تاريخ النشر ١٧/٠٤/٢٠١٠

شؤون دولية

اوباما والتسوية القسرية

يعقوب بن افرات

في اللقاء الاخير الذي انعقد بين نتانياهو واوباما في 25 آذار، طُلب من رئيس الحكومة الاسرائيلي تقديم وثيقة مكتوبة تشمل ردود اسرائيل على سلسلة من المطالب الامريكية بشأن استمرار البناء في المستوطنات وشرقي القدس. منذ ذلك الوقت دخلت العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة الى ازمة حادة، وحتى الآن لم يبلور المجلس الحكومي السياسي-الامني في اسرائيل ردوده للمطالب الامريكية. على هذه الخلفية قرر نتانياهو عدم المشاركة في قمة واشنطن النووية التي عقدها اوباما اواسط نيسان، وذلك كيلا يعرّض نفسه للمزيد من الإحراج. ويبدو من ذلك ان الجمود بات مزدوجا: ليس فقط على صعيد المفاوضات مع الفلسطينيين، بل على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة ايضا.

على ضوء هذا الوضع، نشرت صحيفة الواشنطن بوست مقالين بفارق اسبوع واحد بينهما، حول تفكير البيت الابيض الجاد في الاعلان الاحادي الجانب عن خطة سلام امريكية. المعلق ديفيد ايغناتيوس كتب في احد المقالين ان في 24 آذار أي عشية اللقاء الفاشل بين نتانياهو واوباما، ان مستشار الامن القومي، الجنرال جيم جونز جمع ستة من مستشاري الامن القومي السابقين، من زمن الرؤساء فورد، كارتر، ريغان، بوش الاب وكلينتون، لبحث قضية التسوية في الشرق الاوسط. حسب المعلق، دخل اوباما الغرفة وسأل الملتئمين عن آرائهم بالنسبة للتسوية. برنت سكوكروفت، مستشار الزعيمين فورد وبوش الاب، اكد على ضرورة اعلان اوباما عن خطة سلام خاصة به.

يتضح من المقال ان اوباما يسعى لخلق اكبر اجماع ممكن، يشمل الديمقراطيين والجمهوريين، الامناء على المصالح الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، وذلك حول تسوية النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين.

المقال الثاني الذي نشر في الواشنطن بوست، هو للمستشار زمن الرئيس كارتر، زبيجنيف بجيجنسكي، والذي كان أحد ابرز المشاركين في الاجتماع المذكور. توجه بجيجنسكي الى اوباما عبر الصحيفة، وطلب منه عدم الاكتفاء بالاعلان عن خطة السلام، بل زيارة القدس ورام الله، ومن ثم الاعلان عن الخطة في مؤتمر خاص يعقد في البلدة القديمة بالقدس. ويضيف المستشار انه في حال رفضت اسرائيل الخطة، سيكون على اوباما عرض خطته على مجلس الامن التابع للامم المتحدة، لاعطائها صبغة ملزمة.

يعتمد المشاركون في الاجتماع الهام على الادعاء بان العناصر الاساسية في خطة السلام معروفة منذ سنوات، وتشمل اربع نقاط: على الفلسطينيين التنازل عن حق العودة الى داخل الحدود الاسرائيلية، والقبول بالتعويض؛ على اسرائيل القبول بان تكون القدس الشرقية عاصمة فلسطين؛ على الدولة الفلسطينية ان تكون منزوعة السلاح؛ وان يتم رسم الحدود على اساس تبادل الاراضي، على نحو يضم الكتل الاستيطانية لاسرائيل. كما يعتمد المستشارون الامريكيون على حقيقة ان حكومتي براك واولمرت قبلتا بهذه الخطوط العامة، ومن هنا فرفض نتانياهو للخطة سيكون لاعتبارات ايديولوجية لا عملية.

حسب الرؤية الامريكية الجديدة، سيشكل رفض اسرائيل للخطة ضربة للمصالح الاستراتيجية الحيوية للولايات المتحدة. تنطلق هذه النظرة من الاعتقاد بان الطريق للجم النفوذ الايراني في الشرق الاوسط، يمر عبر التوصل لسلام بين اسرائيل والفلسطينيين.

الولايات المتحدة متورطة في حربين ضروسين في العراق وافغانستان، وكلاهما متاخمتان لايران. في كلا الجبهتين تفقد امريكا جنودها، ولكن حربها ضد الاسلام الراديكالي تواجه صعوبات بسبب اهتزاز مصداقيتها النابع من دعمها اللامشروط لاسرائيل. حلفاء امريكا المركزيون في المنطقة، وعلى رأسهم السعودية ومصر، يواجهون رأيا عاما عدائيا بسبب تعاونهم مع الامريكان، الامر الذي يزيد من نفوذ ايران وحماس. ومن هنا، ترى امريكا ان على اسرائيل ان تعيد النظر في موقفها، وملاءمة نفسها للاستراتيجية الامريكية التي تأتي في نهاية المطاف لخدمة المصلحة الوجودية لدولة اسرائيل.

عراقيل اسرائيلية وفلسطينية

لأول وهلة تبدو المطالب الامريكية واقعية. امريكا هي التي تضحي بجنودها في الحرب ضد الاسلام المتطرف، بينما المطلوب من اسرائيل ليس صعبا بشكل خاص، علما ان حكومتين سابقتين وافقتا على عناصر الخطة، وجزء كبير من الاسرائيليين مستعد لقبولها. ولكن من جهة اخرى، كلا الزعيمين الاسرائيليين اللذين قبلا الخطة، فقدا الحكم وتقلص نفوذهما، في حين قويت شوكة اليمين الذي يتمتع بأغلبية ثابتة في الكنيست.

علاوة على ذلك، خطة اوباما تتطلب تغييرا في تركيبة الائتلاف الحكومي، الامر الذي يفرض على نتانياهو التخلي عن شركائه من اليمين وادخال حزب كديما للحكومة. هذا ايضا لا يعتبر مهمة صعبة، خاصة ان سلامة الائتلاف متعلقة برجل واحد، هو رئيس حزب العمل ووزير الدفاع، ايهود براك، وهو موافق مبدئيا على الخطة الامريكية.

غير ان براك لا يلمح الى نيته ترك الحكومة في المستقبل القريب، او التنازل عن منصبه كوزير للدفاع. براك لا يزال يعيش صدمة كامب ديفيد، تلك المحاولة الفاشلة من عام 2000 التي كلفته مستقبله السياسي وحولته الى رهينة لرحمة احد الحزبين الكبيرين، الليكود وكديما. براك يشعر انه تنازل للفلسطينيين في كامب ديفيد عن "كل شيء"، ومع هذا تلقى منهم الرفض والانتفاضة المسلحة، هذا في حين قام شريكه حينها ياسر عرفات بتأجيج النيران. منذ ذلك الوقت وبراك يتفق مع نتانياهو على الاعتقاد بعدم وجود شريك حقيقي لصنع السلام في الجانب الفلسطيني، وان ابو مازن زعيم ضعيف.

وما يزيد من الشكوك الاسرائيلية في امكانيات الحل، هو ان الانسحاب الاحادي الجانب عن غزة بقيادة اريئل شارون، الذي تم على اساس الاعتقاد بعدم وجود شريك، هو ايضا انتهى بنتائج وخيمة. فقد قادت العملية لانقلاب حماس على السلطة، وجرت اسرائيل الى الحرب على غزة.

خطة اوباما لا تقتصر على اقتراح تسوية للنزاع مع الفلسطينيين، بل تعني عمليا دخول اسرائيل في حرب اهلية مع المستوطنين. حسب الخطة سيكون من المطلوب اخلاء 60 الف مستوطن من الضفة الغربية. وهؤلاء لا يشكلون الهوامش المتطرفة للمجتمع الاسرائيلي، بل هم جزء لا يتجزأ منه. هؤلاء المستوطنون مجندون للخدمة العسكرية في الوحدات القتالية، هذا في حين ان مصوّتي حزب العمل وكديما، من مواطني تل ابيب، يفضلون عدم التجند اطلاقا.

بسبب هذا الخوف من الدخول في مواجهة مع المستوطنين، فان موافقة الحكومات الاسرائيلية السابقة على عناصر التسوية، تبقى نظرية فحسب. قد يكون هذا سبب في قيام حكومة اولمرت بإضاعة عامين كاملين في مفاوضات عبثية عقيمة، بهدف الوصول ل"مشروع اتفاق" قد يتم تنفيذه في المستقبل المجهول، وفي نفس الوقت واصلت البناء في المستوطنات، بدعم امريكي.

ولا يقف الواقع السياسي الاسرائيلي وحده عقبة في طريق اوباما، بل الواقع السياسي الفلسطيني ايضا. خطة النقاط الاربع التي يقترحها بجيجنسكي لا يمكن ان تحظى باجماع فلسطيني، ومن شأنها ان تعمق الحرب الاهلية بين فتح وحماس. وليس هذا فقط بسبب التنازل عن لب القضية الفلسطينية، أي حق العودة، بل بسبب طبيعة الدولة الفلسطينية العتيدة.

عدم الاستقرار السلطوي في مناطق السلطة الفلسطينية نابع من الواقع السياسي والاقتصادي الذي تشكّل منذ اقامة السلطة عام 1994. صعود حماس كان نتيجة للهبوط الحاد في مستوى معيشة المواطنين الفلسطينيين وانتشار الفقر والبطالة على خلفية فرض الطوق على المناطق المحتلة، هذا في حين استشرى الفساد في اجهزة السلطة المختلفة واغتنى عناصرها.

خطة اوباما لا تقدم حلولا لتغيير هذا الوضع، ولكنها ستضمن قيام دولة فلسطينية تكون استمرارا مباشرا للسلطة الفلسطينية الحالية مع توسيع مناطق أ، وان يتم ضم الكتل الاستيطانية و"القدس الكبرى" لاسرائيل على نحو يقطع اوصال الضفة الغربية بين شمال وجنوب.

الوضع في غزة يجعل من المستحيل الوصول الى تسوية، بسبب الغموض بشأن مستقبل القطاع، وهناك سؤال من سيأخذ من حماس الحكم ويعيده للسلطة الفلسطينية؟ كما ان هناك غموض بالنسبة لنتائج الانتخابات القادمة، اذ من سيضمن الا تفوز بها حماس التي ترفض الاعتراف باسرائيل والاتفاقات الموقعة معها. لا احد يملك اجوبة واضحة لهذه الاسئلة الصعبة.

سقوط الامبراطورية

هناك اسئلة اخرى لا تقل صعوبة تعترض اوباما. فالرئيس الامريكي يحاول المناورة بين الموقف البراغماتي الليبرالي المغاير للسياسة العدوانية التي اتبعها بوش، وبين تمسكه بالهيمنة الامريكية على العالم. صعوبات اوباما لا تقتصر على الشرق الاوسط فحسب، بل هو يعاني من مشاكل مشابهة في افغانستان. حليفه، الرئيس حميد كرزاي، متهم بالفساد وتزوير الانتخابات الاخيرة، الامر الذي يجعل القضاء على طالبان مهمة مستحيلة. اما في العراق، فقد ادى اسقاط صدام حسين الى ازدياد نفوذ ايران، وقد نجحت العناصر الشيعية الاصولية من زيادة قوتها في الانتخابات الاخيرة في العراق. الولايات المتحدة متورطة تماما، الامر الذي يمس بمصداقية اوباما عندما يطالب اسرائيل بوقف الاستيطان والتوصل الى تسوية.

ولكن لاسرائيل ايضا مشكلة مصداقية. 43 عاما من الاحتلال الغاصب قضت على ثقة العرب بامريكا واسرائيل، وبات اي اقتراح للحل يأتي من طرف هاتين الدولتين يثير الشكوك في صدق النوايا. اذ كيف يمكن الحديث عن سلام مع الاسلام، وفي نفس الوقت يتواجد مئة الف جندي امريكي في افغانستان ويتواصل احتلال العراق؟ كيف يمكن الحديث عن سلام مع الفلسطينيين، في حين حوّل الحصار على غزة والجدار الفاصل المناطق المحتلة الى سجن كبير؟ اذا كانت الولايات المتحدة معنية بالسلام في المنطقة، فعليها اولا تغيير سياستها، والتنازل عن هيمنتها وتسلطها على العالم. عليها ان تشكل نموذجا للاحتذاء به، والخروج من العراق وافغانستان، والتوقف عن فرض سلام فياض على الشعب الفلسطيني كرئيس للحكومة.

ان أي تسوية سلمية لا تسمح بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة ككل الدول في المنطقة، ذات جيش وشرطة، ذات اقتصاد مستقل وحرية اقامة علاقات اقتصادية وسياسية كاملة، يكون لها عملة خاصة بها، حرية الوصول الى العالم العربي واسرائيل، دون روابط امنية لاجهزة الامن الاسرائيلي – اذا لم تتوفر هذه العناصر، فلن تكون التسوية ذات قيمة، وستنتهي للمصير الذي آل اليه اتفاق اوسلو.

خطة اوباما عمليا هي اقتراح لتوسيع منطقة نفوذ السلطة الفلسطينية، بمعنى تكريس الوضع القائم، لذلك ليس من المنظور ان تخرج خطته الى حيز التنفيذ. وليس هذا بسبب رفض حكومة اسرائيل اليمينية المتطرفة للخطة فحسب، بل ايضا لان الفلسطينيين سئموا من نظام الفساد الذي تديره السلطة الفلسطينية، ويطمحون الى حياة يسودها السلام والرفاه الاقتصادي كغيرهم من الشعوب. وهذا امر لا تضمنه خطة اوباما.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__359
18.11.2017, 15:11