تاريخ النشر ٠٩/٠٢/٢٠١٠

شؤون اسرائيلية

المحرقة والمعادلة

يعقوب بن افرات

لا حاجة لتشبيه الاحتلال بالمحرقة لفضح بشاعته وجرمه. فهو بشع بما فيه الكفاية. ولكن من يخشى بالفعل من حدوث محرقة جديدة ومن عودة الفاشية، فعليه الا يضيع الوقت في البحث عن جذور الشر في كهوف تورا بورا او في شوارع طهران. الفاشية لا تزال تستوطن المجتمعات الغربية، هناك نمت وترعرعت وهناك تظهر باشكالها المختلفة.

اسرائيل تحرّم المقارنة بين المحرقة (الهولوكوست) وبين معاناة الفلسطينيين. كل من يخالف هذا القانون يتعرض لمحاكمة سريعة، يُدان وينفى الى خارج الاجماع. آخر ضحايا هذا التوجه كان المخرج والمنتج الاسرائيلي يهونتان سيجال، الذي اتهم بانه قارن في فيلمه الجديد "أودِم" (أحمر الشفاه) بين معاناة امه في المحرقة وبين معاناة الفلسطينيين في رام الله. لهذا السبب قام صندوق السينما الاسرائيلي في مطلع عام 2010 بتعليق تمويله للفيلم بقيمة 1.32 مليون شيكل.

كثيرون آخرون قبل سيجال تعرضوا لوضع مشابه، عندما احتجوا على الاوضاع في المناطق المحتلة، وخاصة الحصار المفروض على غزة. تقرير جولدستون تحول في نظر المؤسسة الاسرائيلية الى مستند "لا سامي"، المحكمة الدولية في لاهاي تحولت هي الاخرى الى مؤسسة لملاحقة اليهود. بعد اكثر من ستين عاما على وقوع المحرقة، لا تزال اسرائيل تسخّرها بشكل غير لائق لصالحها ولتبرير احتلالها للشعب الفلسطيني.

على ارض الواقع المقارنة بين المحرقة النازية والاحتلال الاسرائيلي، قائمة. في هذه الايام تجول في انحاء المانيا مسرحية "الجيل الثالث" بمشاركة ممثلين اسرائيليين، فلسطينيين والمان، برعاية المسرح الوطني الاسرائيلي "هبيما" والمسرح الالماني شاوفينه. المسرحية تذبح كل البقرات المقدسة، وتُخضع التاريخ المأساوي الذي مرت به الشعوب الثلاثة للنقد اللاذع التهكمي وللنقاش. رغم ان المسرحية تحتوي على مقطع فذ لممثلة اسرائيلية بعنوان "لا تقارن"، الا ان المقارنة هي لب العمل المسرحي.

رغم ان الاحتلال الاسرائيلي يسبّب الاحباط لكل من يريد رؤية نهاية لهذا النزاع الطويل، ويفتح المجال لمقارنته بالنازية، فالحقيقة ان المقارنة نابعة من جهل بالتاريخ وليس من قصد لتشويه الحقيقة التاريخية او التقليل من معاناة الشعب اليهودي آنذاك.

من جهة اخرى، حتى الجيل الشاب في اسرائيل جاهل بتاريخه، فهو لا يعرف من كان بن غوريون ولا ما هي نظرية هرتسل. ما حدث في المانيا في الثلاثينات والاربعينات بعيد منه، ولذا فهو الآخر معرّض للتضليل من قبل حكوماته التي تنظم له جولات سنوية الى معسكر الابادة في اوشفيتس، حيث تسخّر ما حدث هناك لصالح الدعاية الصهيونية.

لا بد من التوضيح ان اليهود لم يكونوا السبب لوقوع المحرقة، بل كانوا الحجة لها. المانيا النازية استعملت نظرية التفوق العرقي لتوحد الشعب الالماني، وتبعث به الى حرب عالمية امبريالية واسعة النطاق. وقد خضع الشعب الالماني وأطاع زعيمه، توحد وحارب بكل ما أوتي من قوة من اجل الرايخ الثالث. وقبل ان يرسَل اليهود الى اوشفيتس أُرسل الشيوعيون الالمان الى معسكر بوخنفلد، وفي اعقابهم أُرسل الى هناك اعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

المحرقة لم تكن نصيب اليهود فقط. 50 مليون انسان قتلوا في هذه الحرب، بينهم 20 مليون مواطن سوفييتي. غير ان ابادة اليهود كانت الاكثر همجيةً وبربريةً والأصعب للاستيعاب. فقد أرى الشعب الأكثر تحضرا في اوروبا العالم كله الى أي حضيض يمكن ان ينحدر الانسان المعاصر، وان الحضارة والعلم والتكنولوجيا لا تشكل رادعا للايديولوجية الشوفينية العنصرية.

ولكن ما حدث من بعد المحرقة، ان حملة لوائها والساعين لتخليد ذكرها هم انفسهم تحولوا الى اكبر المزورين في التاريخ، وهم يستخدمون المحرقة لخدمة اهدافهم وتبرير احتلالهم الوحشي للفلسطينيين. ابرز هؤلاء هو رئيس الحكومة الاسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الذي لا يخجل من الوقوف على المنصة في اوشفيتس والمقارنة بين هتلر واحمدي نجاد وبين المانيا النازية وايران.

ولكن اذا كان الزعيم الايراني هتلر، وايران هي المانيا النازية، فهذا يقوي موقف احمدي نجاد نفسه الذي ينكر المحرقة ويدعي انها مجرد اختراع يهودي. فمن يشوّه التاريخ كما يفعل نتانياهو، انما يقصد الربط بين ضحايا المحرقة وبين دولة اسرائيل. فحسب هذا التوجه المشوّه، اسرائيل هي الضحية، اما احتلال المناطق الفلسطينية فليس سوى عملية دفاع عن النفس من القوى التي تسعى لإبادتها، مثل ايران.

ولكن الحقيقة انه لا مجال للمقارنة بين اسرائيل وبين يهود المحرقة. فيهود اوروبا الذين أبيدوا في معسكرات الغاز، كانوا بمعظمهم فقراء، ملاحقين، عديمي اية حقوق وحماية. يهود الشتات هؤلاء تحدثوا لغة اليديش، وهي الثقافة التي محتها اسرائيل تماما. كل ما ابقت عليه اسرائيل من ثقافتهم كانت المحرقة التي تحولت من حدث تاريخي فظيع الى اسطورة هدفها ان تبرر قيام دولة اسرائيل على اساس تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وان تبرر الفظائع التي لا يزال الاسرائيليون يرتكبونها ضد الفلسطينيين، باسم ضحايا المحرقة.

التوراة بيد واحدة والمحرقة باليد الاخرى، تحولتا الى حجر اساس قيام دولة اسرائيل. المفارقة ان الأسس التي قادت للكارثة النازية التي عانى منها اليهود، وخاصة الرغبة في الاحتلال والتوسع من خلال الحرب، العنصرية، كراهية الغرباء، الاحساس بالتفوق القومي، اللامبالاة تجاه معاناة الآخر، تحولت جميعها الى قيم يتبناها المجتمع الاسرائيلي. ولذلك يصر معارضو اسرائيل على المقارنة بين الاحتلال وبين المحرقة، لانه اذا كان مسموحا لرئيس الحكومة ان يقارن بين امور لا وجه للمقارنة بينها، يصبح ذلك مسموحا ايضا لمعارضيه.

لا يمكن مقارنة المحرقة بأي حدث تاريخي عرفته البشرية. من جهة اخرى، ما تفعله اسرائيل في المناطق المحتلة له سوابق تاريخية عديدة. عندما اندلعت الانتفاضة الاولى نشر الجيش الاسرائيلي كتاب اﻠﻤـــﺆرخ اﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ أﻟﻴﺴﺘﺮ ﻫﻮرن بعنوان "ﺣﺮب وﺣﺸـﻴﺔ للسلام" عن احتلال الفرنسيين للجزائر، وقارن فيه بين المستوطنين الفرنسيين والمستوطنين اليهود. نظام الفصل العنصري الابارتهايد في جنوب افريقيا هو ايضا يدعو للمقارنة، وكذلك كل اشكال الاستعمار التي ميزت القرن ال19 ومطلع القرن العشرين. غير ان الاستعمار ولى من العالم، ولم يبق سوى الاستعمار الاسرائيلي الذي ملّ وتعب منه العالم لانه يرفض ان ينتهي.

لا حاجة لتشبيه الاحتلال بالمحرقة لفضح بشاعته وجرمه. فهو بشع بما فيه الكفاية. ولكن من يخشى بالفعل من حدوث محرقة جديدة ومن عودة الفاشية، فعليه الا يضيع الوقت في البحث عن جذور الشر في كهوف تورا بورا او في شوارع طهران. الفاشية لا تزال تستوطن المجتمعات الغربية، هناك نمت وترعرعت وهناك تظهر باشكالها المختلفة، سواء في الولايات المتحدة، سويسرا، ايطاليا، فرنسا، هولندا، بريطانيا والنمسا.

القاسم المشترك لكل اشكال الفاشية هي كراهية الغرباء، التعصب القومي، الاحساس بالتفوق العرقي، الاستهتار بالديمقراطية ومحاولة استعادة مجد الامبراطوريات الآفلة. هناك مكمن الخطر الحقيقي. ولكن اسرائيل لا تبالي بهذا الخطر، بل توجه حِرابها للاتجاه غير الصحيح. لذلك فمعادلة نتانياهو ليست خاطئة فحسب، بل مضرة ايضا.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__347
18.11.2017, 12:11