، ولكنها ليست العنصر الوحيد. للأسف الشديد، وقع الشعب الفلسطيني ضحية انقسام داخلي خطير وصل حد الحرب الاهلية، مما يضعف الموقف الفلسطيني ويمسّ بإمكانية مكافحة الاحتلال. جاء الانقسام على خلفية قبول منظمة التحرير الفلسطينية باتفاق اوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية بشروط ظالمة دون حل قضايا النزاع الأساسية. وكانت النتيجة ترسيخ الاستيطان والسيطرة الإسرائيلية على القدس، وقيام نظام فلسطيني فاسد كل دوره ان يكون وكيلا فرعيا للاحتلال. هذا الوضع منح ارضية واسعة لنمو المعارضة الاسلامية وعلى رأسها حماس، وهذه تبنت نهج المقاومة المسلحة والعمليات الانتحارية كبديل للمفاوضات العبثية.

جاءت الانتفاضة الثانية في اكتوبر2000 لتعمق الانقسام الداخلي وتزيد المنافسة بين فتح وحماس على السلطة. على أرض الواقع تشكلت سلطتان، الاولى سلطة فتح الرسمية الملتزمة باتفاق اوسلو، والثانية سلطة المقاومة الرافضة للمفاوضات. بعد سنوات من الاقتتال الداخلي وبعد عودة إسرائيل لاحتلال المدن الفلسطينية في عملية "السور الواقي" (2002)، اتفقت فتح وحماس على إجراء انتخابات تشريعية عام 2006 انتهت بفوز حماس بالأغلبية وتشكيل حكومة وحدة برئاسة اسماعيل هنية.

منذ ذلك الحين لم يعرف الشعب الفلسطيني الهدوء. فقد تمسكت حكومة هنية بخيار المقاومة ورفضت الاعتراف باوسلو، ولم يطل الوقت حتى اندلعت مواجهة مباشرة بينها وبين فتح. انتهت المواجهة بانقلاب حماس على السلطة في غزة عام 2007، وطرد عناصر فتح من القطاع. وقاد هذا فعليا الى إنقسام إقليمي بين الضفة الغربية التي تسيطر عليها فتح وبين غزة التي تسيطر عليها حماس، ووضع يرفض فيه كل طرف الاعتراف بشرعية الطرف الآخر.

عندما يختلط الظرف الإنساني بالمصلحة السياسية

ما كنا لنسرد سيرة هذا الانشقاق، لولا كان ضروريا لفهم طبيعة الصراع اليوم. فقد تعقد الوضع لدرجة اصبحت فيه القضية الفلسطينية لأول مرة في تاريخها حلبة تتصارع فيها قوى اقليمية، وكل تجذب الأمور لصالحها ولزيادة نفوذها على حساب الأطراف اللاعبة الأخرى. ما فتح المجال لذلك كان اختيار فتح التحالف مع المعسكر "المعتدل" الحليف لأمريكا وإسرائيل ويشمل السلطة الفلسطينية، مصر، السعودية والأردن، في حين اختارت حماس التحالف مع معسكر الممانعة، وعلى رأسه إيران ويشمل قطر، سورية والآن أيضا تركيا.

الحصار على غزة أصبح محورا أساسيا في الصراع بين المعسكرين: من جهة تبرر إسرائيل وحليفاتها الطوق المفروض على غزة بان حماس حركة ارهابية تهدد امن الدول المحيطة؛ بالمقابل تطالب حماس والدول المؤيدة لها برفع الحصار، على اساس ادعاءات إنسانية وعلى اعتبار ان حكومتها في غزة شرعية كونها انتخبت بشكل ديموقراطي. وتدرك حماس ان هدف الحصار هو إسقاط حكومتها، لذا لا تبخل بأية وسيلة لكسر الحصار، سواء بالمظاهرات العنيفة على الحدود مع مصر واتهام نظام مبارك بالعمالة لإسرائيل، أو بقصف إسرائيل بصواريخ القسام التي انتهت للحرب الإسرائيلية الاجرامية على غزة. وتدخل قافلة الحرية ضمن نفس المساعي.

لم يعد كسر الحصار موضوعا إنسانيا مجردا، بل شأنا سياسيا من الدرجة الاولى بعد ان ربطته حماس بالاعتراف بحكومتها في غزة. والكارثة الكبرى هي أن أي "انتصار" لحماس يعتبر تلقائيا هزيمة للسلطة الفلسطينية ومصر وإسرائيل. عندما يختلط الظرف الإنساني بالمصلحة السياسية، يدفع الشعب الأعزل الثمن. وتستغل إسرائيل هذا الوضع المأساوي لصالحها، وتبرر حصارها على غزة بأنه لا يخدم المصلحة الإسرائيلية فحسب، بل مصلحة كل الدول "المعتدلة" في المنطقة وعلى رأسها مصر والسلطة الفلسطينية.

المصلحة التركية

إلى هذا الواقع المعقد دخلت مؤخرا تركيا لتبحث هي الأخرى عن منفعة لها. فبعد 40 عاما من الاحتلال و60 عاما من التعاون الاستراتيجي بين تركيا وأمريكا وإسرائيل، فجأة تذكر النظام التركي أن هناك شعبا فلسطينيا يعاني وأن هناك كيانا اسمه غزة. لا يصعب التكهن بأن التوقيت جاء بعد أن رفضت أوروبا ضم تركيا للاتحاد الاوروبي. بعد القرار الاوروبي لجأت الحكومة التركية الاسلامية برئاسة طيب رجب اردوغان، للبحث عن دور اقليمي في المنطقة كوسيط بين الغرب والعرب، ربما على حساب مصر.

أدركت حماس التغيير وسارعت للتعلق بالقشة التركية بعد ان أوصلها التحالف مع ايران الى مزيد من العزلة الدولية والعربية وفقدان الشعبية داخل غزة بسبب الوضع المزري الذي يعيشه سكان القطاع. ولكن ما تريده حماس يختلف تماما عما تريده تركيا. فحماس تعلن ان رغبتها القضاء على إسرائيل، أما تركيا فكل ما تريده من إسرائيل هو الاعتراف بها كوسيط في المنطقة، كشرط لاستئناف العلاقات العسكرية والاستراتيجية معها. وكانت المحطة الاساسية في هذا التحول زمن حكومة ايهود اولمرت، عندما نجح اردوغان في تقريب وجهات النظر بين سورية وإسرائيل. ولكن بعد ان تمت الموافقة على بدء مفاوضات جدية، فوجئ الزعيم التركي بالغارة الإسرائيلية على غزة التي وضعت حدا للمجهود التركي وأحبطت المساعي لتحقيق إنجاز دبلوماسي كبير.

المواجهة الدموية التي وقعت على سفينة مرمرة، تعتبر بلا شك نكسة سياسية كبيرة لإسرائيل، ولكن لا يعني هذا أنها كانت بالضرورة نصرا كبيرا لحماس. فما يجري اليوم هو محاولة لرأب الصدع بين تركيا وإسرائيل، من خلال تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية بإشراف امريكي وتخفيف الحصار على غزة وليس رفعه تماما. ان موقف حماس الرافض للتعامل مع الشروط التي وضعها أمامها المجتمع الدولي يمنع أي تقدم نحو الانفراج باتجاه فك الحصار من جهة وحل المشاكل الداخلية مع السلطة الفلسطينية من جهة أخرى. إن المجتمع الدولي لا يريد ان يتحمل مسؤولية الكارثة الانسانية في غزة، ولكنه في نفس الوقت لا يريد تقوية حماس على حساب السلطة الفلسطينية.

المطلوب من إسرائيل تغيير حكومي

ان الغضب الدولي على إسرائيل ليس نابعا من فرضها الحصار على غزة، بل سببه رفضها المطلق التوصل لسلام عادل تقوم على أساسه دولة فلسطينية ذات سيادة. لقد أثبت الحصار على غزة فشله، لأن إسرائيل لا تقترح له بديلا. إسرائيل من جهة تتهم حماس بانها حركة ارهابية، ولكنها ترفض التقدم في العملية السلمية مع السلطة الفلسطينية بحجة عدم وجود شريك فلسطيني ذي مصداقية. ان هذه اللعبة الخطيرة التي تلعبها إسرائيل تقود لا محالة الى مزيد من سفك الدماء والمعاناة للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. ومن هنا فالنداء العالمي لفك الحصار ليس سوى ورقة ضغط قوية على إسرائيل لإجبارها على إحداث تغيير سياسي وإعادة تشكيل حكومة جديدة بدل الحكومة اليمينية التي ترفض التفاوض الجدي على قضايا النزاع الجوهرية وتصر على توسيع الاستيطان.

لقد أصبح التغيير السياسي في إسرائيل مطلبا أمريكيا أساسيا لدرجة أنه سبّب أزمة في العلاقات بين البلدين. ان تورط امريكا في العراق وأفغانستان وسعي اوباما لسحب قواته منهما جعلا حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين مصلحة امريكية من الدرجة الاولى. حسب الموقف الامريكي، سبب الغضب على امريكا في المنطقة نابع من انحيازها لإسرائيل التي ترفض انهاء الاحتلال، من هنا يستوجب كسب دعم الجماهير والحكومات الصديقة إحداث تغيير في السياسة الإسرائيلية وصولا الى حل نهائي مع الفلسطينيين.

لقد تحول الموقف الإسرائيلي الى عبء على امريكا التي بدأت تظهر عدم رضاها عن إسرائيل، سواء من خلال موافقتها على مشروع القرار المصري الذي طرح في مؤتمر الاسلحة الذرية في واشنطن، والذي يدعو إسرائيل لإقرار ميثاق عدم انتشار الاسلحة النووية وفتح مفاعلها للتفتيش.

لقد استخدم البيت الابيض الهجوم على قافلة الحرية لتكثيف الضغط على إسرائيل، وعبر أوباما عن استيائه من سلوك نتانياهو بإلغائه اللقاء الثنائي الذي كان مخططا لنفس اليوم الذي وقع فيه الهجوم. ومع ذلك، فموقف اوباما بعيد جدا عن ارضاء طموح الفلسطينيين، فهو لا يلتزم بأن يشمل الحل النهائي إزالة الاستيطان، الاعتراف بالسيادة الفلسطينية الكاملة، الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية ولا بحل عادل لقضية اللاجئين. اوباما كسابقيه من الزعماء الامريكيين، يتمسك بالتفوق الإسرائيلي في المنطقة وبالدعم المطلق للانظمة العربية الاستبدادية التي تقمع دون رحمة شعوبها.

الحل الفلسطيني وحال العرب

لم يعد الشعب الفلسطيني ضحية للاحتلال فحسب، بل أيضا للانقسام بين نظام السلطة المتواطئ والتابع لإسرائيل وامريكا من جهة، ونظام حماس المعتمد على ايران الأصولية المتطرفة. بذلك انضم الشعب الفلسطيني لمصير بقية الشعوب العربية التي ترزح منذ عقود طويلة تحت نير أنظمتها الاستبدادية سواء الإسلامية أو العميلة لأمريكا. في الوقت الذي تحرم فيه إسرائيل العمال الفلسطينيين من العمل وتتركهم فريسة البطالة والفقر، يتظاهر عمال مصر ورغيف الخبز بأيديهم أمام البرلمان المصري، مطالبين برفع اجورهم. اما في ايران فيقمع احمدي نجاد النقابات والمعارك النقابية ضد الخصخصة والبطالة. ان العمال هم ضحايا الحقيقيون لهذه الأنظمة التي تستخدم النزاع بين فلسطين وإسرائيل لتقوية نظامها وكغطاء لسياساتها القمعية تجاه شعوبها.

ان حل القضية الفلسطينية لن يكون إلا كجزء من حل عام لقضايا الطبقة العاملة العربية. ان التحول الديموقراطي في العالم العربي وإسقاط الأنظمة التي فقدت شرعيتها ومصداقيتها، هو مقدمة ضرورية لإسقاط الاحتلال والحصار. ان السند الحقيقي للشعب الفلسطيني ليس ايران ولا تركيا ولا مصر، بل الطبقة العاملة في كل هذه الدول التي تناضل من اجل حريتها النقابية والسياسية. لا حل للقضية الفلسطينية ضمن النظام الحالي، ولا يمكن للفلسطينيين ان يتحرروا من القمع ما دامت الشعوب العربية والطبقة العاملة خاضعة هي أيضا للقمع والبطالة والفقر.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__363/إجماع_دولي_ارفعوا_الحصار_عن_غزة
21.11.2017, 19:11