تاريخ النشر ١٢/٠٥/٢٠١٠

حزب دعم

حزب دعم : النظرية والعمل الجماهيري

يعقوب بن افرات

في اليسار يعقوب بن افرات، الامين العام لحزب دعم

ينعقد اليوم الدراسي الحالي للتعمق في القضايا النظرية التي تشكل اساس البرنامج السياسي لحزب دعم. لسنا بصدد عرض تقرير عام عن السيرة السياسية للحزب بل بمحاولة جادة لمقارنة بين ما قلنا وأكدنا في العقد الاخير والواقع السياسي والاجتماعي الحالي. فإذا ارادنا ان نفهم اكثر ما نقوله اليوم وبالأخص ما نفعله اليوم علينا ان نتعمق في الخط الذي يربط التطور السياسي للحزب الذي انتقل من الموقف الوطني الى الاممي. وفي الوقت ينضم الينا رفاق ونشيطين جدد لا بد لنا ان نساعدهم في فهم جذور وآفاق حزب دعم.

ان ما يجذب الجمهور وما يعجبه هو النتيجة الملموسة التي تحققت من خلال العمل الجماهيري ولا ينقص العمل والنتائج المشجعة التي تؤثر اكثر وأكثر على دوائر اوسع من الجمهور. لا شك ان راية العمل الجماهيري هي جمعية معا التي تحولت في السنة الاخيرة الى نقابة رسمية لها صفة تمثيلية امام الحكومة وأرباب العمل. ان المعركة النقابية في كسارة "سلعيت"، والمعركة الجماهيري دفاعا عن حقوق عمال سلطة الآثار، العمل من اجل تشكيل لجنة عمالية في كلية "مصرارة" والحملة الكبيرة من اجل تنظيم السائقي الشحنات وسعت من نفوذ معا وتجذب نشيطين جدد الى صفوفها ومن ثمة الى صفوف الحزب.

ان المشروع النسائي الذي يرتكز حول المرأة العاملة والعمل من اجل تمكين العاملة العربية قد اثار ردود فعل كثيرة في الاوساط الأكاديمية ومنظمات نسائية في الداخل والخارج. ان الحملة ضد البطالة بين النساء العربيات من اجل وقف استيراد العمال الاجانب لها نفوذ كبير على مستوى الاعلامي وقد اجبر المزارعين والحكومة على تبرير عملهم في الوقت الذي انضم الينا حلقة واسعة من منظمات، فعاليات، اعضاء كنيست الذين يعارضون المعاملة العنصرية تجاه العمال الاجانب ويتفهمون لأهمية تشغيل المرأة العربية كوسيلة لا بد منها من اجل تحررها من حالة القمع التي تتعرض لها داخل المجتمع العربي نفسه.

اذا اضافنا للعمل النقابي والنسائي العمل في صفوف الشباب في اطار المشروع "شباب من اجل التغيير الاجتماعي" الذي بدأ يؤثر هو ايضا على حلقة واسعة من مؤسسات ومجموعات شبابية التي تهتم بالتعاون بين الشباب اليهود والعرب نرى ان العمل النقابي لا يقف عند حقوق والعمال وتنظيمهم فقط بل هو محور لعمل اجتماعي على نطاق واسع يسعى الى بناء حركة يسارية عمالية تهدف الى التغيير الاجتماعي في بلاد.

ان والى جنب كل هذا العمل نجد جمعية "سنديانة الجليل" وهو مشروع للتجارة العادلة يتشكل من مصنع لتعليب الزيت والصابون في كفر قانا ، مركز للزوار في كفر مندا الذي ينتج الاعمال من القش، ومؤخرا قام بزرع 100 دونم من اراضي الروحة المتروكة من اجل احداث اكتفاء ذاتي بكل ما يتعلق مصادر اقتناع الزيت ومن ثمة اعادتها كأراضي مثمرة الى اصحابها. وقد يجذب هذا المشروع اهتمام كبير في صفوف فعاليات عديدة في المجال الفني، النسائي، التجارة العادلة، والتعاون بين العرب واليهود.

كما وقد انحزنا مكاسب كبيرة جدا في مجال الفن من خلال المعرض الفني السنوي "خبز وورود" الذي اصبح هذه السنة بالذات الى حادث مهم له اعتبار كبير في مجال المهتمين في الفن التشكيلي. والى جنب هذا المشروع فقد انجز مشروع "فيديو 48" فيلم وثائقي جديد حول مشروع "وسكونسين" الذي سيعرض في الفضائية الاسرائيلية yes وفي السينماتيك في حيفا في الاول من ايار. كما ونقوم اصدر من خلال ynet قصيدة ورسم اسبوعي في اطار "بيت الشعب" الذي يقوم في امسيات شعرية كل شهر في مركزنا في تل ابيب.

ان العامود الفقري لكل هذه العمل الجبار هو حزب دعم، ومن يقومون بكل هذا العمل ويتحملون المسؤولية الكبرى في ادارة كل المشاريع والمعارك النقابية هم اعضاء حزب دعم. ان الايدولوجيا الاشتراكية هي مثل المادة اللاصقة التي تربط بين كل هذه المشاريع وكل هذا النشاط الذي يهدف بالأساس في بناء حزب عمالي يساري وثوري. ان التغيير الاجتماعي ليس سوى نشاط سياسي ومن هنا فنقابة او جماهير دون عنوان سياسي لا يمكن ان تحدث التغيير التي تسعى اليه او ان تحافظ على انجازاتها النقابية وهذا ما تعلمناه من ثورة تاتشير وريغان في مطلع سنوات الثمانين من القرن الماضي والتي شطبت دور النقابات.

الاصلاح والثورة

وقد تأسس حزب دعم على خلفية انهيار المنظومة الاشتراكية وانتصار النظام الرأسمالي. وقد كان اول ثمار هذا الانتصار الحرب على شنت امريكا على العراق في سنة 1991 بدعم من كل الدول بما فيها روسية التي قامت بتصفية كل ملامح النظام السوفيتي السابق. وكنتيجة لهذا الانتصار دخلت منظمة التحرير الفلسطينية الى اتفاق مع اسرائيل وأقيمت على اساسه السلطة الفلسطينية في اجزاء متناثرة من الضفة الغربية وغزة. وقد دخل اليسار في العالم وفي معه اليسار الفلسطيني في محنة كبيرة جدا كان نتيجتها انشقاقات في الاحزاب الشيوعية وانشقاق كبير داخل اليسار الفلسطيني نفسه.

وكان التيار الجارف نحو قبول الهزيمة والتلاؤم معها وكان علينا ان نقرر ما العمل. هل نقبل بفشل النظرية الماركسية وبالتالي التخلي على البرنامج الاشتراكي الثوري مثل ما قام الاغلبية الساحقة من الاحزاب اليسارية في العالم وفي المنطقة العربية او ان نبقى مخلصين لموقفنا الثوري ولكن دون سند ودون حلفاء؟ هل علينا ان ندعم اتفاق اوسلو مثل ما قام بها الحزب الشيوعي الاسرائيلي و كل اليسار الاسرائيلي وبالتالي الدعم لحزب العمل لرئاسة الحكومة او ان نطرح موقف بديل، يعارض اوسلو ويكشف طبيعته الرأسمالية والاستعمارية؟

كل النشاط السياسي والنقابي الذي نشهده اليوم مشتق من هذا القرار المصيري والصعب للغاية الذي اخذنا على عتقنا. فما قررناه في حينه كان التمسك بالخط الثوري والرفض المطلق للنهج الاصلاحي الذي رأى في العولمة نظام ثابت لا يقبل التغيير وأمريكا قوى عظمى وحيدة لا يتحدها احد. ان التمسك بالخط الثوري لم يكن من منطلق العفوي وعدم الواقعية مثل ما اتهمونا كل هؤلاء الذين تخلوا عن الماركسية بل من خلال تحليل عميق للواقع الجديد الذي تبلور بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

وإذا كان موقفنا من الاول بان انهيار الاتحاد السوفيتي وهزيمة الحركة العمالية بالعالم لا يلغي التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي بل تضخم من خطورتها وان هذه التناقضات قد تؤدي الى ازمة كونية للنظام الرأسمالي برمته. هذا كان اعتقدنا قبل 16 عام من الآن في وقت لم تكن أي علامة على ارض التي تشير الى ازمة النظام بل بالعكس، ففي سنوات التسعين ازدهر النظام الرأسمالي واحتل رأس المال الاسواق العالمية دون معارضة او مواجهة. ومع ذلك التناقض الرئيس بين رأس المال والعمل من ناحية والمشاكل الداخلية التي تعاني منها النظام الرأسمالي واعتماده على المضاربة في البورصة اكثر من الاستثمار المنتج قد ادى الى ان نصل الى نتيجة بان ما قاله ماركس حول النظام الرأسمالي بقى امر صحيح.

ولكن ومع ان حددنا بشكل عام بان لا بد للنظام الرأسمالي ان يدخل في ازمة كونية تفتح من جديد الباب للعمل الثوري على اساس الاشتراكي بديل للنظام الحالي قد قمنا بتنبؤ ورهان جديد بدأ يكشف صحته في ايامنا هذه بالذات. فقد اكدنا ان الازمة الاقتصادية الكبيرة ستضرب في المراكز الصناعية الكبرى وبان انتعاش الحركة العمالية الثورية لن تحدث الا من خلال انتعاش الحركة العمالية بالمراكز الرأسمالية ذاتها وعلى رأسها الولايات المتحدة نفسها.
جاء هذا الموقف بعد ان حللنا وباسهاب وضع حركات التحرر الوطني وتحديدا الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت المحرك الثوري منذ الثورة الصينية في سنة 1949 وانتهت باتفاق اوسلو 1993.

ان في منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الاتحاد السوفيتي توسعت الاشتراكية حتى احتلت اغلبية سكان المعمورة وفي كل الكرات، اسيا، افريقية وأمريكا الاتينية، وقد ساد الاعتقاد بان الطبقة العاملة في اوروبا وأمريكا قد اصبحت جزء من النظام الرأسمالي وفقدت كل صفة ثورية بينما اصبحت دول "الاطراف" محرك اساسي للاشتراكية وكانت فيتنام، اثيوبية، اليمن الجنوبي، وكوبا اكبر دليل على ذلك. الا ان عندما اختفى الاتحاد السوفيتي لم يبقى في الاطراف سوى تخلف، حروب اهلية والعودة الى ايام ما قبل الاستعمار.

ومن هنا وصلنا لاستنتاج بان المرحلة الثورية القادمة لن تبدأ في الاطراف بل من بطن النظام الرأسمالي نسفه، وهذا اعتمادا على ماركس نفسه الذي قد توقع بان تحدث الثورة الاشتراكية نتيجة لبلوغ الرأسمالية كامل تطورها وبالتالي تفتح المجال امام النظام الاشتراكي الجديد. ان ما حدث في العالم الثالث من ثورات كان "انحراف" معين من النظرية الماركسية ولكن التفسير لها كان في وجود قوى عظمى مثل الاتحاد السوفيتي الذي كان له موقف الردع امام الامبريالية الامريكية. وقد اكدنا بان ماركس لم يكن مخطئا بل حدد الظروف الموضوعية الدقيقة التي تسمح نشؤ الحركة العمالية الثورية وكان من ناحيتنا مثابة العودة الى اصول الماركسية.

وكان الاستنتاج القاطع بكل ما يتعلق الحل للقضية الفلسطينية بان في الظروف الدولية الجديدة، والسيطرة المطلقة للنظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة على العالم لا تسمح الوصول الى حل عادل يضمن اقامة دولة فلسطينية مستقلة وذو سيادة في حدود 67. ان هذا الموقف يفترض بان البرنامج المستند على تقسيم فلسطين الى دولتين فقد الآلية السياسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومن هنا فشعار "الدولتين" ليس سوى مطلب معنوي ينادي لإنهاء الاحتلال ولكن لا ينفي بتاتا حل مستقبلي على اساس دولة واحدة للشعبين. وقد اثبتت الاحداث في العقد الاخير تارة عن طريق المقاومة المسلحة وتارة اخرى عن مفاوضات عبثية صحة هذا الاعتقاد. ان وبنسبة لحزب دعم الحل للقضية الفلسطينية سيكون من خلال تغيير النظام العالمي الحالي وفي سياق تسوية كل النزاعات القومية والفجوات الجمة بين الدول الفقيرة والغنية ضمن نظام عالمي اشتراكي جديد.

التوجه للطبقة العاملة

ان ومن اجل الوصول الى النظام الاشتراكي كان لا بد للحركة العمالية ان تبدأ في عملية اعادة البناء. ان وبعد ان افلست حركة التحرر الوطني كان لا بد من ايجاد اسس جديدة لهذا البناء. ان الاعتقاد السائد حتى اليوم هو ان الحل للقضية الفلسطينية ممكن من خلال "الوحدة" التي اصبحت مع الوقت اسطورة اكثر من هدف ممكن تحقيقه. فما تبين منذ ان اختلت موازين القوى لصالح الرأسمالية هو ان الوحدة الشعبية لم تكن سوى شكلية لانه يوجد فرق شاسع بين مصلحة العمال والفلاحين وبين البرجوازية الفلسطينية. كما واتضح بان الطبقة الوسطى الفلسطينية انقسمت الى تيارات قومية و دينية ومن هنا فالانقسام العميق اصبح واقع ثابت بدل الوحدة الوهمية.

وإذا افترض الحل الجذري للقضية الفلسطينية تغيير في النظام العالمي وإذا افترضنا بان لا يوجد بديل للرأسمالية سوى الاشتراكية التي تستبدل الامتلاك الخاص بالملك العام والسوق الحرة بالاقتصاد المبرمج كأساس للنظام الاقتصادي والاجتماعي فالقوى الاجتماعية الوحيدة التي من الممكن ان تقود مثل هذا التغيير الجذري هي الطبقة العاملة المنظمة في نقاباتها وأحزابها الثورية. وكان من الطبيعي ان نسعى لإعادة بناء الحركة وطنية على اسس جديدة من خلال تنظيم الطبقة العاملة الفلسطينية لكي تصبح قوى اجتماعية مؤثرة لها القدرة والبرنامج الصحيح لمواجهة الاحتلال بعيدة عن التطرف الديني من ناحية والاستسلام الكامل من ناحية اخرى.

وقد بدأت المسيرة الطويلة لحزب دعم في سعيه لتنظيم وتثقيف الطبقة العاملة العربية في اسرائيل وبادر بإنشاء اول جمعية نقابية مستقلة في الاول من ايار 1998 في مدينة الناصرة. وقد مرنا تجارب كثيرة منذ ان بدأنا في تنظيم العاطلين عن العمل في منطقة الناصرة ومن بعده الانتقال الى احداث اماكن عمل للعمال البناء من خلال معركة كبيرة ضد استيراد عمال اجانب ومن اجل تشغيل العمال العرب بشكل مباشر من قبل الشريكات وبكامل الحقوق. وحتى اذا نجحنا وبشكل جزئي في تحقيق الاهداف الا ان كانت هذه الانجازات مؤقتة وفضفضة للغاية.

وقد اكتشفنا من خلال التجربة الطويلة اذا كان في مكافحة مشروع وسكوسين، او احداث اماكن عمل في البناء، او تشغيل الشباب في المطاعم والفنادق او النساء في الزراعة بان ورغم كل جهودنا بتثقيف هؤلاء العمل وتمكينهم في المجال النقابي غير ان الوعي الضيق سيطر على عقولهم ولم يتغلبوا على النظرة الشخصية الانانية الضيقة. وقد عبر نفسه هذه النقص في الوعي العمالي وقت الانتخابات عندما امتنعوا هؤلاء العمال من التصويت لحزب دعم من قلة الفهم لأهمية ودور هذا الحزب في تغيير حياتهم وإخراجهم من وضع الاحباط الفقر والتمييز الذي يعانون منهم.

ان المحاولة لتنظيم الطبقة العاملة الفلسطينية في اسرائيل نبعت من الوضع السياسي التي قسم الطبقة العاملة في اسرائيل الى قسمين، العمال اليهود الذين يتمتعون بكامل الحقوق المدنية والنقابية والعمال العرب الذين يعانون من تمييز في حقوقهم كمواطنين في الدولة وكعمال. ومن هنا فان الوعي الطبقي والسياسي للعمال العرب كان من المفترض ان يكون اكثر متطور، في الوقت الذي دعم العمال اليهود بأغلبيتهم من اصل شرقي حزب الليكود اليميني انتقاما بحزب العمل "الاشتكنازي" والذي ميّز ضدهم.

غير ان التطورات الاقتصادية التي بدأت في التسعينات كانت لها تأثير كبير على المجتمع الاسرائيلي ككل. وإذا ادى ادخال العمال الاجانب الى طرد عمال المناطق المحتلة وخلق البطالة عند العمال العرب في اسرائيل فكان له تأثير خطير على العمال اليهود أيضا حتى ادى الى انخفاض ملحوظ في مستوى الاجور بشكل عام. ان التحول الكبير في الاقتصاد الاسرائيلي اختصر بأمرين اساسين، من ناحية خصخصة الاقتصاد ونقله الى ايدي حلقة ضيقة من العائلات الغنية وبشكل تلقائي ضرب دور الهستدروت والعمل المنظم.

ان وعلى ارض الواقع كان تقارب بوضع العمال العرب واليهود عندما اصبح الحد الادنى من الاجور الى مقياس في كل مجالات الصناعة والخدامات، ان السواق، والعامل في المصنع او في المطعم او شركة التنظيف يقبضون نفس الراتب. وقد تعاني الطبقة العاملة بشكل عام يهودية كانت او عربية من ظروف استغلال بشعة بسبب عدم وجود تنظيم نقابي يضمن حقوقها. ورغم هذا التقرب في وضع العمال واليهود والعرب بقى الانقسام على اساس الانتماء القومي، فالعامل اليهودي احتفظ على وطنيته في الوقت الذي استمر العامل العربي في الدعم للتيار القومي الديني. وهذا الانقسام يضعف الطبقة العاملة ويقوى من غطرسة البرجوازية الحاكمة التي قد استولت على السياسيين وبالأخص على وزارة المالية التي تتمتع بتأثير كبير في الحكومة.

وقد ادى هذا التحول الاقتصادي نحو اقتصاد السوق الحرة او "راس المال الخنزيري" الى انقتسم طبقي عميق داخل المجتمع الاسرائيلي والى زعزع المبادئ الاساسية مثل التضامن بين كل السكان اليهود، او المساواة، والخدمة في الجيش وبسبب الفضائح والفساد الى زعزع الثقة في الطبقة الحاكمة من احزاب، فعاليات اقتصادية وحتى الهستدروت نفسها. ان هذا الشرخ في الاجماع الوطني سمح لحزب دعم التوجه للمجتمع الاسرائيلي على اساس جديد وقد استبدلنا النهج الوطني بالأممي وهذا طبقا لموقفنا من القومية في العهد الجديد ومن الاشتراكية كجواب للنظام الاقتصادي الجديد التي تم تطبيقه في اسرائيل حسب النموذج الامريكي.

ان الانقسام القومي يضعف الطبقة العاملة وادى الى الوضع المزري الذي نحن بصدده. ان المشغل لا يهتم بقومية العامل، صيني كان او عربي او يهودي فكل ما يهمه هو ان ينتج اكثر بمعاش اقل ان يعمل ساعات طويلة وان يتنازل عن حقوقه الاجتماعية. الاستغلال الذي يبدأ بالعامل الاجنبي، ينتقل الى العربي ويصل حتى العامل اليهودي. اذا لن يتمكنوا العمال من رص صفوفهم لا امكانية لهم ان يناضلوا من اجل حقوقهم.

لا شك ان للوحدة العمالية مدلولاتها السياسية، ان الوحدة بين العمال اليهود والعرب يفترض الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق المدنية للعمال العرب. ان التضامن العمالي يفترض ايضا الدفاع عن حقوق العمال الفلسطينيين وحقهم الاساسي في العمل. ان مصلحة الطبقة العاملة هو بناء مجتمع جديد على اساس العدالة الاجتماعية ومن هنا فالسلام على اساس انهاء الاحتلال هو شرط لا بد منه من اجل التغيير الاجتماعي. ان العدو الحقيقي للطبقة العاملة هي الطبقة الحاكمة وليس العمال الفلسطينيين الذين يريدون نفس المستقبل مثل بقية الطبقة العاملة في العالم كله. ان دور حزب دعم هو تثقيف وتأطير العمال الواعيين لكي يكونوا طليعة وقيادة للطبقة العاملة ككل.

ازمة الاقتصاد الحالي والاشتراكية

الازمة الاقتصادية التي بدأت في صيف 2008 ادت الى ازمة سياسية واجتماعية عميقة في الولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية في اوروبا واليابان. ان هذه الازمة لم تحدث من قبيل الصدفة بل هي نتيجة مباشرة لطبيعة النهج الاقتصادي الذي فرضه الحزب الجمهوري على امريكا قبل 30 سنة وانتشر الى العالم برمته بما فيه اسرائيل والدول العربية المجاورة. هذا النهج الجديد حرر رأس المال من كل قيوده، منح له حرية التنقل والاستثمار الحر في كل انحاء العالم. وكان النتيجة واضحة المعالم، من ناحية انتقل الانتاج من الدول الصناعية الى الصين وشرق آسيا بسبب اليد العاملة الرخيصة في الوقت الذي اصبح المداولة في الاوراق المالية والاستثمار في المجال العقاري الى اسهل طريقة للحصول على الربح من ناحية اخرى.

وقد خلق هذا النهج الجديد خلل كبير في التوازن الاجتماعي وادى الى ازمات دورية تتعمق مع تمركز رأس المال في ايدي قلة قليلة جدا من البنوك وشريكات الاستثمار. ان الخطر الكبير على النظام الديموقراطي هي ظاهرة البطالة وهذا كانت من اهم العبر التي تبنتها الطبقة الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية. ان نمو الفاشية جاء نتيجة لفقدان الناس الثقة بالنظام الديموقراطي الذي سمح لرأس المال ان يتصرف بالاقتصاد بشكل مغامر ودون الاكتراث برفاهية المجتمع. ومن هنا فقد تبنت الدول الصناعية كلها نهج دولة الرفاه التي كان وظيفتها الاساسية ضمان العمل ومنع البطالة.

واليوم وبعد ان تنكر رأس المال من كل عبر الماضي ووظف الاقتصاد، الدولة والسياسة من اجل تضخيم ارباحه وسيطرته الكاملة على المجتمع وبسبب الازمة العميقة التي ادت الى فقدان 7 مليون مكان عمل في امريكا والإفلاس في عديد من المؤسسات المالية يطرح من جديد نهج دولة الرفاه لإعادة التوازن الاجتماعي وبالتالي ثقة الجمهور بالمؤسسات الديموقراطية من برلمان، حكومة ومحاكم. وقد احتد النقاش بين مؤيدي تدخل الدولة من اجل انقاذ الاقتصاد ومؤيدي نهج السوق الحرة في الولايات المتحدة تحديدا وكان شعار اوباما "نعم نحن نستطيع" مثابة وعد بالانقلاب على وول ستريت وإعادة دولة الرفاه ومعها العدالة والتوازن الاجتماعي.

كان واضح لنا من الاول بان انتزاع الحكم المطلق من ايدي الطبقة الرأسمالية الحاكمة سيتطلب نوع من الحرب الاهلية، فالفوز بمنصب رئيسا للولايات المتحدة لا يكفي بل يطلب فتح جبهة سياسية عريضة واتخاذ تدابير ادارية صارمة تعيد الطبقة الحاكمة الى المربع الاول أي الى القبول باقتصاد موظف لصالح المجتمع ككل وليس لأرباح راس المال فقط. ان العامل المقرر الذي سمح للرئيس روزفيلت بتنفيذ الاصلاحات الاجتماعية وفي مقدمته قانون التأمين الوطني كان وجود حركة جماهيرية نشطة من خلال النقابات وبقيادة الحزب الشيوعي الامريكي. اما اوباما فامتنع من اللجوء الى الشارع وركن على رموز ومندوبي رأس المال مما اكد ان ورغم كل وعوده فلن يتمكن من تحقيق "التغيير".

عدم نجاح اوباما في الوفاء بما وعد جلب الاحباط واليأس من جديد في صفوف الشرائح التي منحت له الفوز، وفي المقابل نمت بشكل تلقائي الحركة الشعبية اليمينية المتمثلة بما يسمى "حفلة الشاي" والتي تجمع كل العناصر المحافظة في البلاد، اغلبيتها من البيض الذين يريدون الغاء البنك الفدرالي، دور الحكومة، عدم دفع الضرائب، السماح بحمل السلاح وغيرها من الاقتراحات لها روائح فاشية فهي عنصرية وتحرض ايضا ضد لون جلد الرئيس نفسه. وقد حذر حزب دعم في الوثائق وفي الايام الدراسة السابقة من خطر الفاشية وتم التعرف ونقاش هذه الظاهرة الخطيرة التي تظهر في ايام الضيقة الاجتماعية، اليأس والإحباط من الدولة، البنوك، الكونغرس وكل من يشكل رمز للنظام الديموقراطي.

ان وأمام ظهور الفاشية لا بد للطبقة العالمة وكل من يريد الديموقراطية والعدالة الاجتماعية ان يطرح برنامج بديل. هذا هو السبب الذي دفع بنا لطرح برنامجنا وتجنيد العمال اليهود والعرب على اسس برنامج جديد. لقد اثبت النظام الرأسمالي على طول تاريخه المعاصر وعلى امتداد القرن العشرين بان ليس في استطاعه ضمان الاستقرار الاجتماعي والرفاهية للمجتمع ككل. انه نظام الذي يخرق التوازن الاجتماعي ويخلق ازمات تقود الى الفاشية والحرب. ان الضمان الوحيد للاستقرار الاجتماعي، الديموقراطية الحقيقية والشاملة والعدالة الاجتماعية هو نقل الموارد الاقتصادي من ايدي القلة القليلة الحاكمة الى ايدي المجتمع المتمثل بالدولة الاشتراكية التي تدير الاقتصاد لصالح كل مواطنيها.

وقد نقشنا العبر من تجربة الاتحاد السوفيتي ودولة الديكتاتورية البروليتارية المبنية على الحزب الواحد وتوصلنا الى استنتاج واضح بان اذا اراد النظام الاشتراكي ان يدوم عليه ان يكون ديموقراطي وان لا توجد ديموقراطية دون تعدد الاحزاب. ان السبب الاساسي لفشل التجربة السوفيتية لم تكن حسب اعتقدنا اقتصاد الدولة المبرمج بل النظام السياسي الذي سمح الفساد، قمع كل معارضة ومنع حرية الابداع. ومع ذلك النموذج الرأسمالي الذي اعتبر "العاطل الافضل او اهون الشرّين" يقود الى حرب اهلية وسقوط الحضارة ككل. ان النظام الاشتراكي يطرح نموذج يسمح للقوى المنتجة كامل تطورها ويستبدل الربح برفاهية الانسان كمحرك اساسي للانتاج.

مع تعمق الازمة الحالية التي من الممكن ان تستغرق حقبة تاريخية كاملة سيظهر البرنامج الاشتراكي من جديد كبديل للفوضى السياسية والاجتماعية الحالية. ان ما نقوم اليوم بحزب دعم من التعرف على الاسس النظرية الماركسية والعمل الميداني مربوط بشكل عضوي بقناعتنا الراسخة بانتعاش الحركة العمالية والبرنامج الاشتراكي. ان العمل على تنظيم العمال العرب واليهود نقابيا وطرح نقابة بديلة لا منطق له ولا اساس له سوى كجزء من العمل من اجل تحقيق الهدف الاستراتيجي في التغيير الاجتماعي وبناء مجتمع اشراكي بديل. ان كل المبادرات والتضحية التي يتميز فيه حزب دعم نابعة من طبيعته الثورية والإدراك العميق بان التغيير ليس ممكنا فقط بل سيحدث اذا ارادت الانسانية الحياة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__361/حزب_دعم_النظرية_والعمل_الجماهيري
23.11.2017, 16:11