تاريخ النشر ١٤/٠٤/٢٠١٠

شؤون اسرائيلية

الأزمة بين إسرائيل والولايات المتّحدة

تعثّر الحلف الإستراتيجي

يعقوب بن افرات

تشهد العلاقات الاسرائيلية الامريكية ازمة غير مسبوقة بحدّتها حول الموقف من انهاء النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، خاصة على خلفية تعنت الحكومة الاسرائيلية عن وقف الاستيطان في القدس الشرقية. وقد وصلت الامور الى حد امتناع رئيس الحكومة الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو عن المشاركة في مؤتمر واشنطن لنزع السلاح النووي الذي انعقد في 13 نيسان. يعوّل البعض على ان تؤدي الازمة بين الطرفين لإنصاف الجانب الفلسطيني، فهل للاعتقاد ما يستند عليه، وما الذي يقف في صلب النقاش بين الحليفين الاستراتيجيين؟

كلا الزعيمين، بيبي نتنياهو وبراك أوباما، بدآ فترة حكمهما في نفس الوقت، في بداية سنة 2009، ومنذ ذلك الحين تحوّلا إلى خصمين. مع انتخابه الذي تم بفضل دعم شعبي هائل، توجّه أوباما الى اليسار، وطرح أجندة اقتصادية وسياسية جديدة تعتمد على الإصلاح في الجهاز الصحّي على المستوى الداخلي، والانسحاب من العراق الذي شكّل تحوّلاً جوهريًا في السياسة الخارجية الأمريكية. وفي حين وصل أوباما إلى سدّة الحكم كمعارض لسياسات بوش، انتُخب نتنياهو على أساس الدعم الشعبي لاستمرار سياسته المحافظة داخليا وخارجيا، خاصّة في كلّ ما يتعلّق بالجمود في عملية السلام مع الفلسطينيين. وإذا كان أوباما يمثّل الجانب اليساري في حزبه الديمقراطي، فإنّ نتنياهو هو مؤيّد متحمّس للجانب المحافظ للحزب الجمهوري الامريكي.

رغم الآمال الكبيرة التي علّقها الجمهور على أوباما، الا انه كما يبدو يواجه ورطة كبيرة. فرغم تصريحاته اللاذعة اثناء الحملة الانتخابية لليمين الامريكي، الا انه أضاع سنة كاملة من ولايته في محاولات يائسة لمصالحة الجمهوريين، وذلك سعيا لضمان وحدة حزبه اولا وللوصول الى إجماع سياسي مع الجمهوريين في الكونغرس. هذا التوجه التوفيقي ذاته ميّز علاقاته مع نتنياهو ايضا. فقد سعى للتوصّل إلى تفاهم مع رئيس الوزراء الاسرائيلي، ولكن دون جدوى. بالنسبة للولايات المتحدة إسرائيل هي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" وهي الحليفة الطبيعية لها، ولهذا السبب تنعم بعلاقات إستراتيجية مع الدولة العظمى الأمريكية. أمريكا من جهتها، تعرف حقّ المعرفة أنّها إذا احتاجت لدعم إسرائيل، كما حدث مثلاً عند اجتياحها العراق عام 2003، فستحظى بدعم إسرائيل قاطبةً، من المواطن العاديّ وحتّى القيادة السياسية، من اليمين ومن اليسار على حدّ سواء.

غير أنّ النهج التوفيقي الذي اتبعه اوباما باء بالفشل. محاولات أوباما تهدئة الجمهوريين لم تجنِ ثمارًا حتّى الآن، الفجوات الأيديولوجية تجاه التصوّر المستقبلي للمجتمع الأمريكي والمصالح الضيّقة التي يلوّح بها الجمهوريون المعنيون بإسقاط أوباما تمنع الأطراف من التوصّل إلى تفاهم في المسائل الأساسية التي تواجهها الولايات المتّحدة في الوقت الراهن. وقد بلغ الامر، على سبيل المثال، ان اعترض الجمهوريون على خطة اصلاح الجهاز الصحي، مع انها بالضبط الخطة التي اقترحوها بأنفسهم قبل سنة واحدة، وقد لاءمها اوباما لهم لكي يحصل على موافقتهم. فكانت النتيجة ان خسر اوباما مرتين: أولا مرّر قرارا هزيلا مائعا وتنازل عن شعاره الانتخابي وهو ان يكون هناك تأمين صحي حكومي، وثانيا فشل سياسيا في ان يحظى بدعم الجمهوريين.

نتنياهو يقرأ الخارطة السياسية الامريكية جيدا، ويناور في انتظار فوز الجمهوريين بانتخابات نصف الولاية في تشرين ثان القريب، والحد من نفوذ الرئيس اوباما الذي من المتوقع ان يفقد الاغلبية في الكونغرس. الامر الاساسي بالنسبة لنتنياهو هو الحفاظ على ائتلافه اليميني بكل ثمن، حتّى وإن كلّفه ذلك الأزمة الحالية مع الولايات المتحدة التي تريد منه ادخال تسيبي ليفني للائتلاف وإحياء العملية السلمية مع الفلسطينيين.

امريكا في ورطة

إلاّ أنّ الأزمة الحالية بين الولايات المتّحدة وإسرائيل لا تتلخّص في الفوارق السياسية العميقة القائمة بين رئيس حكومة إسرائيلي محافظ ورئيس أمريكي اصلاحي، وإنّما في الاختلاف العميق في وضع البلدين. تعاني الولايات المتّحدة من أزمة اقتصادية شديدة، تؤثّر على مكانتها كدولة عظمى وحيدة في العالم. بعد ثلاثين سنة من السياسة الاقتصادية المحافظة، التي منحت مقاليد قيادة الاقتصاد للبنوك الكبرى وللشركات المالية في وول ستريت، وصل الاقتصاد الأمريكي إلى شفا الهاوية. الولايات المتّحدة متورّطة في العراق ولا تدري سبيلا للخلاص، وبالإضافة إلى ذلك وسّعت جبهتها ضدّ الطالبان في أفغانستان من خلال إرسال ثلاثين ألف جندي إضافي إلى هناك. الجبهة ضدّ الإسلام المتطرّف تمتدّ على طول آسيا وأفريقيا، وتضمّ باكستان وإيران واليمن والعراق والصومال. يحاول أوباما الخلاص من هذه الأزمة الصعبة، لكنّ المعارضة التي يلقاها من الداخل ترى في هذه الأزمة فرصة للمسّ بمصداقيته وبتأييد الشعب الأمريكي له.

نتنياهو، بخلافه، يعيش في عالَم آخر. الحربان الأخيرتان اللتان شنّتهما حكومة أولمرت وليفني السابقة ضد لبنان وغزة، منحته الهدوء على الجبهة الشمالية والجنوبية. ما بقي على نتنياهو هو معالجة المشاكل التي خلّفتها الحرب والمتمثّلة في تقرير جولدستون، ولكن لا يمكن المقارنة بين أضرار التقرير وبين الخسائر التي تتكبّدها أمريكا يوميًا في الجبهة الأفغانية.

بالإضافة إلى ذلك، في الوقت الذي لا ينجح فيه الاقتصاد الأمريكي في الانتعاش من الأزمة الاقتصادية، ونسبة البطالة فيها تعدّت %10، وفي الوقت الذي يزداد عدد المواطنين الأمريكيين الذين يفقدون بيوتهم، فالوضع في إسرائيل يختلف تمامًا: نسبة البطالة لا تتعدّى %7، وأسعار العقارات ترتفع دون حدود، والشيقل يقوى بالمقارنة مع الدولار. حتى الآن لا تبدو آثار الأزمة الاقتصادية على إسرائيل، ونتنياهو من جانبه، لا يرغب في شيء سوى أن يبقى الوضع على ما هو عليه.

للخلاص من الورطة الأفغانية والعراقية، والتركيز في التغييرات التي ينبغي القيام بها لمواجهة الأزمة الاقتصادية وخاصة بكل ما يخص البطالة وأزمة البيوت، يحتاج أوباما الى إسرائيل. قائد المنطقة الوسطى الأمريكي، ديفيد بتريوس، حذّر مؤخّرًا لجنة مجلس الشيوخ للشؤون العسكرية بشأن الأبعاد الخطيرة التي تكمن في تجميد المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. ادّعى بتريوس بأنّ "النزاع يغذّي الشعور بالعداء لأمريكا، على ضوء الشعور بتفضيل أمريكا لإسرائيل". المصلحة الواسعة للولايات المتّحدة تصطدم مع المصالح الضيّقة لحكومة إسرائيل اليمينية. وفقًا للتصوّر الأمريكي، أمن إسرائيل مربوط بمكانة أمريكا الإستراتيجية في المنطقة. كي تنجح أمريكا في الانتصار في الحرب الكبرى، يتوجّب على إسرائيل المشاركة في الجهود الأمريكية لعزل الإسلام المتطرّف وتعزيز الحلف مع صديقات أمريكا، وعلى رأسها مصر والسعودية. الافتراض هو أنّ حزب الله وحماس يستمدّان قوّتهما من المعسكر المتطرّف، ومن مصلحة إسرائيل أن تنتصر أمريكا في حربها هذه ضدّ المتطرّفين.

إلاّ أنّ منطق بيبي وأصدقائه الجمهوريين مناقض تماما. فهم يرون أنّ كلّ تنازل من جهة إسرائيل اشارة الى ضعف، ومحاولات تقرّب أوباما من العرب تمسّ بمكانة الولايات المتّحدة. لذا فإنّ العلاقات بين البلدين وصلت إلى طريق مسدود، من الصعب تخطّيه. نتنياهو يعتبر الضغط التي تمارسه أمريكا على إسرائيل لوقف الاستيطان في الضفّة الغربية والقدس هو مثابة محاولة لتفكيك ائتلافه الحكومي اليميني وإجباره على ضمّ حزب كديما إلى الائتلاف الحكومي.

من جهة أخرى، يرى أوباما في أعمال نتنياهو والدعم الذي يحظى به من الكونغرس، محاولة إسرائيلية للتدخّل في السياسة الداخلية الأمريكية، ومحاولة لإسقاط الديمقراطيين في الانتخابات للكونغرس المقرّر إجراؤها في نهاية السنة الحالية. فإذا خسر الديمقراطيون الأغلبية التي يتمتّعون بها في الكونغرس، فسوف تضعف إدارة أوباما ويتم انقاذ ائتلاف بيبي. على بيبي نتنياهو الصمود لثمانية أشهر أخرى.

من السهل جدًّا الإشارة بإصبع الاتّهام لنتنياهو وحكومته اليمينية، ومسؤوليتهما عن الصراع مع العرب واضحة، ولكنّ جذور المشكلة تكمن في التناقض الذي يعاني منه أوباما نفسه. رغم نواياه الحسنة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي وتقديم العون للطبقات الوسطى، فهو ليس سوى رأسمالي، يرى في أمريكا الدولة التي يجب أن تواصل قيادة العالَم، ودوره هو المحافظة على الإمبراطورية الأمريكية.

هذا التوجه هو الذي قاد الرئيس الامريكي لارتكاب خطئه الأوّل والفادح في بداية عهده، عندما خصّص تريليون دولار لإنقاذ البنوك الكبرى. الشعب الأمريكي الذي خسر مدّخراته وأماكن عمله وبيته، رأى في ذلك منح جائزة للأشرار. بدلاً من إنقاذ الاقتصاد المتهاوي، هرع أوباما إلى إنقاذ أولئك المسؤولين عن انهياره، الامر الذي سبب خيبة امل لدى الجمهور الذي صوّت له. المفارقة ان خيبة الأمل هذه هي التي تعزّز وتغذّي المعارضة الجمهورية، التي تتحمل المسؤولية عن نشوب الأزمة ودعمت أيضًا خطّة إنقاذ وول ستريت.

الواقع يصفع وجه أوباما يوميًا، ولا غرابة في ذلك. اذ لا يمكن إحداث إصلاح في الاقتصاد وفي نفس الوقت تعزيز البنوك الكبرى، كما انه لا يمكن حلّ النزاع في الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت الاستمرار في دعم إسرائيل دعمًا مطلقًا. إذا أراد أوباما التغيير بالفعل، عليه تغيير سياسته ووضع إسرائيل أمام حقيقة قاطعة، وقول الحقيقة في وجهها: لإنهاء النزاع يجب وضع حدّ للاحتلال وإتاحة قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، بما في ذلك القدس الشرقية. المشكلة أنّ أوباما يترك الكثير من الغموض. صحيح أنّه يرغب في إقامة دولة فلسطينية، لكن بدون أيّ التزام بتحديد حدودها وتحديد مكانة القدس وسيادة هذه الدولة.

مع ان الجميع يحاول تصوير نتنياهو كسبب للأزمة، الا ان المشكلة لا تتوقف عنده. صحيح ان نتنياهو يتزعم اكثر الحكومات يمينية وتطرفا، الا ان حكومة كديما برئاسة أولمرت أهدرت الوقت في مفاوضات بلا جدوى مع رئيس السلطة الفلسطينية، وتجنّبت التوصّل إلى حسم الأمور. والواقع انه حتى اليوم لم تقم في اسرائيل حكومة قادرة على مواجهة المستوطنين في الضفّة الغربية وإخلاء المستوطنات.

مطالبة أوباما من إسرائيل بتجميد بناء المستوطنات لا يمكنها أن تؤدّي إلى انطلاقة حقيقية لحلّ النزاع. لذلك ستستمرّ الولايات المتّحدة في استنزاف قواها في أفغانستان والعراق، والنزاع مع الفلسطينيين ستزداد حدّته. الأمريكيون والإسرائيليون وكلّ العالَم سيعرفون أنّ السلام الحقيقي لا يمكن ان يكون ثمرة لموازين القوى التي تضمن الهيمنة العسكرية لامريكا واسرائيل. السلام سيأتي على اساس الإدراك بأنّ رفاهية جميع الشعوب وإلغاء الفجوات الهائلة بين الشرق والغرب، هي الطريقة الوحيدة لوقف توسّع دائرة الدم التي نعاني منها جميعًا.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__358/تعثّر_الحلف_الإستراتيجي
15.12.2017, 21:12